حُكْمُ العدل والوجدان في قانون ظالم

ادعينا في الصفحات الماضية أننا لو دفعنا خمس جميع الأموال التي أوجب الفقهاء أداء خمسها إلى جميع السادة (الهاشميين)المقيمين في إيران لنال كل واحد منهم ما يقارب الألف تومان يومياً! وادعاؤنا هذا ليس جُزَافاً، وقد سعينا للحصول على إحصاء للأموال التي يشملها الخُمس من المصادر الموثوقة إلا أننا لم نتمكن من الوصول إلى هذه المعلومات بدقّة.

ولكن إذ أخذنا فتوى فقهاء الشيعة الذين أوجبوا الخُمس في سبعة أشياء إجمالية وخمسة وعشرين شيئاً مفصلاً (!) بعين الاعتبار، مثلما ذكر الشيخ أبو الفتوح الرازي في المجلد الخامس من تفسيره (ص 10) حيث قال: «يجب عندنا إخراج الخُمس من خمسة وعشـرين شيئاً: الغنيمة التي تُؤخذ في دار الحرب، وأرباح التجارات والزراعات والمكاسب بعد إخراج مؤونة السنة له ولعياله، وكل ما يخرج من الأرض بما في ذلك المعادن من الذهب والفضة والحديد والتوتياء والنحاس والصُّفْر والرصاص والملح والنفط والكبريت وكل ما ينطبق عليه اسم المعدن والزرنيخ ومادة صمغ المومياء والكنوز من ذهب وفضة والدُّرّ والعنبر وأنواع ما يستخرج من البحر من اللؤلؤ والياقوت والزمرُّد والياقوت الأحمر (اللَّعْل) والفيروزج، وكل مالٍ حلال اختلط بحرام ولم يمكن تمييزه عنه مثل المال الموروث من شخص جمع ماله من حرام وحلال...»، بل إن ابن إدريس صاحب «السرائر» لم يكتف بهذا الحد بل عمم الخُمس إلى أشياء أخرى أيضاً، فجعله يشمل جميع الأراضي المفتوحة عنوةً، مما يشمل جميع الأملاك التي بيد المسلمين اليوم في الهند والصين وأفريقيا وبلاد القوقاز وجميع البلدان الإسلامية ما عدا المدينة واليمن والبحرين حيث يجب إضافة خمس جميع إيراداتها من محاصيل الأراضي الزراعية والبساتين والبيادي وكل ما يستحصل من تلك الأراضي إلى الخُمس!! أقول إذا أخذنا كل ذلك بعين الاعتبار فإن الخُمس سيبلغ أكثر بكثير مما ادعيناه، فمثلاً أحد الأمور التي يشملها الخُمس: المعادن، وأحد المعادن: البترول، وأحد مصادر البترول في إيران بترول عبادان، وهو لا  يزال حتى الآن مدوناً في المخططات المعقدة التي رسمها البريطانيون، وأخيراً تم توقيع اتفاقية رغم كل الظلم والحجج والأعذار التي يتذرّعون بها لعدم إعطاء إيران حقَّها، وطبقاً لما نشرته صحيفة كيهان في عددها 7379 الصادر بتاريخ 12/12/1346 هجرية شمسية [=1967م] واستناداً إلى حسابات الخبراء الاقتصاديين والماليين فإن مبلغ إيرادات البترول خلال تنفيذ الخطة الرابعة مع حساب نسبة 20% من زيادة الإنتاج السنوية يصل إلى قرابة خمس مليارات وتسعمئة وسبعة ملايين دولار، فإذا حسبنا أن كل دولار يساوي سبع تومانات ونصف فإن خُمُس هذه الإيرادات يصل إلى قرابة أربعة وأربعين مليار ومئتين وخمسين مليون وخمسمئة ألف تومان، فإذا قسم هذا المبلغ وحده على السادة (الهاشميين) في إيران والذين لا يزيد عددهم عن مليون أو مليون ونصف نسمة لوصل لكل سيد من هذا المعدن وحده أكثر من خمسمئة تومان في اليوم، ولو أخذنا بفتوى بعض الفقهاء الذين يرون إعطاء سهم الإمام لهؤلاء السادة أيضاً لوصل عندئذ سهم كل واحد منهم من هذا المعدن وحده فقط إلى ألف تومان في اليوم!!(123).

و إذا أضفنا إلى ذلك سائر معادن إيران من الذهب والفضة والحديد والنحاس والصُّفْر والتوتياء والرصاص والقصدير والملح والكبريت والزرنيخ وأمثالها فأي مبلغ هائل سنحصل عليه؟!

مثلاً أحد المعادن المكتشفة سنة تأليف هذا الكتاب (1347هـ.ش.) (الموافق 1968م) هي معادن المواد التي لا تقبل الاحتراق، حيث ذكرت صحيفة كيهان في عددها رقم 7461 الصادر بتاريخ 22/3/1347هـ.ش. نقلاً عن منظمة الجيولوجيا وبالتعاون مع الخبراء الأجانب أنه تم مؤخراً اكتشاف معادن جديدة من المواد التي لا تقبل الاحترق مثل الفوسفات في منطقة سميرم وآمل ودماوند. وقد قدرت الذخائر من هذا المعدن بعدة ملايين طن حيث يباع الكيلو الواحد منه في سوق طهران بسبعة إلى عشرة ريالات، كما أن علماء الجيولوجيا اكتشفوا في المناطق المجاورة لمدينة يزد وفي الشمال وفي المناطق المجاورة لبهبهان وشيراز وفي جبال بختياري عروقاً من معدن بوكسايت الألمنيوم (Boxite–Aluminum ) الذي يمكنه أن يؤمن في المستقبل حاجة مصنع للألمنيوم في إيران بطاقة إنتاج تصل إلى خمسين ألف طن سنوياً!

و كذلك سائر المعادن والثروات الدفينة تحت الأرض والتي لا تعد ولا تحصى في هذه البلاد ومنها معدن النحاس الذي يصل مجموع ما لدينا منه من ذخائر إلى قرابة أربعمئة مليون طن حيث قيمة كل طن 12 ألف تومان (صحيفة كيهان 8237). فإذا أضفنا إلى هذه الإيرادات أرباح مكاسب التجارات والزراعات والصناعات، حتى أجرة العامل الذي يحصل في اليوم على خمس ريالات فقط يريد ادخارها ليوم الحاجة! وحسبناها بدقة لوصلنا إلى أرقام تعادل عدة أضعاف ميزانية كل البلد! أضف إلى ذلك خمس الجواهر والأشياء التي تستخرج من البحر بالغوص والكنوز والدفائن التي تكتشف في الأرض وخمس المال الحلال الذي اختلط بحرام والمعاملة مع أراضي أهل الذمة وهكذا...

يقول فقهاء الشيعة: إن هذا الإيراد (أي خمس كل تلك الأمور) العجيب والمذهل يتعلق بأسرة بني هاشم فقط والذين لا يمكن أن نعرف منهم في إيران إلا السادة من أولاد فاطمة فقط، وكما قلنا فإنه من اليقين والمقطوع به أنه لو قُسِّم خمس الأموال التي يشملها حكم الخُمس في إيران على أولئك السادة (الأشراف)الذين يعيشون في إيران وعددهم في بلدنا أكثر مما في أي بلد آخر فإن كل واحد منهم سيصله أكثر من ألف تومان بل عدة آلاف تومانات!

وبالنسبة إلى اليتامى وأبناء السبيل من بني هاشم، فإنه بحسب فتوى فقهاء الشيعة الكبار، لا يُشترط فيهم الفقر لأخذهم من الخُمس، بل يعطون منه ولو كانوا أغنياء! كما ذهب إلى ذلك الشيخ الطوسي في «المبسوط» وابن شهرآشوب في «متشابهات القرآن» (ص552) والعلامة الحلي في «منتهى المطلب» (ج1/ص552، الطبعة القديمة) حيث قال:

«إذا ثبت هذا فهل يشترط منه الفقر أم لا؟ قال الشيخ [الطوسي] في المبسوط لا يشترط الفقر!! وهو أحد قولي الشافعي وفي الآخر شرطٌ. احتج الشيخ [الطوسي] بعموم الآية، ولأنه يستحق بالسهم فيستوي فيه الغنى والفقير!! كذي القربى! » .

و لو قيل إنه إذا كان اليتامى والمساكين وأبناء السبيل من بني هاشم أغنياء فإن لإمام المسلمين وحاكمهم الحق بصرف سهمهم في مصالح المسلمين لكان لإنفاق هذه الميزانية الضخمة في حاجات المسلمين مَحْمَلٌ مقبولٌ، ولكن القضية ليست كذلك فقد قال الفقيه «محمد بن إدريس» في السرائر:

«فإن فضل من ذلک شيءٌ كان هو الحافظ له والمتولي لحفظه علیهم ولا یجوز أن یملک شیئاً » .

وقال الشيخ الطوسي في «النهاية» «و لیس لغیرهم (أي بني هاشم) شيءٌ من الأخماس » .

إذن نصف تلك الأخماس هو لبني هاشم الذين ليس لهم مصداق في إيران سوى السادة من ذريّة فاطمة، والنصف الآخر الذي يطلقون عليه اصطلاحاً اسم «سهم الإمام» يجب – طبقاً لفتوى كبار فقهاء الشيعة القدماء –إما دفنه في الأرض أو عزله جانباً كأمانة تعطى لإمام الزمان حين ظهوره!! أو طبقاً لقول المرحوم الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء يوضع تحت تصرف الأشخاص الذين يتعاملون معه كما لو كان مالاً لكافر حربي أي يحق لهم التصرف فيه كيفما شاؤوا إذ ليس له مصرف محدد آخر!! اللهم إلا أن يُعمل بفتوى الفقهاء أصحاب الرأي الذين ذكر المجلسي الأول في كتابه «لوايح صاحبقراني» أنهم يفتون بإلقائه في البحر!

هذا هو الخُمس الذي يقول الفقهاء أن نبيَّ الله صلى الله عليه وآله وسلم – الذي لم يسأل الناس أجراً على رسالته – قد قرَّره وفرضه لأجل أسرته وذريته وقرابته!! تعويضاً لهم عن الزكاة التي تُعطى للفقراء من غير بني هاشم، بل حتى للفقراء من بني هاشم أحياناً والتي لا تُؤخذ إلا من تسعة أشياء (الجمال والأبقار والشياه السائمة غير المعلوفة، والذهب والفضة المسكوكان والمنقوشان وغير المتحركين، والحنطة والشعير والتمر والزبيب إذا بلغت النصاب وحققت الشروط المعروفة) هذا رغم أننا أولاً لا نجد تلك الأشياء بتلك الشروط التي وضعوها لها في أي مكان في الدنيا وما وُجِدَ منها فلا يصل إلى حد النصاب وما وصل لا تكون زكاته شيئاً كبيراً ذا أهمية! ولو قسمنا الأموال التي تشملها هذه الزكاة [حسب الشروط التي وضعوها] بشكل عادل ومتساو على فقراء إيران لنال كل واحد منهم نصف ريال في اليوم على أكثر حد(124). وقد شرحنا هذا المدَّعى وبيّنّا دلائله في كتابنا «الزكاة» حيث يمكن لطالبي الحق أن يرجعوا إلى ذلك الكتاب.

أجل هكذا يُعَرِّفُ فقهاء الإسلام في زماننا دين الإسلام ونبيه، وينسبون إليه أنه قرَّر للفقراء من غير بني هاشم مثل هذا الحقّ المتواضع في حين قرَّر لأسرته وذريته وقرابته مثل ذلك الحقّ الهائل! أقسمُ بالله إنها لتهمةٌ كبيرةٌ وإثمٌ عظيمٌ أن يُنسَب للإسلام ونبيِّه مثل هذا الأمر. ولعلكم أدركتم أيها القراء، على ضوء ما مرَّ بيانه، أن ما ادعيناه قائلين إن مثل هذا الميراث لم يخلِّفْهُ أيُّ سلطان جبار وطاغية من طغاة الزمان بل حتى من الذين ادَّعوا الإلهية مثل نمرود وفرعون وشداد، لأسرته وذريته، كان ادِّعاءً صادقاً. أفليس بعيداً عن الإنصاف والوجدان بل بمنزلة الكفر والاستهزاء بدين الإسلام ونبيِّ آخر الزمان أن تُنْسَبَ مثل هذه النسبة إلى حضـرة صاحب الرسالة دون أي دليل أو مستند من كتاب الله وسنة رسوله وسيرته؟!!.

ونحن بعون الله سنضع أمام القراء في كتابنا هذا الأدلةَ والمستمسكات الواهية التي يتمسَّك بها القائلون بذلك الخُمس ونترك لهم أن يحكموا بوجدانهم العادل والمنصف بشأنها.

إن العلة التي ذكروها لأجل تأسيس هذا الخُمس الذي يقولون به، كما ذكرنا سابقاً، هي أنه لما كانت الصدقة (الزكاة) محرمة على تلك الطائفة أو الأسرة الجليلة (بني هاشم) لذا تم تعويضهم عنها بهذا الخُمس! ويقولون إنه لولا هذا الخُمس لما كانت هناك وسيلةٌ لإعانة الفقراء من تلك الأسرة! ولكن هذا الادعاء كما بيَّنا سابقاً بالدلائل الكافية، ادعاءٌ غير صحيح لأنه لا دليل عليه من كتاب الله كما أن سيرة المسلمين وسيرة طائفة بني هاشم أنفسهم والأخبار الصادرة عن أهل البيت، مثل خبر أبي خديجة، كلها تخالف ذلك الادعاء.

ولكن لو فرضنا جدلاً أن صدقة غير الهاشمي وزكاة ماله محرمة على الهاشمي، فإنه من المتفق عليه أن صدقة الهاشمي وزكاة ماله حلال على الهاشمي مثله، ولما كان أغنياء الهاشميين دائماً وحتى اليوم أكثر عدداً من فقرائهم، فلو أدَّوْا زكاة مالهم طبقاً لما أمر الله به من جميع الأموال (وليس من الأشياء التسعة فقط بشروطها الضيقة) وأعطوها لفقراء أسرتهم من بني هاشم لكفتهم ولما احتاجوا لذلك الخُمس الذي يذكرونه.

هذا عدا عن أنه من الظلم أيضاً أن يقوم فقراء هذه الأسرة بأخذ الخُمس، وأخذ الزكاة من بني عشيرتهم، بل أخذ الزكاة حتى من غير الهاشميين إذا دعت الضرورة والحاجة لذلك، في حين لا يأخذ فقراء بقية المسلمين إلا من الزكاة التي تؤخذ حصراً من الأشياء التسعة والتي ليس لهم منها إلا سهم واحد من أصل ثمانية أسهم تُصرف في بقية مصارف الزكاة الثمانية التي ذكرها القرآن الكريم.

إن الادعاء بأن ذلك الخُمس الهائل قد جُعِلَ لِفُقَرَاءِ بني هاشم تعويضاً لهم عن الزكاة التي حُرِموا منها إدعاء باطلٌ يكذِّبُهُ العقل والوجدان كما تكذِّبُهُ السنَّة ويكذِّبُهُ القرآن ويكذِّبُهُ التاريخ وتكذِّبُهُ سيرة نبي آخر الزمان.

هذا وكل من لديه اطلاع على تاريخ الإسلام يعلم أن الله تعالى فرض الخُمس من غنائم الحرب في السنة الثانية للهجرة، إما بعد معركة بدر أو قبلها. هذا في حين أن الأمر بجباية الزكاة لم ينزل - طبقاً لتصريح جميع كتب التاريخ والسيرة المعتمدة مثل سيرة ابن هشام (ج4/ص271) وتاريخ الطبري (ج2/ص400) والكامل في التاريخ لابن الأثير (ج2/ص199، طبع لبنان) وتاريخ اليعقوبي (ج2/ص48، طبع بيروت) وناسخ التواريخ، المجلد المتعلق بالهجرة (ص396، طبع محمد إسماعيل) – إلا في السنة التاسعة أو العاشرة للهجرة، حيث أرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تلك السنة عمّال الصدقات إلى أطراف الجزيرة العربية لجباية الزكاة، ولا يمكن لمن له أدنى شعور ووجدان أن يقبل أن يقرِّر نبيُّ الله صلى الله عليه وآله وسلم لأقربائه ذلك الخُمس المفروض على جميع الأشياء والأموال لعيش وارتزاق قرابته من بني هاشم أو يقرر لهم سهماً من غنائم الحرب، قبل سبع أو ثمان سنوات من أخذه الزكاة لأجل الفقراء من غير بني هاشم، ثم يقول لعامة فقراء المسلمين من غير بني هاشم – بل حتى لبني هاشم عند الضرورة –: لما كنا سنقرر بعد سبع سنوات الزكاة لأجلكم وسنحرِّمها إنشاء الله على بني هاشم، لذا لابد أولاً أن نحلّ وضع الفقراء واليتامى وأبناء السبيل من أسرة بني هاشم ونريح بالهم، ثم بعد ثمان سنوات سنضع إنشاء الله حلاً للفقراء من غير بني هاشم حيث نأخذ لهم الزكاة (ذات الشروط والقيود)!!

هل نطق أي مشرِّع حتى اليوم بكلامٍ أكثر بطلاناً ولغواً أو قال قولاً أكثر سفاهةً وظلماً من هذا؟! حقاً لا أدري كيف يجرؤ هؤلاء الناس أن ينسبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صاحب العقل الكامل والحكمة البالغة ورحمة للعالمين مثل هذا الأمر، ولعمري إن هذا أكبر ظلم وأسوأ افتراء وأعظم تهمة يُتهم بها حضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ودين الله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا [الأنعام /21].

ويبدو لنا أن مسألة تحريم الصدقة والزكاة على بني هاشم كانت إحدى الحيل السياسية التي حيكت ضد تلك الذرية الكريمة، مثلها مثل حديث «لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ » (125)، والذي هدف واضعوه إلى إضعاف آل النبيِّ مالياً وإفقارهم واضطرارهم إلى الرجوع إلى أبواب خلفاء الجور، فكذلك أراد واضعو عقيدة تحريم الصدقة على بني هاشم بعد النبيِّ تحقيق الهدف ذاته، لأن هذه العقيدة أو الحكم ليست مختصة بالشيعة حتى يقال إنه تم تشريع ذلك الخُمس للتعويض عنها، بل حتى المخالفين يتفقون مع الشيعة في تحريم الصدقة على بني هاشم بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقد جاء في الفقه على المذاهب الأربعة (ج1/ ص632) عن «مالك» بشأن مصارف الزكاة: «ويشترط في الفقير والمسكين ثلاثة شروط: الحرية والإسلام وأن لا  يكون كل منهما من نسل هاشم بن عبد مناف إذا أعطوا ما يكفيهم من بيت المال وإلا صح إعطاؤهم حتى لا يضرّ بهم » . أما بالنسبة إلى مذهب الشافعية فيقول في ذلك الكتاب (1/616): «ويشترط في أخذ الزكاة من هذه الأصناف الثمانية زيادة على الشروط الخاصة لكل صنف شروط خمسة: الأول: الإسلام، الثاني كمال الحرية إلا إذا كان مكاتباً، الثالث: أن لا يكون من بني هاشم ولا بني المطلب ولا عتيقاً لواحد منهم، ولو منع حقه من بيت المال » .

فكيف سيكون حال الفقراء من بني هاشم وأي ضيق من المعيشة سيقعون فيه بعد أن ضيّقوا دائرة الاقتصاد والمعيشة عليهم إلى هذا الحدّ فحرموهم من حقوقهم من بيت المال، وحرَّموا عليهم أخذ أيَّ شيءٍ من الزكاة؟! وهذا بالضبط هو الهدف الذي كان يحبه ويرغب به ملوك بني أمية وبني العباس والذي لأجله حثُّوا فقهاء ذلك زمانهم على الإفتاء بمثل ذلك الحكم الجائر! وللأسف وجدت هذه الفتوى المخالفة لما أنزل الله طريقها إلى الشيعة من باب آخر أي باب حبّ بني هشام والغلوّ بهم!!!

والتاريخ يؤيِّد تصورنا هذا حيث نجد أن التعليمات والأوامر التي صدرت من قصر الخليفة إلى ولاية مصر تعكس بشكل واضح هذه الحقيقة، فقد جاء في كتاب «الولاة والقضاة للكندي» (ص198) الجمل التالية ضمن أحد أوامر الخليفة:

«لا یقبل علوي ضیعة ولا یرکب فرساً ولا یسافر من فسطاط إلي طرف من أطرافها وأن یمنعوا من اتخاذ السبیل إلا العبد الواحد وإن کانت بین علوي وبین أحد من الناس خصومة فلا یقبل قول العلوي ویقبل قول خصمه بدون بیَّنة! » . (الإمام الصادق، ج1/ص144).

إذا عرفنا هذا التضييق والضغط الذي كان يمارس إلى هذا الحد ضد تلك الطائفة أو الأسرة انطلاقاً من خصومة الخلفاء وعداوتهم لها والذي نلاحظه في هذا الفرمان، لن نتعجب عندئذٍ أن يكون مصدر تحريم الصدقة على فقراء تلك الأسرة هو تلك السياسة ذاتها كي يبقوهم مضطرين ومحرومين.

هذا ولما كانت تلك الفتوى [أي فتوى تحريم الصدقة على آل محمد بعد رحيل النبيّ] قد انتشـرت واشتهرت في ذلك الزمن، ولم تكن بين الشيعة بعد فتوى إيجاب ذلك الخُمس الشامل التي قيلت لمواجهة أو تعويض تلك الفتوى، وإذا أقرَّ بعضهم بحقٍّ لبني هاشم في ذلك الزمن فإنه قَصَرَهُ على سهمٍ لهم من خمس غنائم الحرب فقط، وهو سهمٌ متروك لتصرّف خليفة الوقت الذي كان بإمكانه أن يمنعه عنهم بكل سهولة، كما حصل ذلك فعلاً بدليل أننا لا نجد أي شاهد في تاريخ الإسلام على أن أحداً من الخلفاء أعطى فقراء بني هاشم من خمس الغنائم؛ فإنها أعطت مفعولها على أحسن وجه وللأسف الشديد رأينا أن هذه السياسة والحيلة أدت بما أوجدته من ضغط وتضييق على بني هاشم إلى ردّ فعل ظهر في الإسلام وفي مذهب الشيعة بشكل آخر، وأظهر ذلك المذهب بتلك الصورة التي بينّاها! وأبعده عن حقيقة الدين في هذا الموضوع بُعداً شاسعاً، وقدَّم لأعداء الدين، بقبوله لمثل هذا الأمر بوصفه حكماً دينياً مسلَّماً به، مستمسكاً قوياً يتهمون من خلاله نبيّ هذا الدين بأنه ترك لذريته وقرابته مثل هذا الميراث العجيب. والواقع إن الذي دفعنا لكتابة هذا الكتاب - إضافة إلى بيان حقائق الإسلام – رد تلك التهمة الكبيرة ضدّ مؤسس هذا الدين المبين صلى الله عليه وآله وسلم، حيث نعتبر أن هذه التهمة أسوأ وأشد تأثيراً في ضرب وتخريب حقيقة الإسلام من أي ضربة أخرى لهذا الدين.

 

الهوامش:

(123) هذا الحساب كان حين تأليف المؤلف لكتابه، أما اليوم حيث تم طباعة الكتاب بعون الله فطبقاً لتصريحات مسؤولي البلاد فإن إيرادات البترول السنوية تتجاوز العشرين مليار دولار وبالتالي فخمسها يساوي أربع مليارات دولار فلو قسمنا أرباح الخمس على السادة في إيران من هذا الطريق فقط لنال كل واحد مهم أكثر من ألف تومان يومياً.

(124) هذا الحساب كان حين تأليف المؤلف لكتابه أي سنة 1347هـ.ش. (1968م).

(125) الحديث صحيح متفق عليه عند أهل السنة رواه الجماعة من عِدَّة طرق. (المترجم)