ما حقيقة الخُمس وبأي شيء يتعلَّق؟

يمكن تقسيم الأحاديث والأخبار التي رُويت حول موضوع الخُمس في كتب الحديث إلى عدة أنماط. النمط الأول: الأحاديث التي تبيِّن ماهيّة الأموال أو الأمور التي يتعلَّق بها الخُمس، وذلك كالحديث التالي:

1- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (ع) يَقُولُ: لَيْسَ الخُمُسُ إِلَّا فِي الْغَنَائِمِ خَاصَّة(126).

2- فِي تَفْسِيرِ في تفسر الْعَيَّاشِيِّ (ج2/ص62).... عَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ وأَبِي الحَسَنِ (ع) قَالَ: سَأَلْتُ أَحَدَهُمَا عَنِ الخُمُسِ فَقَالَ: لَيْسَ الخُمُسُ إِلَّا فِي الْغَنَائِمِ.

ومضمون هذين الحديثين يفيد أن الخُمس يؤخذ من غنائم الحرب فقط حيث نزلت آية ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِـلَّهِ خُمُسَهُ...﴾ في السنة الثانية للهجرة في وقعة بدر كما مرّ شرحه، وهذا الخُمس لا نجد أي شاهد من سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدلّ على أن حضرته كان يختصّ أقرباءه به ويميّزهم عن غيرهم بإعطائهم منه، هذا فضلاً عن أن يصل الأمر إلى اليتامى والمساكين وأبناء السبيل الذين يراد منهم يتامى شهداء الحرب وغيرهم ومساكين وأبناء السبيل من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذين لم يكن لهم حين نزول الآية الكريمة وجود خارجي أصلاً كما شرحنا ذلك بشكل وافٍ فيما سبق.

النمط الثاني: من الأحاديث التي يستدلُّون بها على الخُمس الذي يقولون به هي الأحاديث التي جاءت فيها كلمة (الخُمس) بمعنى المقدار الواجب إخراجه (أي بمعنى الكسر العدديّ المعروف) فهذه الأحاديث تحدِّدُ مقدار الزكاة في بعض الأشياء تماماً مثل كلمات (العشر) أو (نصف العشر) أو (ربع العشر) التي تحدِّد مقدار الزكاة التي تؤخذ من المزروعات حسب الشروط المعروفة، فلما جاءت كلمة (الخُمس) في هذه الأحاديث لتبين مقدار الزكاة في بعض الأموال، اعتبر الذين يتشبثون بكل قشة أن هذه الأحاديث تتحدث في الواقع عن ذلك الخُمس الذي في ذهنهم والذي يختص بطائفة محددة (بني هاشم) الذين ربما كانوا يستفيدون منه حين نزول الآية. وفيما يلي بعض الأحاديث من هذا النمط:

1- الحديث المروي في «التهذيب» للشيخ الطوسي [ج4/ص121]، وفي «من لا  يحضره الفقيه» [ج 2/ص 40]: «عَنْ حَمَّادٍ عَنِ الحَلَبِيِّ فِي حَدِيثٍ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (ع) عَنِ الْكَنْزِ كَمْ فِيهِ؟( 127 ) قَالَ: الخُمُسُ. وعَنِ المَعَادِنِ كَمْ فِيهَا؟ قَالَ: الخُمُسُ. وعَنِ الرَّصَاصِ والصُّفْرِ والْحَدِيدِ ومَا كَانَ بِالمَعَادِنِ كَمْ فِيهَا؟ قَالَ: يُؤْخَذُ مِنْهَا كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ مَعَادِنِ الذَّهَبِ والْفِضَّةِ » . وقد روى الكُلَيْنِيُّ في «الكافي» مثل هذا الحديث عن «ابْنِ أَبِي عُمَيْر » .

لاحظوا أن طريقة السؤال وسياق العبارات تُبَيِّنُ أن السائل سأل عن مقدار [أي نسبة] ما يجب عليه إخراجه من الأشياء التي ذكرها وأن الإمام أجابَهُ إجابةً مطابقةً لسؤاله ببيان المقدار (النسبة) التي يجب عليه إخراجها من تلك الأشياء. هذا ولما كانت الزكاة واجبةً في تلك الأشياء كما أوضحنا ذلك في كتابنا (الزكاة)، وكانت مقادير الزكاة أي نسبة ما يجب إخراجه تختلف حسب نوع المال المراد تزكيته، حيث كما نعلم يجب إخراج عشر الغلات الزراعية التي تُسقَى بمياه الأنهار وماء المطر، في حين يجب إخراج نصف عشرها إذا كانت تُسقَى بالآبار والدلاء والوسائل الأخرى، كما أن الواجب من الجمال هو واحد على خمسة وعشرين ومن الأبقار واحد من ثلاثين ومن الشياه واحد من أربعين ومن المال النقدي واحد من أربعين والواجب من بعض الأشياء الأخرى هو أقل أو أكثر من ذلك، كان السائل بحاجة إلى أن يسأل من الإمام عن مقدار ما يجب إخراجه لزكاة تلك المعادن التي ذكرها؟ فأجاب الإمام: (الخُمس).

ولو كان ذلك الخُمس الشامل الذي يقولون به رائجاً ومشهوراً بين المسلمين أي كان حسب اصطلاح الأصوليين حقيقةً شرعيةً مثل كلمات الصلاة والزكاة والحج لما كان السائل بحاجة لمثل ذلك السؤال ولما كان الجواب ذاك الجواب، لأن اسم الخُمس بحد ذاته يحكي مقدار ما يخرج منه، وحينئذ لكان السائل سأل قائلاً (هل في الكنز خمسٌ؟ أو هل في المعادن خمسٌ؟) وعندئذ كان الإمام يجيبه بقوله (نعم). أما الذي كان مقدار ما يؤدَّى منه مجهولاً للسائل، والذي يجيب عنه الإمام طبقاً للسؤال ببيان النسبة الواجب إخراجها، فلا علاقة له إذن أبداً بذلك الخُمس الذي يذهبون إليه.

أضف إلى ذلك أن عبارة (يؤخذ منها) التي وردت في آخر الحديث تعني ما يؤخذ من صاحب المال، هذا في حين أن الخُمس الذي دليله الآية الكريمة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِـلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى..﴾ [الأنفال/41] لا يؤخذ من شخص – كما شرحنا ذلك فيما سبق – حتى تستعمل بشأنه كلمة (الأخذ)، لأن غنائم الحرب بيد رئيس المسلمين وإمامهم وتحت تصرفه، وهو يعطي منها سهم المقاتلين وسهم اليتامى والمساكين وأبناء السبيل، وبالتالي لم يأتِ الأمر للمسلمين بإعطاء هذا الخُمس بكلمات مثل (آتوا– أنفقوا) وأمثالها، ولا  جاء الأمر لرئيس المسلمين وإمامهم بأخذ هذا الخُمس من المسلمين، لأن لا  أحد من المسلمين يملك شيئاً من غنائم الحرب في البداية أو يمكنه التصرف فيها حتى يؤمر بإعطاء خمسها. فتلك العبارة إذن تدل على أن الحديث هو عن الزكاة التي أُمِرَ المسلمون بإعطائها بجمل من مثل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ [البقرة/267] وأمثالها، كما أُمِرَ إمام المسلمين بأخذها بجمل من مثل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَ [التوبة/103].

2- الحديث الذي رواه الشيخ الطوسي في «التهذيب»: «عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ سَأَلْتُهُ عَنِ المَعَادِنِ مَا فِيهَا فَقَالَ كُلُّ مَا كَانَ رِكَازاً فَفِيهِ الخُمُسُ وقَالَ مَا عَالَجْتَهُ بِمَالِكَ فَفِيهِ مِمَّا أَخْرَجَ اللهُ مِنْهُ مِنْ حِجَارَتِهِ مُصَفًّى الخُمُس‏».

في هذا الحديث كما في الحديث السابق يسأل السائل عن المقدار الواجب إخراجه من المعادن ولا يسأل عن ذلك الخُمس الذي اشتهر فيما بعد، خاصة أن الإمام يقول في آخره أن ما عالجته بمالك من أحجار المعادن فإن الخُمس يجب في المقدار الخالص منه( 128 ).

3- الحديث الذي رواه الشيخ الطوسي في «التهذيب» [ج2/ص22] والشيخ الصدوق في «من لا يحضره الفقيه» [ج2/ص41]:

«عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (ع) عَنِ المَلَّاحَةِ؟ فَقَالَ: ومَا المَلَّاحَةُ؟ فَقَالَ: أَرْضٌ سَبِخَةٌ مَالِحَةٌ يَجْتَمِعُ فِيهَا المَاءُ فَيَصِيرُ مِلْحاً. فَقَالَ: هَذَا المَعْدِنُ فِيهِ الخُمُسُ. فَقُلْتُ: والْكِبْرِيتُ والنِّفْطُ يُخْرَجُ مِنَ الْأَرْضِ؟ قَالَ: فَقَالَ هَذَا وأَشْبَاهُهُ فِيهِ الخُمُس » .

في هذا الحديث أيضاً يسأل محمدُ بن مسلم من الإمام الباقر عن مقدار الحق الواجب أداؤه من سبخة الملح ومن المعدن ويجيبه الإمام بأنه خمسها، ولا علاقة بهذا بخمس آل محمد!

4- الحديث الذي رواه الكُلَيْنِيّ في «الكافي» [ج1/ص544] والشيخ الطوسي في «التهذيب» [ج4/ص121]:

«عَنْ فَضَالَةَ وابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ جَمِيلٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ مَعَادِنِ الذَّهَبِ والْفِضَّةِ والصُّفْرِ والْحَدِيدِ والرَّصَاصِ فَقَالَ عَلَيْهَا الخُمُسُ جَمِيعاً » .

ومضمون الحديث في جواب حضرة الإمام مثل مضمون الأحاديث السابقة.

5- الحديث الذي رواه الكُلَيْنِيّ في «الكافي» [1/546] والصدوق في «من لا  يحضره الفقيه» [2/39] والشيخ الطوسي في «التهذيب» [4/124]:

«عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللهِ عَنْ أَبِي الحَسَنِ (ع) قَالَ سَأَلْتُهُ عَمَّا يُخْرَجُ مِنَ الْبَحْرِ مِنَ اللُّؤْلُؤِ والْيَاقُوتِ والزَّبَرْجَدِ وعَنْ مَعَادِنِ الذَّهَبِ والْفِضَّةِ مَا فِيهِ؟ قَالَ إِذَا بَلَغَ ثَمَنُهُ دِينَاراً فَفِيهِ الخُمُس‏».

في هذا الحديث يظهر بكل صراحة ووضوح أن السائل يسأل عن مقدار الزكاة، ويسمع من الإمام الإجابة المتعلقة بسؤاله، حيث بيَّن له الإمام مقدار زكاة ما سأل عنه وأنه الخُمس منه.

ومن الواضح تماماً أنه لم تكن كلمة (الخُمس) في ذلك الزمن قد أصبحت من الحقائق الشرعية حتى تكون مقابلة للزكاة. ولأجل المزيد من توضيح هذا المطلب نقول:

أولاً: ليس لكلمة (الخُمس) في هذه الأحاديث حقيقة شرعية أي أنه في أحكام الشرع أو فيما يسمى اصطلاحاً بفروع الدين في صدر الإسلام لم يكن هناك شيء معنون ومتميز خاص باسم (الخُمس) مثل ما كان لكلمات (الصلاة) و(الزكاة) و(الحج) و(الصوم) و(الجهاد) بحيث أنه بمجرد سماع الكلمة ينصرف الذهن فوراً إلى معناها الشرعي الجديد أو حقيقتها الشرعية، بل كانت كلمة (الخُمس) تستخدم أحياناً لبيان مقدار زكاة المعادن والكنوز كالحديث المروي في الكافي: «وَسُئِلَ أَبُو الحَسَنِ (ع) عَنِ الرَّجُلِ يَأْخُذُ مِنْهُ هَؤُلَاءِ زَكَاةَ مَالِهِ أَوْ خُمُسَ غَنِيمَتِهِ أَوْ خُمُسَ مَا يَخْرُجُ لَهُ مِنَ المَعَادِنِ أَيُحْسَبُ ذَلِكَ لَهُ فِي زَكَاتِهِ وخُمُسِهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ » ( 129 ).

هنا كلمة الخُمس إنما تميزت وذكرت لكون زكاة المعادن – خلافاً لزكاة سائر الأشياء – هي خمسها، ولا تنطبق عليها سـائر شـروط الزكاة مثل مضي الحول والنصاب المحدَّد.

والحاصل أن كلمة (الخُمس) في هذه الأحاديث ليست سوى اسم ذلك الكسر العددي المعروف مثله مثل العشر والثمن والربع وأمثالها. أو مثلما نجد في الأحاديث التي تتحدث عن الزكاة ومقدار ما يجب إخراجه منها والتي يجيب فيها الإمام بقوله: (فيه العشر أو فيه نصف العشر)، مثلاً في كتاب «تحف العقول » عن الإمام الرضا: «كُلُّ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ مِنَ الحُبُوبِ إِذَا بَلَغَتْ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَفِيهَا الْعُشْرُ إِنْ كَانَ يُسْقَى سَيْحاً وإِنْ كَانَ يُسْقَى بِالدَّوَالِي فَفِيهَا نِصْفُ الْعُشْر..».

وكما نجد في رسائل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى رؤساء القبائل كما في رسالته مثلاً إلى شرحبيل بن عبد كلال ونعيم: «مَا سَقَت السماءُ أو كَانَ [يُسْقَى] فَفِيهِ الْعُشـْر... وَما سُقِيَ بالرسا فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْر » .

فعبارة (فيه الخُمس) التي قيلت في الإجابة عن سؤال السائلين مثلها مثل عبارة (فيه العشر) أو (فيه نصف العشر)، والتي لا تحكي سوى كسر عددي معين، ولا تتحدث عن حقيقة شرعية مثل الصلاة والزكاة، التي ينصرف الذهن فوراً عند سماعها إلى معناها الشرعي الجديد مثلما ينصرف الذهن إلى ذلك عند سماع حديث مثل: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ عَلَى الصَّلَاةِ والزَّكَاةِ والصَّوْمِ والْحَجِّ والْوَلَايَةِ » ( 130 ). وسِرُّ ذلك أن أداء خمس المعادن كان أمراً قليل الوقوع حيث كانت بعض المعادن أو الكنوز تكتشف أثناء الحرب أو في حالات نادرة في بعض الأراضي وبالتالي لم يجعل الفقهاء عنوان (الخُمس) عنواناً لأحد الفروع والأحكام الشرعية المستمرة التي يكلف بها عامة المسلمين.

ثانياً: يجب إخراج زكاة المعادن والكنوز أو ما يسمى الركاز، كما أوضحنا ذلك في كتابنا (الزكاة)، والمقدار الواجب إخراجه منها هو الخُمس، وكان السائلون يسألون عن هذا الأمر بالتحديد.

ثالثاً- في العصر الذي رويت فيه تلك الأحاديث عن الأئمة المعصومين عليهم السلام كانت فتوى فقهاء ذلك العصر أيضاً هي أن الواجب في المعادن هو الزكاة، غاية ما في الأمر أنه كان بين الفقهاء اختلاف حول مقدار زكاة المعادن أي النسبة التي يجب إخراجها وأداؤها من المعدن لتؤدَّى زكاته، وهذا الاختلاف كان سبباً في قيام أصحاب الأئمة (ع) بطرح مثل تلك الأسئلة عليهم. مثلاً «مالك بن أنس » الذي كان أحد الفقهاء المشهورين في ذلك الزمن، ووُلد سنة 95 هـ [وتُوفي 179هـ]، وكان معاصراً لحضرة الإمام الصادق عليه السلام وكان أحد فقهاء المدينة الكبار وأحد مشاهير مفتي عالم الإسلام، يقول في كتابه الشهير «الموطأ » - الذي يُعَدُّ أقدم كتاب في الفقه - حول زكاة المعادن:

«قَالَ مَالِكٌ: أَرَى وَاللهُ أَعْلَمُ، أَنْ لاَ يُؤْخَذَ مِنَ المَعَادِن، مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا شَيْءٌ، حَتَّى يَبْلُغَ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا قَدْرَ عِشْرِينَ دِينَاراً عَيْناً، أَوْ مِئَتَىْ دِرْهَمٍ، فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ فَفِيهِ الزَّكَاةُ » ( 131 ).

وهذا القول لمالك موافق تماماً لمضمون الحديث الذي رواه الشيخ الطوسي في «التهذيب» [4/138-139] فقال: «عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا الحَسَنِ (ع) عَمَّا أَخْرَجَ المَعْدِنُ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ هَلْ فِيهِ شَيْ‏ءٌ؟ قَالَ: لَيْسَ فِيهِ شَيْ‏ءٌ حَتَّى يَبْلُغَ مَا يَكُونُ فِي مِثْلِهِ الزَّكَاةُ عِشْرِينَ دِينَاراً » .

كما يوافق الحديث الذي أورده الشيخ المفيد في «الْمُقْنِعَةِ» ونصُّه: «قَالَ سُئِلَ الرِّضَا (ع) عَنْ مِقْدَارِ الْكَنْزِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الخُمُسُ؟ فَقَالَ: مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ فَفِيهِ الخُمُسُ ومَا لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَلَا خُمُسَ فِيهِ » ( 132 ).

لاحظ جملة (مَا يَكُونُ فِي مِثْلِهِ الزَّكَاةُ) في الحديث الأول وجملة (مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْ ذَلِكَ) في الحديث الأخير، تجد أن حديث الإمام الرضا عليه السلام صريح وواضح في أن الخُمُس هو زكاة المعادن، مع فارق أن «مالك » يرى أن زكاة المعادن هي «العُشْر » في حين يرى الأئمة المعصومون عليهم السلام أن زكاته «الخُمُس».

«الشافعيُّ » أيضاً الذي كان أحدَ المفتين الكبار وأحدَ الفقهاء الأربعة المشهورين [لأهل السنة] ومعاصراً للأئمّة، عقد في كتابه الفقهي «الأم » فصلاً بعنوان (باب زكاة المعادن) أورد فيه عدة أحاديث في هذا المجال واعتبر نصاب زكاة المعادن والركاز( 133 ) عشرين مثقالاً من الذهب أي عشرين ديناراً، وقال في (ص 38):

«لا أشك إذا وجد الرجل الركاز ذهباً أو ورقاً وبلغ ما يجد منه ما تجب فيه الزكاة أن زكاته الخُمس » .

«أبو يوسف » ( 134 ) أيضاً كان من كبار فقهاء عصره وكان تلميذاً لأبي حنيفة ومعاصراً للأئمة الصادق والكاظم والرضا عليهم السلام، وقال في كتابه «الخراج » ما نصه:

«وكذلك كل ما أصيب في المعادن من الذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص، فإن في ذلك الخُمس - في أرض العرب كان أو في أرض العجم - وخمسه الذي يوضع فيه مواضع الصدقات. » .

إذن حسب فتوى هذا الفقيه المعروف وقاضي القضاة الشهير في ذلك العصر فإن زكاة المعادن من ذهب وفضة ونحاس وحديد ورصاص هي «الخُمُس » .

وفي كتاب «المصنَّف » تأليف عبد الرزاق بن همّام الصنعاني (الذي يعد من أقدم الكتب الفقهية إذ إن مؤلفه ولد عام 126هـ وتوفي 211هـ، وهو - بتصريح علماء الرجال الشيعة – شيعيّ المذهب)جاء أن زكاة المعادن ونحوها هو «الخُمُس»( 135 ).

بهذا يتضح أن أجوبة الأئمة عليهم السلام التي كانوا يدلون بها لسائليهم حول هذه المسائل في مثل ذلك العصر إنما كانت منطبقة مع الفتاوى المشهورة والمعروفة في ذلك الزمن بأن زكاة المعادن هي «الخُمُس » وأن مصاريفه هي مصاريف الزكاة، والأسباب الدافعة لطرح تلك الأسئلة هو الاختلاف الموجود بين الفقهاء في هذا المجال لذا كان الشيعة وأصحاب الأئمة يرجعون إليهم [ليستطلعوا الرأي الصحيح في الموضوع]، وكان الأئمة عليهم السلام يجيبون بالحكم عينه أي بأن في المعادن «الخُمُس » أي أن زكاة المعادن هي خُمُسها، وأمثال ذلك من الأجوبة!

فموضوع زكاة المعادن لم يكن بالموضوع الجديد بل كان موجوداً منذ بداية تشريع الزكاة زمن حضرة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم حيث كان وجوده الشريف يتصدى لأخذ هذا الخُمس بنفسه. كما مر معنا ذلك في كتاب «الزكاة» في شرح زكاة المعادن لبلال الحارث وكما تعكس ذلك كتب الفقهاء القدامى التي كتبوها بأيديهم والتي لا  تزال موجودة إلى اليوم مثل كتاب «الموطأ» لمالك، وكتاب «الأم» للشافعي( 136 ) الذي يصرح بأن زكاة المعادن كانت الخُمس، وسرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واضحة في هذا الموضوع بأنه كان يأخذ الزكاة من المعادن بل من المراتع وأن زكاتها كانت «الخُمس » ( 137 ).

فمن الممكن أن يكون الأمر الذي أوقع فقهاء الشيعة في الخطأ وجعل الأمر يشتبه عليهم، وهو الأمر الذي يتمسّك المعترضون على كلامنا والمتعصبون، هو وجود كلمة «الخُمُس» في الروايات والأحاديث، التي جعلتهم يتصوَّرُون أنه نفس «الخُمُس» الذي ورد في آية خمس غنائم الحرب في سورة الأنفال، وأن مصارفه هي مصارف خمس الغنائم عينها.

ولعل الأحاديث الأخرى التي جُمعَت في هذا الباب لعبت دوراً في تقوية هذا الاشتباه لأن الأشياء التي ذكر أن فيها «الخُمُس» وضعت في بعض الأحاديث إلى جانب بعضها البعض كالأحاديث التالية:

 

1- الحديث الذي رواه الصدوق في «الخصال»: «عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) قَالَ: الخُمُسُ عَلَى خَمْسَةِ أَشْيَاءَ عَلَى الْكُنُوزِ والْمَعَادِنِ والْغَوْصِ والْغَنِيمَةِ ونَسِيَ ابْنُ أَبِي عُمَيْرٍ الخَامِس » .

2- الحديث المرسل الذي يرويه الكُلَيْنِيّ في «الكافي» بسنده: «عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ (أي الإمام موسى بن جعفر) (ع) قَالَ: الخُمُسُ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ مِنَ الْغَنَائِمِ والْغَوْصِ ومِنَ الْكُنُوزِ ومِنَ المَعَادِنِ والْمَلَّاحَةِ..».

وقد روى الشيخ الطوسي في «التهذيب» الحديث الأخير عن «عَلِيِّ بْنِ الحَسَنِ بْنِ فَضَّال‏» الضال بسنده حتى يصل إلى «حَمَّادِ بْنِ عِيسَى» وأضاف إليه: «العنبر».

وبمعزل عن أن الحديثين الأخيرين مرسلان وليس لهما ذلك الاعتبار والصحة، خاصة راوي الحديث الثاني «عَلِيِّ بْنِ الحَسَنِ بْنِ فَضَّال‏» الضال الذي بيَّنا حاله فيما سبق [في كتاب الزكاة]، وذكرنا مختصراً عن حاله في هذا الكتاب، فإن هذين الحديثين وأمثالهما ليست في صدد بيان الأشياء التي يشملها «الخُمُس» المعروف، بل إنما تذكر أمثلة ونماذج على سبيل المثال لا الحصر، ومثل هذا كثيرٌ في الأخبار، وإلا فكيف يمكن لشخص مثل «محمد بنِ أَبِي عُمَيْرٍ » الذين كان من المؤمنين الخُلَّص وكان نفسه من الفقهاء الكبار ومن خواصِّ أصحاب الأئمة عليهم السلام أن ينسى الخُمس الذي يجب إعطاؤه لآل محمد وأن ينسى الشيء الخامس من خمسة أشياء (وليس من خمسة وعشرين شيئاً!!) فيأتي في الحديث قوله: «وَ نَسِيَ ابْنُ أَبِي عُمَيْرٍ الخَامِس » ، فمثل هذا الشخص حتى ولو لم يكن مالكاً بنفسه لتلك الأشياء إلا أنه من الضروري – كفقيه كبير- أن يعرف مسائلها وأحكامها، ولكننا نجده غير مهتمٍّ كثيراً بمعرفتها، ومن أصل خمسة أشياء ينسى الخامس!.

وعلى هذا النحو نجد المرحوم الصدوق ضمن تعداده لهذه الأشياء ونظائرها يروي حديثاً في كتابه «الخصال»: «عَنْ عَمَّارِ بْنِ مَرْوَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (ع) يَقُولُ: فِيمَا يُخْرَجُ مِنَ المَعَادِنِ والْبَحْرِ والْغَنِيمَةِ والْحَلَالِ المُخْتَلِطِ بِالْحَرَامِ إِذَا لَمْ يُعْرَفْ صَاحِبُهُ والْكُنُوزِ الخُمُسُ » .

ولعل تعداد تلك الأشياء كان سببه أنه في ذلك الزمن كان خلفاء الجور يأخذون – إضافة إلى زكاة الأموال- زكاة المعادن والكنوز وخمس الغنائم كلها، فكان ذلك التعداد رائجاً متعارفاً عليه، ونسيان شخص مثل «ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ » للخامس من تلك القائمة، يؤيد عدم الاهتمام بمعرفة كل الأشياء التي يتم تعدادها [لأنها مجرد نماذج للمعادن والدفائن].

النمط الثالث: من أخبار الخُمس تلك الأخبار والأحاديث التي تبين أن «الخُمُس» هو للأئمة المعصومين عليهم السلام أو لآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كالأحاديث التالية:

1- روى الشيخ الطوسي في «التهذيب» [ج 4 /ص 145]: عن حضرة الإمام الباقر عليه السلام: « ..يَا نَجِيَّةُ إِنَّ لَنَا الخُمُسَ فِي كِتَابِ اللهِ ولَنَا الْأَنْفَالَ ولَنَا صَفْوَ الْأَمْوَالِ..».

2- روى الشيخ الطوسي في «التهذيب» [ج 4 /ص 125]: بسنده قال «حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ مَالِكٍ الجُعْفِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) أَنَّهُ سَأَلَ [أَبِي عَبْدِ اللهِ عليه السلام] عَنْ قَوْلِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِـلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي الْقُرْبى‏ والْيَتامى‏ والْمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ فَقَالَ: أَمَّا خُمُسُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ فَلِلرَّسُولِ يَضَعُهُ فِي سَبِيلِ اللهِ وأَمَّا خُمُسُ الرَّسُولِ فَلِأَقَارِبِهِ وخُمُسُ ذَوِي الْقُرْبَى فَهُمْ أَقْرِبَاؤُهُ والْيَتَامَى يَتَامَى أَهْلِ بَيْتِه‏». والحديث رواه الصدوق في «من لا يحضره الفقيه» [ج2 /ص42].

3- وروى الشيخ الطوسي في «التهذيب» [ج 4 /ص 125]: بسنده عن «الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ أَحَدِهِمَا (ع) فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِـلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي الْقُرْبى‏ والْيَتامى‏ والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ قَالَ خُمُسُ اللهِ وخُمُسُ الرَّسُولِ لِلْإِمَامِ وخُمُسُ ذِي الْقُرْبَى لِقَرَابَةِ الرَّسُولِ والْإِمَامِ والْيَتَامَى يَتَامَى آلِ الرَّسُولِ والْمَسَاكِينُ مِنْهُمْ وأَبْنَاءُ السَّبِيلِ مِنْهُمْ فَلَا يُخْرَجُ مِنْهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ » .

4- وأيضاً روى الشيخ الطوسي في «التهذيب» [ج 4 /ص 128]: بسنده «عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الجَارُودِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم إِذَا أَتَاهُ المَغْنَمُ أَخَذَ صَفْوَهُ وكَانَ ذَلِكَ لَهُ ثُمَّ يَقْسِمُ مَا بَقِيَ خَمْسَةَ أَخْمَاسٍ ويَأْخُذُ خُمُسَهُ ثُمَّ يَقْسِمُ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسٍ بَيْنَ النَّاسِ الَّذِينَ قَاتَلُوا عَلَيْهِ ثُمَّ قَسَمَ الخُمُسَ الَّذِي أَخَذَهُ خَمْسَةَ أَخْمَاسٍ يَأْخُذُ خُمُسَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِنَفْسِهِ ثُمَّ يَقْسِمُ الْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسَ بَيْنَ ذَوِي الْقُرْبَى والْيَتَامَى والمَسَاكِينِ وأَبْنَاءِ السَّبِيلِ يُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَمِيعاً وكَذَلِكَ الْإِمَامُ يَأْخُذُ كَمَا أَخَذَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم».

5- وروى الكُلَيْنِيّ في «الكافي» [ج 1/ص 539] بسنده عن «عَنْ أَبَان عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى واعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِـلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي الْقُرْبى‏ قَالَ هُمْ قَرَابَةُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم والْخُمُسُ لِـلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولَنَا » .

6- وروى الكُلَيْنِيّ أيضاً في «الكافي» [ج 1/ص 539] بسنده عن «عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ سَمِعْتُ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ (ع) يَقُولُ نَحْنُ واللَّهِ الَّذِينَ عَنَى اللهُ بِذِي الْقُرْبَى الَّذِينَ قَرَنَهُمُ اللهُ بِنَفْسِهِ ونَبِيِّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَقَالَ ﴿ما أَفاءَ اللهُ عَلى‏ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى‏ فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي الْقُرْبى‏ والْيَتامى‏ والمَساكِينِ﴾ مِنَّا خَاصَّةً ولَمْ يَجْعَلْ لَنَا سَهْماً فِي الصَّدَقَةِ أَكْرَمَ اللهُ نَبِيَّهُ وأَكْرَمَنَا أَنْ يُطْعِمَنَا أَوْسَاخَ مَا فِي أَيْدِي النَّاس‏».

7- وروى الكُلَيْنِيّ أيضاً في «الكافي» [ج 1/ص 544] بسنده: «عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنِ الرِّضَا (ع) قَالَ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِـلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي الْقُرْبى﴾‏ فَقِيلَ لَهُ فَمَا كَانَ لِـلَّهِ فَلِمَنْ هُوَ فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم ومَا كَانَ لِرَسُولِ اللهِ فَهُوَ لِلْإِمَام..... الحديث».

8- حديث حمَّاد بن عيسى المرسل عن حضرة الكاظم في تقسيم الخُمس والذي جاء فيه: «وَيُقْسَمُ الْأَرْبَعَةُ الْأَخْمَاسِ بَيْنَ مَنْ قَاتَلَ عَلَيْهِ...الحديث»(138).

9- وروى الشيخ الصدوق في «المجالس» [أي الأمالي] وفي «عيون أخبار الرضا (ع)»: بسنده «عَنِ الرَّيَّانِ بْنِ الصَّلْتِ عَنِ الرِّضَا فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ قَالَ وأَمَّا الثَّامِنَةُ فَقَوْلُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِـلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي الْقُرْبى..﴾‏ [الأنفال/41] فَقَرَنَ سَهْمَ ذِي الْقُرْبَى مَعَ سَهْمِهِ وسَهْمِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم.... إِلَى أَنْ قَالَ فَبَدَأَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ بِرَسُولِهِ ثُمَّ بِذِي الْقُرْبَى فَكُلُّ مَا كَانَ مِنَ الْفَيْ‏ءِ والْغَنِيمَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا رَضِيَهُ لِنَفْسِهِ فَرَضِيَهُ لَهُمْ... الحديث»(139).

10- وروى «مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الصَّفَّارُ» فِي «بَصَائِرِ الدَّرَجَاتِ»: «عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (ع) قَالَ قَرَأْتُ عَلَيْهِ آيَةَ الخُمُسِ فَقَالَ مَا كَانَ لِـلَّهِ فَهُوَ لِرَسُولِهِ ومَا كَانَ لِرَسُولِهِ فَهُوَ لَنَا.. » (140).

كل هذه الأحاديث التي لا يصحُّ منها حتى حديثٌ واحدٌ، وسائر الأحاديث الضعيفة الأخرى التي جمعها وكوَّمها صاحب «وسائل الشيعة» في الجزء الثاني (ص62-63، من طبعة أمير بهادر) من كتابه(141)، كلها تدل متونها بصراحة ووضوح صارخ على أن حق أقرباء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - سواء كان الإمام أم غير الإمام – هو من خمس غنائم الحرب فقط وليس خمس الأشياء الأخرى!!! فليس فيها أبداً أي ذكر لخمس المعادن والكنوز والغوص والمال الحلال المختلط بحرام، وسائر الأشياء الأخرى. هذا رغم أن هذه الأحاديث يرويها أشخاص مجروحون مطعون بعدالتهم لا تقوم بروايتهم أي حجة مثل «الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ » و«عَبْدِ اللهِ بْنِ بُكَيْرٍ » وأمثالهما، وبعض هذه الأحاديث مرسل ومنقطع ومجهول وهي تخالف بشكل صريح آيات كتاب الله تعالى. وعلى كل حال إن الخُمس المذكور في متون هذه الأحاديث ليس سوى خمس غنائم الحرب والقتال، كما تشهد لذلك متون تلك الأحاديث ومنطوق عباراتها وسياقها.

 

الهوامش:

(126) سند الحديث كما أورده الشيخ الطوسي [في التهذيب] هو: الْحَسَنُ بْنُ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (ع). وقد رواه الشيخ الصدوق بالسند ذاته. 1- جاء في كتاب «منتقى الجمان» تأليف الشيخ «حسن زين الدين (الشهيد الثاني)» رحمه الله (ج2/ص138، الطبعة الجديدة): «وللأصحاب في تأويله وجهان، أحدهما: الحمل على إرادة الخمس المستفاد من ظاهر الكتاب، فإن ما سوى الغنائم مما يجب فيه الخمس إنما استفيد حكمه من السُنَّة ذكر ذلك الشيخ - رحمه الله -. والثاني: دعوى صدق اسم الغنيمة على كل ما يجب فيه الخمس، ذكره جماعة منهم العلامة والشهيد، وتوجُّه المنع إلى هذه الدعوى بيِّنٌ، لاتفاق العرف وكلام أهل اللغة على خلافها. نعم، يمكن الحمل على إرادة هذا المعنى بطريق التجوُّز، فإن استعمال لفظ الغنيمة وما يتصرف منه في غير معانيها الأصلية من المجازات الشائعة الراجحة المساوي احتمالها من اللفظ لاحتمال الحقيقة منه في المرجح الخارجي. وغير خفيٍّ أن ذلك لا ينافي استفادة المعنى الحقيقي منه في أمثال موضع النزاع من حيث تناول المعنى المجازي للحقيقي فيقطع بإرادته من اللفظ على كل حال ويرجح الشك إلى ما سواه، وله نظائر من الألفاظ المجملة في معان يكون بعضها متناولا لبعض فإن أثر الإجمال إنما يظهر في المتناول - اسم فاعل - كصيغة الأمر عند من يقول باشتراكها بين الوجوب والندب، والمخصص المتعقب للجمل المتعددة المتعاطفة على القول بجواز تعلقه بالأخيرة وبالجميع حقيقة، فإن وقوع الإجمال في الأول لا يمنع من استفادة الندب من الأمر. وفي الثاني يجامع القطع بتخصيص الأخيرة فيختص أثر الإجمال في الأمر بالوجوب وفي التخصيص بما سوى الأخيرة، والحال ههنا كذلك فإن لفظ الغنائم وإن احتمل العموم المجازي والحقيقة الأصلية لكن الحقيقة متحققة الإرادة لدخولها في عموم المجاز ويقع الشك في إرادة ما سواها فيتمسك في نفيها بالأصل إلى أن يقوم على خلافه دليل.». 2- وقال المحقق السبزواري في كتابه «ذخيرة المعاد»، باب الخمس، في بيان أن الخمس في الغنائم خاصة وبيانه لما تشمله كلمة «الغنائم»: «ويمكن أن يستدل على ذلك بهذه الآية: [أي آية: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ﴾ [الأنفال/41] فإنَّ في عرف اللغة يطلق على جميع ذلك اسم الغنم والغنيمة انتهى». ثم يعقب المحقق السبزواري مباشرة فيقول: «وأنكر بعض أصحابنا صحة هذه الدعوى مدعياً اتفاق العرف وكلام أهل اللغة على خلافها ولعله متَّجهٌ». ومقصوده من بعض أصحابنا الشهيد الثاني صاحب «منتقى الجمان». 3- وقال المرحوم «الفاضل الجواد الكاظمي» في «مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام» لدى تفسيره لآية الخمس من سورة الأنفال (2/76 -81): «...والحقّ أنّ استفادة ذلك [أي كون الخمس من جميع المكاسب والمنافع] من ظاهر الآية بعيدة بل الظاهر منها كون الغنيمة غنيمة دار الحرب.». 4- وقال الطوسي في تفسيره «التبيان» (ج 9 / ص 548): «والذي نذهب إليه أن مال الفيء غير مال الغنيمة، فالغنيمة كل ما أخذ من دار الحرب بالسيف عنوةً مما يمكن نقله إلى دار الإسلام، وما لا يمكن نقله إلى دار الإسلام، فهو لجميع المسلمين ينظر فيه الإمام ويصرف انتفاعه إلى بيت المال لمصالح المسلمين.». إذن نتيجة تحقيق أولئك المحققين الكبار والعلماء الأعلام أن الغنائم ليست سوى غنائم الحرب ولا توجد في آية الخمس أي إشارة ولا كناية لشمول الخمس لسائر الأرباح أو المكاسب والأموال فالاستناد إلى هذه الآية والتمسك بها في إيجاب الخمس في جميع الأرباح والمكاسب من غير غنائم دار الحرب تمسك باطل غير صحيح وفي غير محله.

(127) جاء في الحديث الذي رواه الشيخ الصدوق في كتابه «الخصال»/ باب الخمسة، الفقرة 83- سن عبد المطلب في الجاهلية خمس سنن أجراها الله عز وجل في الإسلام: «يَا عَلِيُّ إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ (ع) سَنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خَمْسَ سُنَنٍ أَجْرَاهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْإِسْلَامِ حَرَّمَ نِسَاءَ الْآبَاءِ عَلَى الْأَبْنَاءِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾.. (إلى قوله): ووَجَدَ كَنْزاً فَأَخْرَجَ مِنْهُ الخُمُسَ وتَصَدَّقَ بِهِ».

(128) أي يجب الخمس من ربح المعدن النقي الخالص بعد حذف رأسمال إعداده.

(129) الصدوق، «من لا يحضره الفقيه»، ج 2/ص 43.

(130) الكُلَيْنِيّ في «الكافي» [2/18]. والحديث مشهور أيضاً لدى أهل السنة ولديهم عبارة «الشهادتين»، بدلاً من كلمة: الولاية. (المترجم)

(131) الإمام مالك، الموطأ، كتاب الزكاة/باب الزكاة في المعادن، ح (548). (المترجم)

(132) الحرّ العاملي، «وسائل الشيعة»، ج9/ص 497. (المترجم)

(133) قال ابن الأثير في النهاية: «الرِّكاز عند أهل الحِجاز: كُنوز الجاهلية المدْفونة في الأرض وعند أهل العِراق: المعَادِن والقَوْلان تَحْتَمِلُهما اللغة لأنّ كلّاً مِنهما مَرْكوز في الأرض: أي ثابِت.».

(134) أبو يوسف (113 – 182هـ) يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي البغدادي، أبو يوسف: صاحب الإمام أبي حنيفة وتلميذه، وأول من نشر مذهبه. كان فقيهاً علامةً، من حفاظ الحديث. ولد بالكوفة، وتفقه بالحديث والرواية، ثم لزم أبا حنيفة، فغلب عليه "الرأي" وولي القضاء ببغداد أيام المهدي والهادي والرشيد، ومات في خلافته، ببغداد، وهو على القضاء. وهو أول من دُعي "قاضي القضاة"، وأول من وضع الكتب في أصول الفقه، على مذهب أبي حنيفة. من كتبه «الخراج» و«الآثار» وهو مسند أبي حنيفة، و«أدب القاضي» وغيرها. (ملخص من كتاب الأعلام للزركلي). (المترجم)

(135) جاء في كتاب «المصنَّف» لعبد الرزاق بن همّام الصنعاني، الذي أُلِّف في القرن الهجري الثاني، الأحاديث التالية (ج4/ ص116) حول زكاة المعادن: 1) 7177 - عبد الرزاق عن معمر عن رجل ممن كان يعمل في المعادن زمان عمر بن عبد العزيز عن عمر قال: كانوا يأخذون منا فيما نعالج ونعتمل بأيدينا، من كل مائتي درهم خمسة دراهم، فإذا وجدنا في المعادن الركازة أخذ منا الخمس. 2) 7178 - عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: ما وجد من غنيمة ففيها الخمس. 3) 7179 - عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني جعفر بن محمد أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث علي بن أبي طالب إلى ركاز باليمن فخمَّسها. و في الصفحة 64 من الجزء الرابع من هذا الكتاب وتحت عنوان (باب العنبر*): «عبد الرزاق عن ابن جريج قال:.. فزعم عروة: أنه قد كتب إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن صدقة العنبر، فزعم عروة أنه كتب إليه اكتب إلي كيف كان أوائل الناس يأخذونه أم كيف كان يؤخذ منهم؟ ثم اكتب إلي قال: إنه قد ثبت عندي إنه كان ينزل بمنزلة الغنيمة فيؤخذ منه الخمس، فزعم عروة أنه كتب إليه: أن خذ الخمس، وادفع ما فضل بعد الخمس إلى من وجده». انتهى. [ملاحظة: *العنبر سمكةٌ (حوتٌ) كبيرةٌ جداً وعظيمةٌ يُتَّخذَ من جلدها التّرسُ].

(136) إضافة إلى ما نقلناه في المتن عن الشافعي، نذكر أيضاً ما قاله في كتابه «الأم» (ج2/ص38): «قال الشافعي وإذا وجد الركاز فوجب فيه الخمس فإنما يجب حين يجده كما تجب زكاة المعادن حين يجدها لأنها موجودة من الأرض وهو مخالف لما استفيد من غير ما يوجد في الأرض». فدليل الشافعي إذن على أن زكاة الركاز (أي الكنوز المدفونة في الأرض) والمعادن هي «الخُمُس» هو أن الحصول عليها يتم بسهولة ودون مشقة، وأنها موجودة في الأرض من تلقاء نفسها، بخلاف سائر الأشياء التي فيها الزكاة والتي يتجشم الإنسان العناء للحصول عليها، لذا يؤخذ منها مقدارٌ أقل للزكاة. ثم يقول الشافعي في (ص 71) من الكتاب ذاته في نفس الجزء معدداً الأشياء التي تشملها الزكاة: «فما أخذ من مسلم من صدقةِ ماله ناضَّاً كان أو ماشيةً أو زرعاً أو زكاة فطر أو خمس ركاز أو صدقة معدن أو غيره مما وجب عليه في ماله في كتاب أو سنة أو أمر أجمع عليه عوام المسلمين فمعناه واحد». [و مثله قوله في (2/103): «قال الشافعي رحمه الله تعالى : وجميع ما أخذ من مسلم من صدقة فطر وخُمس ركاز وزكاة معدن وصدقة ماشية وزكاة مال وعشر زرع وأي أصناف الصدقات أخذ من مسلم فقسمه واحد على الآية التي في براءة { إنما الصدقات للفقراء والمساكين } الآية لا يختلف وسواء قليلة وكثيرة على ما وصفت».]. انتهى. فبناء على كل ما تقدم ليس هناك من شك في أن «الخُمس» الذي يؤخذ من المعادن والكنوز الدفينة هو زكاتها ومصرفه مصارف الزكاة.

(137) جاء في «جمع الجوامع» للسيوطي في الرسالة التي كتبها رسول الله (ص) إلى جهينة: «( بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب أمان من الله العزيز على لسان رسوله بحق صادق وكتاب ناطق مع عمرو بن مرة لجهينة بن زيد إن لكم بطون الأرض وسهولها وتلاع الأودية وظهورها على أن ترعوا نباتها وتشربوا ماءها على أن تؤدوا الخمس..». [انظر كنز العمال: ح رقم (37293)].

(138) رواه الكُلَيْنِيّ في «الكافي»، ج 1/ص 539.

(139) الحرّ العاملي، «وسائل الشيعة»، ج 9/ص 515-516.

(140) الحرّ العاملي، «وسائل الشيعة»، ج9/ص 484.

(141) أو ج 9 /ص من 509 إلى 519، من الطبعة الجديدة في [29] مجلداً، طبع قم: مؤسسه آل البيت لإحياء التراث، 1409هـ‏. (المترجم)