الآيات الخاصَّة بعدم اختصاص نبيِّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم

أو تمييزه بأي استفادة من أيِّ أجْرٍ أو جزاءٍ ماليٍّ على رسالته

ذكرنا في الفقرة الماضية كيف أن رب العالمين بين لنا في ثمان آيات كريمات من كتابه عدم طلب الأنبياء لأي أجر من الناس على رسالتهم. أما الآيات التي تتعلق بنبيِّ آخر الزمان صلى الله عليه وآله وسلم بشكل خاص فهناك ثمان آيات صريحة أخرى في القرآن تبين بأوضح صورة عدم اختصاص حضرة النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم بأيِّ مزيَّة ماليَّة كأجر على رسالته وفيما يلي هذه الآيات:

1- في الآية 90 من سورة الأنعام يأمر رب العالمين رسوله الأعظم أن يبلغ الناس: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ [الأنعام/90]

2- ويقول تعالى في الآية 47 من سورة سبأ:

﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [سبأ/47]

3- ويقول تعالى أيضاً في سورة ص:

﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ (86) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ [ص/86-87]

4- ويقول تعالى أيضاً في سورة المؤمنون الآية 72:

﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [المؤمنون/72]

5- وفي الآية 40 من سورة الطور، يكرِّرُ تعالى هذا المعنى في معرض تأنيبه وتقريعه لمن أعرضوا عن قبول رسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيقول:

﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ؟﴾ [الطور/40]

6- ويقول تعالى أيضاً في سورة الفرقان:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (56) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا [الفرقان/56-57]

7- ويقول كذلك في سورة الشورى:

﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى [الشورى/23]

8- ويقول تعالى أيضاً في الآية 104 من سورة يوسف وهي سورة مدنية:

﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ [يوسف/104]

إذن، بحكم سيرة عامة النبيِّين ونهجهم الواضح وبحكم الآيات الكريمات الخاصة بشأن عدم سؤال نبي آخر الزمان أي أجر أو مال من الناس تلقاء تبليغه إياهم رسالته، فإنه يصبح من المُسَلَّم به تماماً أنه لا يمكن أن يكون للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أي امتيازات مالية له أو لأسرته.

إذا عرفنا ذلك فثمة سؤال يطرح نفسه: ما الدليل على وجوب أن يخصَّصَ خمس جميع ثروات الدنيا أو على الأقل خمس جميع ثروات المسلمين في العالم لأسرة واحدة معينة لا يزيد عدد أفرادها - سواء كانوا من أفرادها فعلاً أم مدَّعين لذلك - عن واحد من كل ثلاثمئة من المسلمين أو واحد بالمليون من جميع سكان العالم؟

وذلك لأنه طبقاً لفتاوى الفقهاء الماضيين والحاضرين يجب أداء الخمس من خمسة وعشرين شيئاً بل أكثر من ذلك أي يجب أداء خمس جميع أنواع ثروات الدنيا التي بأيدي المسلمين للهاشميين الذين لا يوجد منهم أحد اليوم إلا أولاد فاطمة وربما أولاد العباس وعقيل.

وإذا صرفنا النظر عن آيات القرآن الكريمة وعن سيرة عامة النبيين ونهجهم، فإن كل من يرجع إلى سيرة نبيِّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم يرى كيف أن ذلك النبي صاحب تلك السيرة العظيمة والمذهلة، والمليئة بالفخار، والمحيرة للعقول، الذي كان يمر عليه أشهر دون أن يوقد في بيته نار لطبخ الطعام والذي كان يضع الحجر أحياناً على بطنه الشريفة من شدة الجوع، ويوم رحيله من الدنيا رهن - فداه أبي وأمي - درعه في بيت يهودي ليأخذ منه بضع دراهم ليفي بها قرضاً كان عليه، والذي لم يرضَ أن يعطي ابنته خادمة تخدمها رغم كل مشقة الحياة التي كانت ابنته تعاني منها، هذا رغم وجود ثروات وإماء كثيرات تحت تصرفه [بوصفه رئيس الدولة] ومع ذلك لم يعطِ حبيبة الله ورسوله تلك ما طلبته بل علَّمها عِوَضاً عن ذلك التسبيحات المعروفة بتسبيحات فاطمة الزهراء، وكان لا يرغب أن تهتم ابنته أدنى اهتمام بزخارف الدنيا وزينتها وحليها، إلى درجة أنه لما رأى يوماً عقداً على جيد ابنته وخلاخل على أقدام أبنائها وستارة مزينة على بيتها أعرض عن تلك الطاهرة المُطَهَّرة المظلومة، حتى قامت تلك المعصومة بما قامت به، مما بيناه فيما سبق.

 فهل يمكن لمثل هذا النبي أن يفرض على أمته إعطاء خمس أرباح المكاسب والمعادن والغوص والغنائم والكنوز وخمسة وعشـرين شيئاً - حسب قول فقهاء السلف – أي خُمس جميع ثروات الدنيا، لأقربائه الذين كانوا ذلك اليوم أولاد وأحفاد الحارث وأبو لهب الكافرين الوثنيين المشركين أو لأحفاد ابنته من بعده؟! والذين لو جمعوا في بلد مثل إيران التي فيها من السادة الأشراف أكثر مما في أي بلد آخر في الدنيا لوصل لكل منهم أكثر من ألف تومان(121) في اليوم؟!! هذا إضافة إلى أن نصف ذلك الخمس أي ما يسمى اصطلاحاً «سهم الإمام» يجب حسب فتاوى الفقهاء الماضين أن يدفن في البيادي إلى يوم ظهور إمام الزمان الذي سينادي تلك الثروات والكنوز ويدعوها فتحضر لعنده!! أو أن يعزل كل من يجب عليه الخمس سهم الإمام من ماله جانباً إلى حين ظهور حضرة القائم ليسلمه إليه إذا أدرك ظهوره قبل أن تدركه الوفاة فإن لم يدرك ظهوره فعليه أن يعهد به إلى شخص أمين ليسلمه بدوره إلى القائم حين قيامه، أو أن يرميه في البحر ليصل ليد إمام الزمان!!!

أما حسب فتوى فقهاء اليوم فيجب إعطاء سهم الأمام للسادة (المنسوبين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم) أو صرفه في مصارف لا يوجد أي دليل عليها وطبقاً لقول المرحوم كاشف الغطاء فإن مال الإمام مثل مال الكافر الحربي الذي يرى كل شخص أن له الحق في التصرف فيه!!

ولما كان الله تعالى قد أخذ على عاتقه حفظ رسول الله وحمايته من شر الناس وقال: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة/67]، فإنه إضافة إلى أن آيات القرآن الكريمة وسيرة رسول الله المقدسة تكذِّب تماماً نسبة مثل ذلك الأمر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتدفع عنه تماماً تلك التهمة، لم يُسَجَّل حتى حديث ضعيف واحد (رغم وضع آلاف الأحاديث الكاذبة على لسانه صلى الله عليه وآله وسلم) بين جميع أحاديث الفريقين ينقل عن قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إيجابه أو استحبابه دفع ذلك الخمس العجيب، وما هذا إلا لتتم الحجة على العالمين.

﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأنفال/42]

 

الهوامش:

(121) تومان: اسم العملة الإيرانية، وكانت قيمة التومان في الزمن الذي ألف المؤلف فيه كتابه هذا تعادل حوالي ثُلُث دولار أي كان الدولار حينها يساوي ثلاثة تومانات. (المترجِم)