خمس أرباح المكاسب على فرض صحة الأخبار مختص بالإمام فقط

بالبيان الذي مرَّ معنا اتَّضح تماماً وأصبح من المسلَّمات أن كلمة (الخُمس) التي فرضت في المعادن والكنوز والغوص والمال المختلط بالحرام وأمثالها إنما تشير إلى مقدار الواجب أداؤه من زكاة تلك الأمور، ومصرف ذلك الخُمس هو مصارف الزكاة عينها بالطبع، وبنو هاشم وغير بني هاشم في هذا الأمر سواء.

أما الخُمس الذي حُدّد في الأخبار أنه لذوي قربى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو خمس غنائم دار الحرب ذاته والذي لم يُعْطَ بعد رحيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأي أحد من قرابته، ولا أثر له في تاريخ المسلمين وسيرتهم! أما خمس أرباح المكاسب الذي راج في زماننا والذي يدعو إليه فقهاء الشيعة ويدافعون عنه بكل شدَّة وحماس وجعلوه مختصاً حصراً ببني هاشم ويعزلون منه أيضاً سهم الإمام! فليس هناك أي دليل يصدقه لا  في كتاب الله ولا في سنة رسوله ولا في عمل مسلمي صدر الإسلام بل حتى ليس هناك ما يصدقه في الأحاديث بصرف النظر عن ضعفها. أما محاولة بعض الفقهاء التمسك بعموم عبارة (غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ) والاستدلال بها على خُمس المكاسب والأرباح، فهي تَنَكُّبٌ عن الصراط وتَجَاوُزٌ للحقيقة، وقد أوردنا فيما سبق بيانات عدة من علماء الشيعة الذي صرحوا بأن مثل هذا الاستدلال بكلمة (غَنِمْتُمْ) استدلال خاطئ وغير صحيح!

ولا يوجد في تاريخ الخلفاء – سواء كانوا خلفاء بحق أم بباطل – أدنى أثر أو خبر يفيد أنه كان يؤخذ من أرباح مكاسب المسلمين دينار واحد باسم الخُمس! وكما ذكر المرحوم المقدس الأردبيلي في «زبدة البيان» (ص209) فإن إيجاب مثل هذا الخُمس هو بحد ذاته «تكليف شاق، وإلزام شخص بإخراج خمس جميع ما يملكه بمثله مشكل، والأصل والشريعة السهلة السمحة ينفيانه.. » .

وقد جاءت أخبار في خصوص وجوب الخُمس في الكتب المعتمدة لدى الشيعة مثل: الكافي ومن لا يحضره الفقيه والتهذيب والاستبصار وسائر كتب الشيخ الصدوق مثل: المجالس (الأمالي) والمقنع وعيون أخبار الرضا عليه السلام وغيرها، وقد جمعها كلها الشيخ الحر العاملي في «وسائل الشيعة» وكلُّها بلا استثناء أحاديث معلولة وضعيفة ومجهولة ومرسلة أي واهية من حيث سندها، ولا يصح من كل تلك الأحاديث حتى حديث واحد!!!(142).

ومجموع الأحاديث التي جاءت في باب وجوب خمس أرباح المكاسب والتجارات والزراعات والصناعات وروتها كتب الشيعة المختلفة مثل الكافي والتهذيب والسرائر هو عشرة أحاديث، جمعها كلها الشيخ الحر العاملي في «وسائل الشيعة».

من هذه الأحاديث العشرة – وهي جميعاً ضعيفة واهية من حيث السند – توجد خمسة أحاديث تدل بصراحة على أن خمس أرباح المكاسب وغيرها مختص بالإمام فقط وليس لغيره حقٌّ فيه. والأحاديث الخمسة الأخرى تثبت حقاً لغير الإمام في هذا الخُمس. وسنستعرض هذه الأحاديث العشرة جميعاً واحداً واحداً ونمحِّصُها سنداً ومتناً كي تتضح قيمتها ودرجتها من الصحة والقبول. الأحاديث التي ينصّ متنها على أن الخُمس خاص بالإمام فقط دون غيره هي الأحاديث الثاني والثالث والرابع والخامس والثامن حسب الترتيب الذي ذكرها فيه الشيخ الحر في «الوسائل» وفيما يلي بيانها:

الحديث الأول: «وَعَنْهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شُجَاعٍ النَّيْسَابُورِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا الحَسَنِ الثَّالِثَ (ع) عَنْ رَجُلٍ أَصَابَ مِنْ ضَيْعَتِهِ مِنَ الْحِنْطَةِ مِائَةَ كُرِّ مَا يُزَكَّى فَأُخِذَ مِنْهُ الْعُشْرُ عَشَرَةُ أَكْرَارٍ وَذَهَبَ مِنْهُ بِسَبَبِ عِمَارَةِ الضَّيْعَةِ ثَلَاثُونَ كُرّاً وَبَقِيَ فِي يَدِهِ سِتُّونَ كُرّاً مَا الَّذِي يَجِبُ لَكَ مِنْ ذَلِكَ وَهَلْ يَجِبُ لِأَصْحَابِهِ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِ شَيْ‏ءٌ؟؟ فَوَقَّعَ (ع): لِي مِنْهُ الخُمُسُ مِمَّا يَفْضُلُ مِنْ مَئُونَتِهِ » .

هذا الحديث نقله صاحب الوسائل عن الشيخ الطوسي، لكن الشيخ الطوسي رواه في «التهذيب» (4/16) بالسند التالي: «سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شُجَاعٍ النَّيْسَابُورِيُّ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا الحَسَنِ الثَّالِثَ (ع) عَنْ رَجُلٍ أَصَابَ مِنْ ضَيْعَتِه‏... الحديث».

واختلاف التهذيب عن الوسائل هو في الراوي المتصل بالإمام: هل هو «عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شُجَاعٍ النَّيْسَابُورِيِّ» أم «مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شُجَاعٍ النَّيْسَابُورِيُّ»، وعلى كل حال سواء كان «عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ» أم «مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ» فإنه لا وجود لأي منهما في كتب الرجال، فهذا الراوي مجهول الهوية بل هو مجهول مطلق. أما الراوي الأول للحديث (عند الشيخ الطوسي) فهو «سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأشعريُّ» وقد ذكره ابن داود في رجاله (ص457) في قسم الضعفاء والمجروحين والمجهولين.

أما من ناحية المتن فقد سأل الراوي المجهول مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شُجَاعٍ النَّيْسَابُورِيُّ الإمامَ أَبَا الْحَسَنِ الثَّالِثَ (ع) (أي الإمام علي بن محمد النقيّ) عَنْ رَجُلٍ أَصَابَ مِنْ ضَيْعَتِه.. الخ.

فهذا المتن لا يبين أي مزرعة كانت تلك التي طالبه الإمام بخمس ربحها الخالص، وذلك لأنه لم يكن رائجاً بين الشيعة في زمن حضرة الإمام الهادي أن يعطى الإمام خمس أرباح المزرعة التي أدى صاحبها زكاتها، فيُحْتَمل أن تكون هذه المزرعة أو الأرض وقفاً لآل محمد عليهم السلام، إذ كانت توجد مثل هذه الموقوفات في ذلك الزمن حيث كان يصل للإمام خمس حاصلها بعد اقتطاع المؤونة منه، أو أنها كانت من الأراضي المفتوحة عنوة التي إذا قيل بأن فيها خمس الغنائم فإن خمسها يكون واجب الأداء للإمام بعد اقتطاع المؤونة منه. وعلى كال حال فجهالة متن تلك الرواية أشدُّ من جهالة سندها، ولا يمكن أخذ مال امرئ مسلم استناداً إلى مثل هذا الحديث المجهول، وحتى لو فرضنا جواز ذلك فإن هذا يكون أيضاً حقّاً للإمام الحيِّ الحاضر ولا وجوده لمثله في زماننا. ويُضاف إلى هذا أحاديث تحليل الخُمس التي سيأتي ذكرها لاحقاً إن شاء الله.

الحديث الثاني: «عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ قَالَ قَالَ لِي أَبُو عَلِيِّ بْنُ رَاشِدٍ: قُلْتُ لَهُ: أَمَرْتَنِي بِالْقِيَامِ بِأَمْرِكَ وَأَخْذِ حَقِّكَ فَأَعْلَمْتُ مَوَالِيَكَ بِذَلِكَ فَقَالَ لِي بَعْضُهُمْ: وَأَيُّ شَيْ‏ءٍ حَقُّهُ؟ فَلَمْ أَدْرِ مَا أُجِيبُهُ؟! فَقَالَ: يَجِبُ عَلَيْهِمُ الخُمُسُ. فَقُلْتُ: فَفِي أَيِّ شَيْ‏ءٍ؟ فَقَالَ: فِي أَمْتِعَتِهِمْ وَصَنَائِعِهِمْ. قُلْتُ: وَالتَّاجِرُ عَلَيْهِ وَالصَّانِعُ بِيَدِهِ؟ فَقَالَ: إِذَا أَمْكَنَهُمْ بَعْدَ مَئُونَتِهِمْ.».

في هذا الحديث يقول «عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ» عرَّاب الخُمس وبطله أن عَلِيَّ بْنَ رَاشِدٍ قَالَ: «قُلْتُ لَهُ»! هكذا دون أن يبين إلى من يعود الضمير، أي دون تصريح بهوية المقول له أو المسؤول، فهو مجهول وقد لا يكون إماماً معصوماً. ثم جاء في متنه، «فَقَالَ لِي بَعْضُهُمْ » وفيه إحالة إلى مجهول أيضاً، فهذا المتن مجهول جداً لدرجة أنه ليس فيه ذكر أو بيان لهوية السائل ولا هوية المسؤول!!

أما من ناحية السند فراوي الحديث المتصل بالمعصوم (إن كان المسؤول هو المعصوم فعلاً) هو «أَبُو عَلِيِّ بْنُ رَاشِدٍ » واسمه طبقاً لما تذكره كتب الرجال: «الحسن بن راشد»، وكان - حسب رجال البرقي وابن داود – من أصحاب حضرة الإمام الجواد عليه السلام. وأخيراً صار وكيلاً لذلك الإمام من قبل الإمام الهادي عليه السلام بدلاً من «الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّه » ، ومثل هذا الشخص يكون عادة ملمّاً إلى حدٍّ ما بأحكام الشرع، ولكن رغم ذلك نجده يسأل مسؤوله – الذي ربما يكون الإمام - أَمَرْتَنِي بِالْقِيَامِ بِأَمْرِكَ وَأَخْذِ حَقِّكَ فَأَعْلَمْتُ مَوَالِيَكَ بِذَلِكَ فَقَالَ لِي بَعْضُهُمْ: وَأَيُّ شَيْ‏ءٍ حَقُّهُ؟ فَلَمْ أَدْرِ مَا أُجِيبُهُ؟! وإنه من العجيب حقاً هذا الأمر! فأي حق هذا الذي بقي حتى زمن حضرة الإمام الهادي، أي بعد مضي مئتان وخمسون عاماً من عمر الإسلام، غير مشتهر إلى درجة أنه لم يكن الشيعة وموالي الأئمة أنفسهم - الذين يفترض أنهم أعلم من سائر الناس بأحكام الدين – يعرفون أي شيءٍ عن هذا الحق الذين هم مطالبون به؟!

إن متن هذا الحديث يوحي بأن هذا الحق كان مجهولاً وغير رائج إلى درجة أن أبا علي بن راشد لم يكن له به أي علم كما لم يكن الشيعة وبقية المسلمين يعلمون عنه شيئاً!! وعلى كل حال حتى لو كان هذا الحديث صحيحاً وكان يثبت حقاً مسلماً به فإن هذا الحق متعلق بالإمام الحي والحاضر فقط ولا يثبت للآخرين أي حق فيه، هذا بمعزل عن أن سند الحديث معلول ومخدوش ومتنه مشوش ومضطرب وليس لصاحب الحق فيه وجود خارجي(143).

الحديث الثالث: نقله صاحب الوسائل عن «كافي» الكُلَيْنِيّ و«تهذيب» الشيخ الطوسي (ص 123): فقال: «وَعَنْهُ – (أي عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ بطل خمس أرباح المكاسب) – قَالَ: كَتَبَ إِلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الهَمَذَانِيُّ.. » .

هنا أيضاً يظهر أن الشيخ [الحُرّ] اشتبه في النقل لأن سند هذه الرواية كما رواها الكُلَيْنِيّ في «الكافي» هو: «سَهْلٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الهَمَذَانِيِّ قَالَ كَتَبْتُ إِلَى أَبِي الحَسَنِ (ع) (أي الإمام علي الهادي عليه السلام): أَقْرَأَنِي عَلِيُّ بْنُ مَهْزِيَارَ كِتَابَ أَبِيكَ (ع) فِيمَا أَوْجَبَهُ عَلَى أَصْحَابِ الضِّيَاعِ نِصْفُ السُّدُسِ بَعْدَ المَئُونَةِ وأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى مَنْ لَمْ تَقُمْ ضَيْعَتُهُ بِمَئُونَتِهِ نِصْفُ السُّدُسِ ولَا غَيْرُ ذَلِكَ (في التهذيب: أَنَّهُ أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ نِصْفَ السُّدُسِ بَعْدَ المَئُونَةِ ولَا غَيْرُ ذَلِكَ) فَاخْتَلَفَ مَنْ قِبَلَنَا فِي ذَلِكَ فَقَالُوا يَجِبُ عَلَى الضِّيَاعِ الخُمُسُ بَعْدَ المَئُونَةِ مَئُونَةِ الضَّيْعَةِ وخَرَاجِهَا لَا مَئُونَةِ الرَّجُلِ وعِيَالِهِ فَكَتَبَ عليه السلام (وفي التهذيب: فَكَتَبَ وقَرَأَهُ عَلِيُّ بْنُ مَهْزِيَارَ) بَعْدَ مَئُونَتِهِ ومَئُونَةِ عِيَالِهِ وبَعْدَ خَرَاجِ السُّلْطَانِ. (وفي التهذيب: عَلَيْهِ الخُمُسُ بَعْدَ مَئُونَتِهِ ومَئُونَةِ عِيَالِهِ وبَعْدَ خَرَاجِ السُّلْطَانِ).».

وعلى كل حال إذا درسنا سند هذا الحديث كما جاء من طريق الكُلَيْنِيّ في «الكافي» لرأينا أنه حديثٌ مُفتَضحٌ جداً لأن الكُلَيْنِيُّ يرويه عن: سَهْلِ بن زياد عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الهَمَذَانِي، ويكفي أن ننظر في حال «سَهْل بن زياد»‏ لندرك بطلان هذا الحديث، فما بالك لو عرفنا حال «إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الهَمَذَانِي» الذي هو مجهول الحال ومجهول العدالة. أما «سَهْل بن زياد»‏ فإليكم ما ذكرته كتب الرجال بشأنه:

جاء في «الفهرست» للشيخ الطوسي (ص 106) طبع النجف: «سهل بن زياد الآدمي الرازي، أبو سعيد ضعيف. » .

وجاء في «الاستبصار» (3/261): «.. فَرَاوِيهِ أَبُو سَعِيدٍ الْأَدَمِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدّاً عِنْدَ نُقَّادِ الْأَخْبَار » .

وقال عنه النجاشي في رجاله (ص 140، طبع طهران): «سَهْل بن زِيَاد أبو سعيد الآدمي الرازي: كان ضعيفاً في الحديث، غير معتمد فيه. وكان أحمد بن محمد بن عيسى يشهد عليه بالغلوّ والكذب وأخرجه من قم إلى الريّ وكان يسكنها » .

وقال عنه المرحوم ابن الغضائري: «سهل بن زياد أبو سعيد الآدمي الرازي: كان ضعيفاً جداً فاسد الرواية والمذهب وكان أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري أخرجه من قم وأظهر البراءة منه ونهى الناس عن السماع منه والرواية ويروي المراسيل ويعتمد المجاهيل. » (144).

وقال في كتاب «تحرير الطاووسي»(145): «وقال فيه عن الفضل بن شاذان عن طريق علي بن محمد: إنه كان يقول عنه أنه أحمق! » ، وصدَّق الكشي في رجاله (ص 473) مقولة الفضل بن شاذان عن حماقة «سهل بن زياد». وأيَّدَ التفرشيُّ في «نقد الرجال» (ص165) تلك الأمور المذكورة عن الرجل وكذلك أيَّدَها صاحب جامع الرواة (ج1/ص392) ورجال طه (ص 298).

ونقل العلامة الشوشتري مُدَّ ظِلُّهُ في كتابه «قاموس الرجال» (ج5/ص38) العبارات المذكورة أعلاه بشأن «سهل بن زياد» وأيَّدَها وردَّ ردّاً علميّاً على الأباطيل التي ذكرها المامقاني في الدفاع عن الرجل.

أما «إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الهَمَذَانِيُّ» فقد اعتبره الشهيد الثاني في تعليقاته على «الخلاصة» مطعوناً به ومجهول العدالة والحال، وكذلك حكم كل من المرحوم المقدس الأردبيلي والمحقق السبزواري بضعفه وجهالته(146).

وإضافةً إلى ضعف سند الرواية لاحتوائه على مطعونين ومجهولين فإن متن الرواية أيضاً مضطرب ومعلول وغير مفهومٍ، فلم يتضح ما هو ذلك الحق الذي نسبه أولئك الرواة الغلاة وفاسدي المذهب والرواية إلى الأئمة المعصومين عليهم السلام مثل: حضرة الجواد وحضرة الهادي والعسكري. في حين أننا لا نجد مثل هذا الادعاءات لدى الأئمة السابقين لهم وأنهم كانوا يطالبون شيعتهم بمثل هذا الحق. وهذه الرسالة، كما يصرِّح بذلك العلامة المجلسي في «مرآة العقول» (ج1/ص448) هي تلك الرسالة ذاتها التي قرأها «عَلِيُّ بْنُ مَهْزِيَارَ» على الآخرين في الطريق إلى مكة، وسنبين خلال نقدنا للحديث الرابع في هذا الباب بطلان تلك الرسالة وفسادها إن شاء الله.

وإننا نتساءل: هل كان الإمام فعلاً يأخذ مثل ذلك الشيء من الناس أم أن وكلاء مثل: «أَبِي عَلِيِّ بْنِ رَاشِدٍ » و«إِبْرَاهِيمِ بْنِ مُحَمَّدٍ » وأمثالهما ممن لم تُحْرَز عدالتهم بل فسقهم ظاهر، كانوا يأخذونها من الناس باسم الإمام المعصوم المظلوم؟؟

وعلى أي حال حتى لو فرضنا جدلاً أن حقاً ما يثبت وجوبه بمثل هذا الحديث الضعيف جداً(147)، فإنه يكون حقّاً للإمام ذاته وحده فقط ولا يصل إلى الآخرين (من بني هاشم).

الحديث الرابع: من الأحاديث التي تدل على وجوب الخُمس في بعض الأشياء وأن هذا الخُمس خاصٌّ بالإمام فقط هو حديثٌ لم يروه سوى الشيخ الطوسي في كتابيه «التهذيب» (ج1/ص141-142) و«الاستبصار» (ج2/ص60): كما يلي:

«مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ الصَّفَّارُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ وعَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ قَالَ كَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو جَعْفَرٍ (ع) وقَرَأْتُ أَنَا كِتَابَهُ إِلَيْهِ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ قَالَ الَّذِي أَوْجَبْتُ فِي سَنَتِي هَذِهِ وهَذِهِ سَنَةُ عِشْرِينَ ومِائَتَيْنِ فَقَطْ لِمَعْنًى مِنَ المَعَانِي أَكْرَهُ تَفْسِيرَ المَعْنَى كُلِّهِ خَوْفاً مِنَ الِانْتِشَارِ وسَأُفَسِّرُ لَكَ بَعْضَهُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى إِنَّ مَوَالِيَّ أَسْأَلُ اللهَ صَلَاحَهُمْ أَوْ بَعْضَهُمْ قَصَّرُوا فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فَعَلِمْتُ ذَلِكَ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُطَهِّرَهُمْ وأُزَكِّيَهُمْ بِمَا فَعَلْتُ فِي عَامِي هَذَا مِنْ أَمْرِ الخُمُسِ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ ورَسُولُهُ والْمُؤْمِنُونَ وسَتُرَدُّونَ إِلى‏ عالِمِ الْغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة/103-104-105]. ولَمْ أُوجِبْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فِي كُلِّ عَامٍ ولَا أُوجِبُ عَلَيْهِمْ إِلَّا الزَّكَاةَ الَّتِي فَرَضَهَا اللهُ عَلَيْهِمْ وإِنَّمَا أَوْجَبْتُ عَلَيْهِمُ الخُمُسَ فِي سَنَتِي هَذِهِ فِي الذَّهَبِ والْفِضَّةِ الَّتِي قَدْ حَالَ عَلَيْهَا الحَوْلُ ولَمْ أُوجِبْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فِي مَتَاعٍ ولَا آنِيَةٍ ولَا دَوَابَّ ولَا خَدَمٍ ولَا رِبْحٍ رَبِحَهُ فِي تِجَارَةٍ ولَا ضَيْعَةٍ إِلَّا ضَيْعَةً سَأُفَسِّرُ لَكَ أَمْرَهَا تَخْفِيفاً مِنِّي عَنْ مَوَالِيَّ ومَنّاً مِنِّي عَلَيْهِمْ لِمَا يَغْتَالُ السُّلْطَانُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ولِمَا يَنُوبُهُمْ فِي ذَاتِهِمْ فَأَمَّا الْغَنَائِمُ والْفَوَائِدُ فَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِمْ فِي كُلِّ عَامٍ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِـلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي الْقُرْبى‏ والْيَتامى‏ والْمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وما أَنْزَلْنا عَلى‏ عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الجَمْعانِ وَاللهُ عَلى‏ كُلِ‏ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنفال/41]. والْغَنَائِمُ والْفَوَائِدُ يَرْحَمُكَ اللهُ فَهِيَ الْغَنِيمَةُ يَغْنَمُهَا المَرْءُ والْفَائِدَةُ يُفِيدُهَا والْجَائِزَةُ مِنَ الْإِنْسَانِ لِلْإِنْسَانِ الَّتِي لَهَا خَطَرٌ عَظِيمٌ والْمِيرَاثُ الَّذِي لَا يُحْتَسَبُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ ولَا ابْنٍ ومِثْلُ عَدُوٍّ يُصْطَلَمُ فَيُؤْخَذُ مَالُهُ ومِثْلُ مَالٍ يُؤْخَذُ لَا يُعْرَفُ لَهُ صَاحِبُهُ ومِنْ ضَرْبِ مَا صَارَ إِلَى قَوْمٍ مِنْ مَوَالِيَّ مِنْ أَمْوَالِ الخُرَّمِيَّةِ الْفَسَقَةِ فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ أَمْوَالًا عِظَاماً صَارَتْ إِلَى قَوْمٍ مِنْ مَوَالِيَّ فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْ‏ءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلْيُوصِلْ إِلَى وَكِيلِي ومَنْ كَانَ نَائِياً بَعِيدَ الشُّقَّةِ فَلْيَتَعَمَّدْ لِإِيصَالِهِ ولَوْ بَعْدَ حِينٍ فَإِنَّ نِيَّةَ المُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ فَأَمَّا الَّذِي أُوجِبُ مِنَ الْغَلَّاتِ والضِّيَاعِ فِي كُلِّ عَامٍ فَهُوَ نِصْفُ السُّدُسِ مِمَّنْ كَانَتْ ضَيْعَتُهُ تَقُومُ بِمَئُونَتِهِ ومَنْ كَانَتْ ضَيْعَتُهُ لَا تَقُومُ بِمَئُونَتِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ نِصْفُ سُدُسٍ ولَا غَيْرُ ذَلِكَ».

 

الهوامش:

(142) حقاً إنه مما يلفت الانتباه ويستدعي التأمل أن لا يوجد أي حديث من هذه الأحاديث والأخبار التي تتحدث عن خمس شامل لأرباح المكاسب وغيرها في كتاب «من لا يحضره الفقيه». وهذا يبين أن الشيخ الصدوق لم يكن يُعِرْ مثل هذه الأحاديث أي اهتمام ولا يرى صحة شيء منها، وإلا لأورد بعضها في كتابه الفقهي الذي جعله حجة بينه وبين الله! وفي كتاب الكافي الشريف، في (باب الفيء والأنفال وتفسير الخمس وحدوده) ثمانية وعشرون حديثاً في هذا الموضوع، وطبقاً لتحقيق العلامة المجلسي (رح) في كتابه «مرآة العقول» (ج1/ص441 إلى 449) فإن درجة هذه الأحاديث هي كما يلي:  13 حديثاً منها ضعيفة وهي الأحاديث: 1-4-6-10-14-15-18-20-22-23-24-25-26. و9 منها حسنة وهي الأحاديث: 3-8-9-11-16-17-27-28. ولا يدل أي منها على الأمر بدفع الخمس، بل هي تشرح الأشياء التي يتم إخراج خمسها من قبل ولي الأمر مثل الأنفال والمعادن وصفو المال وتولية الوقف. و3 أحاديث منها مجهولة وهي الأحاديث 5-12-21. والحديث الرابع مرسل وهو يشرح تقسيم الغنائم. ولا يوجد من جميع الثمانية وعشرين حديثاً هذه إلا حديثان صحيحان هما الحديث 7 الذي يدل على أن تقسيم الخمس بيد النبي والإمام والحديث 13 الذي يفيد أن الخمس إنما يخرج بعد وضع المؤونة مثل خمس المعادن الذي يخرج بعد اقتطاع تكاليف استخراجه.

(143) قال المرحوم المحقق السبزواري (رحمه الله) في كتابه «ذخيرة المعاد» معلق على هذا الحديث «و رُدَّ بأنه يقتضي اختصاص الخمس بالأئمة، وهو خلاف المعروف من مذهب الأصحاب، وفيه تأمل، وبأن راويها لم يُوثَّق في كتب الرجال صريحاً».  وكلام المحقق صحيح وفي محلِّه لأن ابن داود ذكر في رجاله (ص439) اسم الحسن بن راشد في القسم الثاني الخاص بالمجهولين والمجروحين، ونقل عن ابن الغضائري أنه قال عن الحسن بن راشد (ضعيف جداً)، هذا رغم إن ابن داود نفسه دافع عن هذا الرجل قائلاً أنه حصل خلط واشتباه بين الحسن بن راشد والحسين بن راشد، لذا ذكره أيضاً في القسم الأول الخاص بالموثوقين!؟  وقال صاحب المدارك أيضاً معلّقاً على هذا الحديث: (راويها أبو علي بن راشد لم يوثَّق صريحاً) فالحديث إذن ضعيف ولا قيمة له!

(144) أحمد بن الحسين بن الغضائري، رجال ‏ابن ‏الغضائري، طبع قم: مؤسسه اسماعيليان، 1364هـ.، ج3/ص 179. (المترجم)

(145) كتاب «تحرير الطاووسي» هو للشيخ حسن بن زين الدين صاحب المعالم المتوفى 1011 هـ.، وهو مستخرج من كتاب حل الإشكال للسيد أحمد بن موسى الطاووس المتوفى سنة 673 هـ،‍ (والشيخ حسن بن زين الدين صاحب المعالم هذا هو ابن الفقيه الإمامي المعروف بالشهيد الثاني أي زين الدين بن علي بن أحمد العاملي الجبعي المتوفى 966هـ.). (المترجم)

(146) شكك المرحوم الشهيد الثاني في عدالة إبراهيم الذي كان من وكلاء الإمام علي النقي عليه السلام وقال: «في طريقها من هو مطعون فيه ومجهول العدالة ومجهول الحال». وقال المرحوم المقدس الأردبيلي في شرح الإرشاد: «إن إبراهيم هذا مجهولٌ». وقال المحقق السبزواري ذيل هذا الحديث: «وروى الكليني بإسناد فيه ضعف عن إبراهيم بن محمد الهمذاني». والعجيب أنه نسي «سهل بن زياد»!

(147) اعتبر العلامة المجلسي (رح) في كتابه «مرآة العقول» (ج1/ص448) ذيل تعليقه على الحديث 42 من كتاب الكافي، باب الفيء والأنفال، هذا الحديث ضعيفاً.