أما ما كان المعصومون عليهم السلام يأخذونه كحصتهم من بيت المال وما يقبلونه من جوائز الخلفاء وعطاياهم

1- في قضية تصرف الخليفة الأول في أرض فدك بعد رحيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نرى أنه لما اشتكت ابنة النبي فاطمة الزهراء عليها السلام من غصبها فدك واعترضت على ذلك بسؤالها: كيف سيكون مصيرها ومعاش أولادها إذا أُخِذَتْ منها فدك؟ أجابها أبو بكر- طبق لروايات نقلها المجلسي في المجلد الثامن من بحار الأنوار (ص103) طبع تبريز – بأن لها حقها كسائر المسلمين من بيت المال، وفيما يلي نص رواية المجلسي: «وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ فَاطِمَةَ (ع) وَالْعَبَّاسَ أَتَيَا أَبَا بَكْرٍ.. يَلْتَمِسَانِ مِيرَاثَهُمَا مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَهُمَا حِينَئِذٍ يَطْلُبَانِ أَرْضَهُ مِنْ فَدَكَ وَسَهْمَهُ مِنْ خَيْبَرَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله قَالَ: لَا  نُوَرِّثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ هَذَا المَالِ.. » (97). مما يثبت ما قلناه من أن الأكل من الصدقة ومن بيت المال جائز وحلال بالنسبة إلى جميع المستحقين للأخذ من بيت المال أيا كان نسبهم أو طبقتهم. وجاء في روايات عديدة أخرى من طرق العامة والخاصة أحاديثُ متفقةٌ تقريباً في لفظها ومعناها تفيد أن أبا بكر قال: «وَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَكَفَى بِهِ شَهِيداً أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله يَقُولُ: «نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُوَرِّثُ ذَهَباً وَلَا  فِضَّةً وَلَا  دَاراً وَلَا  عَقَاراً وَإِنَّمَا نُوَرِّثُ الْكُتُبَ وَالْحِكْمَةَ وَالْعِلْمَ وَالنُّبُوَّةَ، وَمَا كَانَ لَنَا مِنْ طُعْمَةٍ فَلِوَلِيِّ الْأَمْرِ بَعْدَنَا أَنْ يَحْكُمَ فِيهِ بِحُكْمِهِ»... » (98).

أي أن ولي الأمر هو الذي يحدد أمر صرف المعاش للمستحقين، فهذا يدل على أن معاش وارتزاق أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد رحيله يُعْطى من بيت المال كما يُعطَى سائر المسلمين، ولا يمنع أن فاطمة الزهراء عليها السلام اعترضت على القسم الأول من الحديث الذي رواه أبو بكر أي عبارة «لا نُوْرَث» واحتجَّت على عدم صحته بآياتٍ من كتاب الله، لكنها لم تعترض على القسم الآخر من الحديث أي قوله «إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ هَذَا المَالِ» والذي يفيد أن من مسؤولية الحاكم أن يؤمن معاش أسرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد رحيله من بيت المال.

هذا ولما كانت تلك الحادثة قد وقعت في محضر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذين مدحهم القرآن وأثنى عليهم ولم يعترض أحد منهم على هذا الأمر فإن هذا دليل قاطع أن أبا بكر كان صادقاً ومصيباً فيما رواه، خاصة أننا نرى عامة أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد صدَّقوا قول أبي بكر عملياً إذْ كانوا يأخذون عطاءهم من بيت المال الذي أحد مصادر أمواله هو يقيناً وبالتأكيد الزكاةُ والصدقات. وكذلك بعد أن وضع عمر الدواوين كان أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وآله يأخذون سهمهم من بيت المال.

2- وجاء في جميع التواريخ والسير، ومنها ما نقله المجلسي في المجلد الثامن من بحار الأنوار (ص109)(99) قال: «وكان (عمر بن الخطاب) فرض للعباس خمسة وعشرين ألفاً، وقيل: اثني عشر ألفاً، وأعطى نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم عشـرة آلاف عشرة آلاف، إلا من جرى عليها الملك. فقال نسوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفضلنا عليهن في القسمة، فسو بيننا؛ ففعل.»(100).

وفي حديث تقسيم الخمس الذي رواه الكُلَيْنِيّ في «الكافي»(101) بسنده عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ (أي الإمام موسى بن جعفر عليه السلام) عبارة: «...فَسَهْمُ اللهِ وَسَهْمُ رَسُولِ اللهِ لِأُولِي الْأَمْرِ مِنْ بَعْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم... وَلَهُ نِصْفُ الْخُمُسِ كَمَلًا وَنِصْفُ الْخُمُسِ الْبَاقِي بَيْنَ أَهْلِ بَيْتِهِ فَسَهْمٌ لِيَتَامَاهُمْ وَسَهْمٌ لِمَسَاكِينِهِمْ وسَهْمٌ لِأَبْنَاءِ سَبِيلِهِمْ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا يَسْتَغْنُونَ بِهِ فِي سَنَتِهِمْ فَإِنْ فَضَلَ عَنْهُمْ شَيْ‏ءٌ فَهُوَ لِلْوَالِي وَإِنْ عَجَزَ أَوْ نَقَصَ عَنِ اسْتِغْنَائِهِمْ كَانَ عَلَى الْوَالِي أَنْ يُنْفِقَ مِنْ عِنْدِهِ بِقَدْرِ مَا يَسْتَغْنُونَ بِهِ..الحديث»، وبغض النظر عن أن هذا الحديث مجهولٌ ومُرسَلٌ [أي غير صحيح]، فإن عبارته تبين أن للوالي الحق أن يعطي فقراء السادة سهماً من بيت المال [من غير الخمس إذا لم يكفهم الخمس].

3- وكتب المؤرخ اليعقوبي في تاريخه (ج2/ص106) حول موضوع ديوان عمر يقول: «دوَّن عُمَرُ الدواوينَ وفرضَ العطاءَ سنة عشرين، وقال: قد كثرت الأموال. فأشير عليه أن يجعل ديواناً، فدعا عقيل بن أبي طالب، ومخرمة بن نوفل، وجبير بن مطعم بن نوفل بن عبد مناف، وقال: اكتبوا الناس على منازلهم. وابدءوا ببني عبد مناف. فكتب أول الناس عليّ بن أبي طالب في خمسة آلاف، والحسن بن عليّ في ثلاثة آلاف، والحسين بن عليّ في ثلاثة آلاف، وقيل بدأ بالعباس بن عبد المطلب في ثلاثة آلاف، وكلّ من شهد بدراً من قريش في ثلاثة آلاف....».

فهذا الخبر يدل على أن الخليفة أعطى جميع الرعيّة بما فيهم بني هاشم سهماً قرَّره لهم من بيت مال المسلمين وقد قبلوا هذا العطاء وأخذوه وكانوا يعيشون منه ويصرفونه، ولم يُسْمع أن أحداً منهم اعتراض على ذلك أن أتى بأي كلام عن حليَّة أو حرمة أموال بيت المال التي تتكون من الصدقات على بني هاشم أو غيرهم.

4- جاء في كتاب «الخراج» لأبي يوسف القاضي (ص43) وفي كتاب «الأموال» لأبي عبيد القاسم بن سلام (ص 322): «ففرض [أي عُمَرُ] للمهاجرين والأنصار ممن شهد بدراً خمسة آلاف خمسة آلاف، وفرض لمن كان إسلامه كإسلام أهل بدر أربعة آلاف أربعة آلاف، وفرض لأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم اثني عشر ألفاً اثني عشر ألفاً... (إلى قوله):... وفرض للعباس عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اثني عشر ألفاً، وفرض لأسامة بن زيد أربعة آلاف،... وفرض للحسن والحسين خمسة آلاف، ألحقهما بأبيهما لمكانهما من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وفرض لأبناء المهاجرين والأنصار ألفين ألفين.. إلى آخر الخبر»(102).

ومن الجدير بالذكر أن هذا التفاضل والتمايز في العطاء بحسب السابقة والمنزلة في الإسلام الذي اعتمده عمر في ديوانه لم يكن صائباً بل كان مخالفاً لروح [المساواة في] الإسلام، ولم يكن مقبولاً، وقد روى المؤرخون أنه ندم على ذلك في آخر عمره وعزم على تبديل سياسة التفضيل في العطاء لكن الأجل لم يمهله(103). وعلى كل حال فالقصد من هذا الشاهد أن بني هاشم كان شأنهم شأن سائر المسلمين يأخذون سهماً من بيت مال المسلمين حسبما قرَّره لهم الخليفة ولم يُسْمَع عن أحد منهم أي كلام حول حرمة مثل هذا العطاء عليهم [رغم أن من مصادره الزكاة].

5- روى الشيخ الطوسي في «التهذيب» (ج 6/ص 327، طبع النجف) والعلامة الحلي في «منتهى المطلب» (ج2/ص1025) والحميري(104) في «قرب الإسناد» والحر العاملي في «وسائل الشيعة» [ج 17 /ص 214]:

«عَنْ أَبَانٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي الْعَلَاءِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) عَنْ أَبِيهِ (ع) أَنَّ الحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ (ع) كَانَا يَقْبَلَانِ جَوَائِزَ مُعَاوِيَةَ. »

6- روى أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الطَّبْرِسِيُّ في كتابه «الاحْتِجَاجِ» (2/298): «عَنِ حضرة الإمام الحُسَيْنِ (ع) أَنَّهُ كَتَبَ كِتَاباً إِلَى مُعَاوِيَةَ، وَذَكَرَ الْكِتَابَ، وَفِيهِ تَقْرِيعٌ عَظِيمٌ وَتَوْبِيخٌ بَلِيغٌ. قَالَ: فَمَا كَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ بِشـَيْ‏ءٍ يَسُوؤُهُ، وَكَانَ يَبْعَثُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ سِوَى عُرُوضٍ وَهَدَايَا مِنْ كُلِّ ضَرْبٍ»(105). حتى ذكروا أنه كان يبعث إليه بحمل بعير من الطيب والعطور وكان الحسين (ع) يقبلها ويأخذها.

ولعلَّ قائلٍ يقول: إن هذه الأموال التي كان الأئمة والآخرون من آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يأخذونها من الخلفاء إنما كانت من الخراج والغنائم والجزية، وليست من مال الزكاة. ولكن هذا القول غير صائب لأنه لم يكن للخلفاء في أي يوم من الأيام خزانتان لبيت المال إحداهما لأموال الزكاة والأخرى لأموال الفيء والخراج ونحوهما، بل كانت جميع الأموال تصب في بيت مال واحد.

7- وروى عبدُ الله بن جعفر الحِمْيَرِيّ في كتاب «قرب الإسناد» (ص 45):

«عَنِ‏الحَسَنِ بْنِ ظَرِيفٍ عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ عُلْوَانَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ (ع) أَنَّ الحَسَنَ وَالحُسَيْنَ (ع) كَانَا يُغْمِزَانِ مُعَاوِيَةَ وَيَقَعَانِ فِيهِ وَيَقْبَلَانِ جَوَائِزَهُ»(106).

8- وروى الغزالي في «إحياء علوم الدين» (ج2/ص102، طبعة مصر القديمة): «ولما قدم الحسن بن علي رضي الله عنهما على معاوية فقال لأجيزك بجائزة لم أجزها أحدا قبلك من العرب ولا أجيزها أحداً بعدك من العرب، قال فأعطاه أربعمائة ألف درهم فأخذها».

9- وروى أبو الفرج الأصفهاني في «الأغاني» (ج16/ص 150) في قصة زواج مصعب بن الزبير من سكينة ابنة حضرة سيد الشهداء عليه السلام:

«زوجه إياها أخوها علي بن الحسين، ومهرها مصعب ألف ألف درهم. قال مصعب: وحدثني مصعب بن عثمان: أن علي بن الحسين أخاها حملها إليه، فأعطاه أربعين ألف دينار.».

أي أن حضرة الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام لما حمل أخته سكينة إلى مصعب بن الزبير [الذي كان والي المدينة من قبل أخيه عبد الله بن الزبير] أجازه مصعب بن الزبير وأكرمه بمكرمة مقدارها أربعين ألف دينار، فقبل الإمام زين العابدين الجائزة وأخذها.

10 – وروى ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (ج2/ص213):

«قال: أخبرنا علي بن محمد عن سعيد بن خالد عن المقبري قال: بعث المختار إلى عليِّ بن حسين عليه السلام بمائة ألف، فَكَرِهَ أن يقبلها وخاف أن يردّها فأخذها فاحتبسها عنده، فلما قُتِلَ المختار كتب علي بن حسين عليه السلام إلى عبد الملك بن مروان: إن المختار بعث إليَّ بمائة ألف درهم فكرهت أن أردّها وكرهت أن آخذها فهي عندي فابعث من يقبضها. فكتب إليه عبد الملك: يا بن عم! خذها فقد طيبتها لك، فقبلها.».

11- وروى القطب الراوندي(107) في كتابه «الخرائج والجرائح» (ص 194)، وروى المجلسي في المجلد 11 من البحار نقلاً عن كتاب «كشف اليقين» ضمن بيان معجزات حضرة الإمام زين العابدين عليه السلام فقالوا:

«رُوِيَ أَنَّ الحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكَ فَاقْتُلْ عَلِيَّ بْنَ الحُسَيْنِ (ع) فَكَتَبَ عَبْدُ المَلِكِ إِلَيْهِ أَمَّا بَعْدُ فَجَنِّبْنِي دِمَاءَ بَنِي هَاشِمٍ وَاحْقُنْهَا فَإِنِّي رَأَيْتُ آلَ أَبِي سُفْيَانَ لَمَّا أَوْلَعُوا فِيهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَى أَنْ أَزَالَ اللهُ المُلْكَ عَنْهُمْ وَبَعَثَ بِالْكِتَابِ سِرّاً أَيْضاً فَكَتَبَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ (ع) إِلَى‏ عَبْدِ المَلِكِ فِي السَّاعَةِ الَّتِي أَنْفَذَ فِيهَا الْكِتَابَ إِلَى الحَجَّاجِ وَقَفْتُ عَلَى مَا كَتَبْتَ فِي دِمَاءِ بَنِي هَاشِمٍ وَقَدْ شَكَرَ اللهُ لَكَ ذَلِكَ وَثَبَّتَ لَكَ مُلْكَكَ وَزَادَ فِي عُمُرِكَ وَبَعَثَ بِهِ مَعَ غُلَامٍ لَهُ بِتَارِيخِ السَّاعَةِ الَّتِي أَنْفَذَ فِيهَا عَبْدُ المَلِكِ كِتَابَهُ إِلَى الحَجَّاجِ فَلَمَّا قَدِمَ الْغُلَامُ أَوْصَلَ الْكِتَابَ إِلَيْهِ فَنَظَرَ عَبْدُ المَلِكِ فِي تَارِيخِ الْكِتَابِ فَوَجَدَهُ مُوَافِقاً لِتَارِيخِ كِتَابِهِ فَلَمْ يَشُكَّ فِي صِدْقِ زَيْنِ الْعَابِدِينَ فَفَرِحَ بِذَلِكَ وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِوِقْرِ دَنَانِيرَ وَسَأَلَهُ أَنْ يَبْسُطَ إِلَيْهِ بِجَمِيعِ حَوَائِجِهِ وَحَوَائِجِ أَهْلِ بَيْتِهِ وَمَوَالِيهِ.»(108).

12- وفي كتاب «مستدرك‏الوسائل» [ج 13/ص 178] نقلاً عن كتاب فَتْحِ الْأَبْوَابِ للسَّيِّدِ عَلِيِّ بْنِ طَاوُسٍ: بسنده «عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ دَخَلْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ (ع) عَلَى عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَاسْتَعْظَمَ عَبْدُ المَلِكِ مَا رَأَى مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ بَيْنَ عَيْنَيْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ (ع). إِلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ يَسْأَلُهُ عَنْ حَاجَاتِهِ وَمِمَّا قَصَدَ لَهُ فَشَفَّعَهُ فِيمَنْ شَفَعَ وَوَصَلَهُ بِمَالٍ».

13- وروى المجلسيُّ في «بحار الأنوار» (ج11/ص2، طبع تبريز) [نقلاً عن كتاب المحاسن للبرقي] قال:

«بَلَغَ عَبْدَ المَلِكِ أَنَّ سَيْفَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم عِنْدَهُ (أي عند الإمام علي بن الحسين زين العابدين) فَبَعَثَ يَسْتَوْهِبُهُ مِنْهُ وَيَسْأَلُهُ الحَاجَةَ، فَأَبَى عَلَيْهِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ المَلِكِ يُهَدِّدُهُ وَأَنَّهُ يَقْطَعُ رِزْقَهُ مِنْ بَيْتِ المَالِ فَأَجَابَهُ (ع): أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللهَ ضَمِنَ لِلْمُتَّقِينَ المَخْرَجَ مِنْ حَيْثُ يَكْرَهُونَ وَالرِّزْقَ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُونَ وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ فَانْظُرْ أَيُّنَا أَوْلَى بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي حِلْمِهِ وَتَوَاضُعِه...»(109).

فهذه الرواية تدل على أن معاش وارتزاق حضرة الإمام زين العابدين كان في ذلك الزمن من مال بيت المال.

14- روى ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (ج 5/ص111-112):

«أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا معاوية بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه قال: لما صار محمد بن علي [ابن الحنفيَّة] إلى المدينة وبنى داره بالبقيع كتب إلى عبد الملك [بن مروان] يستأذنه في الوفود عليه، فكتب إليه عبد الملك يأذن له.. فقدم على عبد الملك بدمشق فاستأذن عليه فأذن له وأمر له بمنزل قريب منه، وأمر أن يجرى عليه نزل يكفيه ويكفي من معه... فلما مضى من ذلك شهر أو قريب منه كلم عبد الملك خالياً فذكر قرابته ورحمه وأمره [عبد الملك] أن يرفع [إليه] حوائجه. فرفع محمد [بن الحنفية] دينه وحوائجه وفرائض لولده ولغيرهم من حامته ومواليه فأجابه عبد الملك إلى ذلك كله.. فلم يبق له حاجة إلا قضاها..».

15- روى النوري الطبرسي في «مستدرك الوسائل» [ح (15031)، ج13/ ص178] قال:

«السَّيِّدُ عَلِيُّ بْنُ طَاوُسٍ فِي أَمَانِ الْأَخْطَارِ، نَقْلًا عَنْ كِتَابِ دَلَائِلِ الْإِمَامَةِ تَصْنِيفِ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ الْإِمَامِيِّ مِنْ أَخْبَارِ مُعْجِزَاتِ مَوْلَانَا مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ (ع) بِإِسْنَادِهِ عَنِ الصَّادِقِ (ع) ذَكَرَ خَبَراً طَوِيلًا فِي أَمْرِ هِشَامٍ بِإِشْخَاصِهِ وَإِشْخَاصِ أَبِيهِ (ع) إِلَى الشَّامِ وَمَا جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا (ع) إِلَى أَنْ قَالَ (ع) فَبَعَثَ إِلَيْنَا بِالْجَائِزَةِ وَأَمَرَنَا أَنْ نَنْصَرِفَ إِلَى المَدِينَةِ الخَبَرَ».

16- وروى النوري الطبرسي في «مستدرك الوسائل» [ج 2/ ص450، الطبعة الحجرية القديمة](110) قال:

«ابْنَا بِسْطَامَ فِي طِبِّ الْأَئِمَّةِ، عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ‏ عِيسَى عَنْ أَبِي الحَسَنِ الرِّضَا عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (ع) قَالَ لَمَّا طَلَبَ أَبُو الدَّوَانِيقِ أَبَا عَبْدِ اللهِ (ع) وَهَمَّ بِقَتْلِهِ فَأَخَذَهُ صَاحِبُ المَدِينَةِ وَوَجَّهَ بِهِ إِلَيْهِ إِلَى أَنْ ذَكَرَ دُخُولَهُ (ع) عَلَيْهِ قَالَ ثُمَّ أَمَرَهُ بِالِانْصِرَافِ وَحَبَاهُ وَأَعْطَاهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ شَيْئاً وَقَالَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَنَا فِي غَنَاءٍ وَكِفَايَةٍ وَخَيْرٍ كَثِيرٍ فَإِذَا هَمَمْتَ بِبِرِّي فَعَلَيْكَ بِالْمُتَخَلِّفِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي فَارْفَعْ عَنْهُمُ الْقَتْلَ. قَالَ: قَدْ قَبِلْتُ يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ وَقَدْ أَمَرْتُ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَفَرِّقْ بَيْنَهُمْ فَقَالَ وَصَلْتَ الرَّحِمَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ الخَبَرَ».

17- وروى الشَّيْخُ المُفِيدُ في كتابه «الاخْتِصَاصِ» [ص 58]:

«عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْعَلَوِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الزَّبْرِقَانِ الدَّامَغَانِيُّ قَالَ قَالَ أَبُو الحَسَنِ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ (ع): لَمَّا أَمَرَ هَارُونُ الرَّشِيدُ بِحَمْلِي دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَسَلَّمْتُ فَلَمْ يَرُدَّ السَّلَامَ... (إِلَى أَنْ قَالَ فِي آخِرِ الحَدِيثِ وَهُوَ طَوِيلٌ) فَقَالَ يَعْنِي هَارُونَ: أَحْسَنْتَ وَهُوَ كَلَامٌ مُوجَزٌ جَامِعٌ فَارْفَعْ حَوَائِجَكَ يَا مُوسَى. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! أَوَّلُ حَاجَتِي إِلَيْكَ أَنْ تَأْذَنَ لِي فِي الِانْصِرَافِ إِلَى أَهْلِي.. (إِلَى أَنْ قَالَ) فَقَالَ: ازْدَدْ! فَقُلْتُ: عَلَيَّ عِيَالٌ كَثِيرٌ وَأَعْيُنُنَا بَعْدَ اللهِ مَمْدُودَةٌ إِلَى فَضْلِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ وَعَادَتِهِ. فَأَمَرَ لِي بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَكِسْوَةٍ وَحَمَلَنِي وَرَدَّنِي إِلَى أَهْلِي مُكَرَّماً»(111).

18- وقال اليافعي في «مرآة الجنان»(112) (ج1/ص394):

«قال الربيع وأرسل إليَّ المهدي [أي المهدي العباسي والد هارون الرشيد] ليلاً، فراعني ذلك، فجئته فإذا هو يقرأ هذه الآية، وكان أحسن الناس صوتاً، وقال عليَّ بموسى بن جعفر، فجئته به فعانقه وأجلسه إلى جانبه وقال: يا أبا الحسن إني رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في النوم يقرأ عليَّ كذا، فتؤمنني أن تخرج علي أو على أحد من أولادي؟؟ فقال:و الله لا فعلت ذلك، وما هو من شأني، قال:صدقت أعطوه ثلاثة آلاف دينار، ورده إلى أهله إلى المدينة.».

19- وفي (ص 395) من الكتاب السابق ذاته رواية عن هارون الرشيد قال:رأيت في المنام كأن حسيناً قد أتاني ومعه حربة،وقال إن خليت عن موسى بن جعفر الساعة وإلا نحرتك بهذه الحربة، فاذهب فخل عنه، وأعطه ثلاثين ألف درهم، وقل له إن أحببت المقام قبلنا فلك ما تحب، وإن أحببت المضي إلى المدينة فالإذن في ذلك لك... فأتاه هارون وأعطاه ما أمره به...

20– وفي المجلد الثاني من الكتاب السابق «مرآة الجنان» (ص13) يروي اليافعي فيقول: «وقال المأمون يوماً لعليِّ بن موسى (أي الإمام الرضا عليه السلام): ما يقول بنو أبيك (أي أولاد عليٍّ عليه السلام) في جدنا العباس بن عبد المطلب؟ فقال: ما يقولون؟ رجل فرض الله طاعة بنيه على خلقه! فأمر له بألف ألف درهم!!».

21- وَفِي مُهَجِ الدَّعَوَاتِ للسيد ابن طاوس.. بسنده «عن حَكِيمَةَ بِنْتِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَمَّةُ أَبِي مُحَمَّدٍ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (ع) - وَذَكَرَ قِصَّةً طَوِيلَةً جَرَتْ بَيْنَ أَبِيهَا (ع) وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ المَأْمُونِ وَفِيهَا ذِكْرُ الحِرْزِ المَشْهُورِ بِحِرْزِ الجَوَادِ (ع) - إِلَى أَنْ قَالَتْ: «قَالَ المَأْمُونُ لِيَاسِرٍ سِرْ إِلَى ابْنِ الرِّضَا (ع) وَأَبْلِغْهُ عَنِّي السَّلَامَ وَاحْمِلْ إِلَيْهِ عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ..»(113).

22- وفي «مرآة الجنان» لليافعي أيضاً (ج2/ص80): «وفيها (أي في سنة عشرين ومائتين): توفي الشريف أبو جعفر محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر، وعمره خمس وعشرون سنة، وكان المأمون قد نوه بذكره، وزوجه بابنته، وسكن بها المدينة، وكان المأمون ينفذ إليه في السنة ألف ألف درهم». وفي تاريخ اليعقوبي (ج2/ص 150، طبع بيروت، 1375هـ): «وزوَّج (المأمون العباسي) محمدَ بن الرضا ابنَتَه أمَّ الفضل وأمر له بألفي ألف درهم، وقال: إني أحببت أن أكون جداً لامرئ ولده رسول الله وعلي بن أبي طالب، فلم تلد منه.».

23- وَرَوَى الشَّيْخُ المُفِيدُ فِي الْإِرْشَادِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُولَوَيْهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الطَّاهِرِيِّ قَالَ: «مَرِضَ المُتَوَكِّلُ وَذَكَرَ كَيْفِيَّةَ شِفَائِهِ بِمُعَالَجَةِ الْإِمَامِ أَبِي الحَسَنِ (ع) وَأَنَّ أُمَّهُ حَمَلَتْ إِلَيْهِ (ع) عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ لَمَّا بُشِّرَتْ بِعَافِيَةِ وَلَدِهَا.(114).

24- وروى المؤرخ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ المَسْعُودِيُّ فِي «مُرُوجِ الذَّهَبِ» قَالَ: «سُعِيَ إِلَى المُتَوَكِّلِ بِعَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الجَوَادِ (ع) إِلَى أَنْ ذَكَرَ بَعْثَهُ جَمَاعَةً مِنَ الْأَتْرَاكِ فَهَجَمُوا دَارَهُ لَيْلًا وَحَمَلُوهُ إِلَيْهِ إِلَى أَنْ قَالَ فَبَكَى المُتَوَكِّلُ حَتَّى بَلَّتْ لِحْيَتَهُ دُمُوعُ عَيْنَيْهِ وَبَكَى الحَاضِرُونَ وَدَفَعَ إِلَى عَلِيٍّ (ع) أَرْبَعَةَ آلَافِ دِينَارٍ ثُمَّ رَدَّهُ إِلَى مَنْزِلِهِ مُكَرَّماً»(115).

25- وفي قصة إحضار المتوكل لحضرة الإمام الهادي [علي بن محمد] عليهما السلام، وقراءة الإمام الهادي للأبيات الشهيرة:

 بَاتُوا عَلَى قُلَلِ الْأَجْبَالِ تَحْرُسُهُمْ غُلْبُ الرِّجَالِ فَلَمْ تَنْفَعْهُمُ الْقُلَل‏

قَالَ: فَبَكَى المُتَوَكِّلُ حَتَّى بَلَّتْ لِحْيَتَهُ دُمُوعُ عَيْنَيْهِ وَبَكَى الحَاضِرُونَ وَقَالَ: يا أَبَا الحَسَن عَلَيْكَ دَيْنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِينَارٍ، فأمَرَ بدفْعِهَا إلَيْهِ وَرَدَّهُ إِلَى مَنْزِلِهِ مُكَرَّماً(116).

لقد روينا في هذه الرسالة بعض النماذج عن أخبار ما كان يأخذه الأئمة (الإثني عشـر) فقط ويقبلوه من أموال بيت المال دون أن يُسْمع منهم أي كلام بشأن حِلِّيَة أو حُرمة زكاة بيت المال عليهم، والحال أننا لو تقصَّينا جميع الأخبار لرأينا أن الأمر كان أشد من ذلك وأن الأموال التي كان بقية بني هاشم يقبلونها من الخلفاء وغيرهم يصعب إحصاؤها وحسابها! فعلى سبيل المثال يروي المرحوم «السيد علي خان المدني» (1120هـ) في «الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة» (ص175) فيقول: «زوَّج عبد الله بن جعفر ابنته أم كلثوم من الحجاج على ألفى ألف (أي مليونين) في السرّ وخمسمائة ألف في العلانية وحملها إليه إلى العراق فمكثت عنده ثمانية أشهر»(117).

وجميع هذه الأموال التي كانت تُدْفَع إلى حضرات الأئمة المعصومين وغيرهم من بني هاشم إنما كانت تدفع من بيت المال، وكان أهم مصدر لبيت المال في تلك الأزمنة أموال الزكاة، إضافة إلى خراج الأراضي والجزية التي تؤخذ من أهل الذمة، وأحياناً غنائم الحروب، ولكن أموال الزكاة كانت تشكل قسماً مهماً من أموال بيت المال، ومن الواضح تماماً أنه في ذلك الزمن لم يكن هناك بيت مال خاص بأموال الزكاة وآخر خاص بسائر الأموال كالخراج والجزية والغنائم حتى يُقال أن ما كان الأئمة وبنو هاشم يأخذونه إنما كان من الخراج ونحوه من الفيء!

فإذا عرفنا ذلك فكيف إذن يمكن أن يُقال أن مال الصدقة والزكاة كان محرما على بني هاشم وآل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته؟؟ ولماذا ينبغي أن يكون محرَّماً عليهم أصلاً. وهل دين الإسلام إلا دين الله تعالى الواحد الذي بعث به جميع الأنبياء السالفين ودعوا الناس إليه، والحقيقة إن الإسلام هو دين الله الواحد من آدم إلى الخاتَم. ألم يكن نبي الإسلام هو النبي الخاتم الذي دعا إلى دين الله؟ ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ...﴾ [الأحقاف/9]، أوليست أحكام هذا الدين الأبدية هي الأحكام التي أنزلت على من سبقه من الأنبياء؟ ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ...﴾ [فصلت/43].

فأين نجد في رسالات الأنبياء الماضين تعاليم تحرِّم أموال بيت المال وأموال الزكاة والصدقات على جميع أبناء الأنبياء وأحفادهم إلى يوم القيامة؟ كيف والقرآن الكريم ينصُّ بصراحةٍ على أن أولاد يعقوب عليه السلام طلبوا من عزيز مصر أن يتصدق عليهم، فكيف تجوز الصدقة على أولاد النبي يعقوب عليه السلام المباشرين وتحرم على أقرباء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم البعيدين في قرابتهم أو المنتسبين إلى أفراد أسرته حتى لو كانوا من المهجورين والمتروكين؟! وهل يعتبر مثل هذا الحرمان من مال الزكاة الصدقة تمييزاً لهم وتفضيلاً؟؟ (ربما لو لم يُجْعل لهم ذلك الخمس الذي يتحدثون عنه أي خمس جميع أموال الدنيا، لكان من الممكن أن نعتبر أن في ذلك نوع من الامتياز لهم!!). إن قانون تحريم الصدقة على بني هاشم لم يُطبَّق أبداً، اللهم إلا في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي حرمه على واحد أو اثنين من آله من باب الاحتراز والاحتياط ودفع التهمة، ولكن مباشرةً بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم، طبقاً لما صرَّحت به جميع كتب التاريخ، أخذ جميع أهل بيته وآله وقرابته الأدنون والبعيدون من مال بيت المال وأكلوا منه أسوة بسائر المسلمين!

إن عمدة دليل من قالوا بتحريم الصدقة على بني هاشم ومستمسكهم عدة أحاديث ضعيفة ومتناقضة جاءت في كتب الشيعة وأحياناً في كتب أهل السنَّة أيضاً، وأغلب تلك الأحاديث مرويَّةٌ عن «عَلِيِّ بْنِ الحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ» الذي بيَّنَّا في كتابنا «الزكاة» دلائل ضعفه وفساده، وذكرنا مختصراً عن ذلك فيما تقدم من كتابنا هذا. فقد روى هذا الرجل، طبقاً لما نقله الشيخ الطوسي في «التهذيب» (4/60) ونقله عنه الحرّ العامليّ في «وسائل الشيعة» (ج2/ص37، طبع أمير بهادر) بإسناده فقال: «عَلِيُّ بْنُ الحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) قَالَ: سَأَلْتُهُ هَلْ تَحِلُّ لِبَنِي هَاشِمٍ الصَّدَقَةُ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ:تَحِلُّ لِمَوَالِيهِمْ؟ قَالَ: تَحِلُّ لِمَوَالِيهِمْ وَلَا تَحِلُّ لَهُمْ إِلَّا صَدَقَاتُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ».

ولكن هذا الشخص ذاته روى - طبقاً لما نقله الشيخ الطوسي في «التهذيب» (4/60) ونقله عنه الحرّ العامليّ في «وسائل الشيعة» (ج2/ص36) قائلاً: «وَ رَوَاهُ الشَّيْخُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ... عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) أَنَّهُ قَالَ: أَعْطُوا الزَّكَاةَ مَنْ أَرَادَهَا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فَإِنَّهَا تَحِلُّ لَهُمْ! وَإِنَّمَا تَحْرُمُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وَعَلَى الْإِمَامِ الَّذِي مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى الْأَئِمَّةِ (ع»).

وحقا لا يدري الإنسان أيُّ مذهب ودين كان يتبعه أولئك الرواة؟ وإن كانوا مسلمين فكيف كانوا يعملون بهذه الأحكام؟؟ فمرة ينقلون عن الإمام تحريم شيءٍ ومرة أخرى ينقلون عن قول الإمام ذاته تحليل الشيء نفسه!! نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ!! ولو دققنا النظر في الأحاديث التي اتفق على روايتها الخاصة والعامة في هذا الموضوع لرأينا أن قضية التحريم لم تكن كما يفسرها الغلاة بل كانت نوعاً من الكراهة لا أكثر، وفيما يلي بعض النصوص التي تشهد على ذلك:

1- نقل الحر العاملي في وسائل الشيعة عن الْفَضْلِ بْنِ الحَسَنِ الطَّبْرِسِيِّ فِي صَحِيفَةِ الرِّضَا (ع) بِإِسْنَادِهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ وَأُمِرْنَا بِإِسْبَاغِ الْوُضُوءِ وَأَنْ لَا نُنْزِيَ حِمَاراً عَلَى عَتِيقَةٍ»(118).

2- وفي سنن البيهقي (ج7/ص30) بسنده عن «عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ الْعَبَّاسِ قَالَ: كُنَّا جُلُوساً عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فِي فِتْيَةٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا اخْتَصَّنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم بِشَيءٍ دُونَ النَّاسِ إِلاَّ ثَلاَثٍ: أَمَرَنَا أَنْ نُسْبِغَ الْوُضُوءَ وَأَمَرَنَا أَنْ لاَ نَأْكُلَ الصَّدَقَةَ وَلاَ نُنْزِيَ الحُمُرَ عَلَى الخَيْلِ

فكما نلاحظ جُعل أكل بني هاشم للصدقة بمنزلة ومرتبة نزو الحمر على الخيل! وهو عمل لا يصل أبداً إلى مرتبة الحرمة التي توجب العقاب على مرتكبه بل هو عمل مكروه يجتنبه كل رجل شريفٍ.

وأما الحجة الثانية التي تمسَّك بها القائلون بتحريم الصدقة على بني هاشم بعد النبيِّ فهي قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن مال الزكاة والصدقة أنه: «أوساخ أيدي الناس»، أي أنه من كد يمينهم وعرق جبينهم، وبعبارة أبسط: إنها من كدح الناس وتعبهم، فلا يجوز لنبي هاشم الأكل منها، وهذا المعنى نجده فيما رواه الكليني في الكافي، (ج 4/ص 58) فقال: «عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ حَرِيزٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ وَأَبِي بَصِيرٍ وَزُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَأَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: إِنَّ الصَّدَقَةَ أَوْسَاخُ أَيْدِي النَّاسِ وَإِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَيَّ مِنْهَا وَمِنْ غَيْرِهَا مَا قَدْ حَرَّمَهُ وَإِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ». وقد سبق أن شرحنا هذا الحديث.

وفي السنن الكبرى للبيهقي (ج 7 / ص31، ح13620) قصة مجيء رَبِيعَةَ بْنِ الحَارِثِ وَالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم ليسألوه أن يعمل أولادهما في الصدقات، وأنهما قالا: «جِئْنَاكَ لِتُؤَمِّرَنَا عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ فَنُؤَدِّيَ إِلَيْكَ مَا يُؤَدِّى النَّاسُ وَنُصِيبَ كَمَا يُصِيبُ النَّاسُ فَسَكَتَ طَوِيلاً فَأَرَدْنَا أَنْ نُكَلِّمَهُ وَجَعَلَتْ زَيْنَبُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا تُلْمِعُ إِلَيْنَا مِنْ وَرَاءِ الحِجَابِ أَنْ لاَ تُكَلِّمَاهُ ثُمَّ قَالَ:«إِنَّ الصَّدَقَةَ لاَ تَنْبَغِي لآلِ مُحَمَّدٍ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ».

هذه الأحاديث لو دلَّت على الحرمة أو الكراهة فإنها تكون مخصوصةً بزمن حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، هذا مع أننا لا نجد أي دليل على ذلك من كتاب الله، ولو تمم تطبيق هذا المبدأ فعلاً، فعندما لا توجد الغنائم الحربية فإن فقراء بني هاشم سيقعون في مشقة بالغة! لأن هذه الأحاديث إن صحت فإنها قيلت في زمن كانت الغنائم الحربية فيه وافرة لدى الدولة الإسلامية، فكان المحرومون من بنو هاشم يستطيعون الاعتماد على نصيبٍ من خمس تلك الغنائم ليعوِّضوا حرمانهم من الصدقة، أما في الزمن الذي لم يعد فيه أي وجود لخمس غنائم القتال فإن مثل ذلك التحريم سيكون ظالماً جداً ولا يمكن لدين الله الحقِّ أن يشرِّع مثل هذا الظلم.

أما تعويض ذلك الحرمان واستدراكه من خمس أرباح المكاسب الذي راج في عصرنا واعتبر حرمانهم من الصدقة علة لإعطائهم هذا الخمس، فإنه من أعجب العجب!! أولاً: لم يأتِ في أي حديثٍ من الأحاديث التي ورد فيها تحريم الصدقة على بني هاشم ذكرٌ لهذا التعويض والتدارك لذلك الحرمان، اللهم خمس غنائم القتال، وهو حديث مرسل!؟ وثانياً: إن جعل خمس أرباح المكاسب بدلاً وعوضاً عن تحريم الصدقة من أعجب الاختراعات والبدع الشائعة! لأن خمس أرباح المكاسب لا حجة ولا برهان عليه من الكتاب والسنَّة، وعلى فرض ثبوته فلا يختص ببني هاشم بل يختص بإمام المسلمين حصراً.

وثالثاً: إذا كانت الزكاة التي تُعَدُّ ضريبةً ماليّةً عادلةً للغاية ومفروضة ضمن شروط وقيود عديدة على الأغنياء من الدرجة الأولى، بحيث أنها لا تجب إلا لمن امتلك ثلاثين أو أربعين بقرة سائمة غير معلوفة وغير عاملة أو أربعين غنمة كذا وكذا أو امتلك مقداراً جيداً من الذهب أو الفضة المنقوشين المسكوكين بسكة المعاملة أو امتلك عروضاً للتجارة حيث تكرَّم الفقهاء بإيصال درجة وجوب زكاتها إلى الاستحباب وأوجبوا واحداً من أربعين من قيمتها زكاةً.. إذا كانت هذه الزكاة بكل هذه الشرط والقيود «أوساخ أيدي الناس» التي يحرم على بني هاشم مثلاً أن يستفيدوا ويُرْزَقُوا منها [ولو كانوا بحاجة ماسة]، فكيف يُبَاح لهم خمسُ أرباح المكاسب التي أوجبها فقهاء زماننا على أدنى ما يكسبه كل حمّال وبقّال وحطَّاب وكنَّاس حتى ولو بلغ خمس ريالات زائدة على نفقته السنوية وليس أمامه أي مهرب عن أدائها؟؟ أفليست هذه أوساخ أيدي الناس وكد يمينهم وعرق جبينهم؟!! أما زكاة من يمتلك مائة غنمة أو أكثر بل حتى يمكنه أن يمتلك ألف غنمة ويجد مع ذلك حججاً وأعذاراً تخلِّصه من دفع أي زكاة عليها فهذه تعتبر من «أوساخ أيدي الناس»!!! ولتتضح الصورة أكثر نستعرض فيما يلي الأعذار والحجج التي يضعها الفقهاء تحت تصرف من يملك مئة أو مئات من رؤوس الغنم والتي تعفيه من دفع زكاتها:

ألف: تُعفى مئة رأس من تلك الأغنام من الزكاة إذا كان يُسْتَفَاد منها لتأمين الحليب لاستهلاك أهله وعياله.

ب- تُعفى مئة رأس من تلك الأغنام من الزكاة إذا كانت ذكوراً تستخدم كفحل الضراب [أي أن هذه الأغنام لا تُعد ضمن النصاب أصلاً].

ج- تُعفى ثلاثمئة رأس من تلك الأغنام من الزكاة إذا كانت متفرقة في عشر قرىً لكي يعيدها له الذين كانوا قد استأجروها منه، ولم يكن أيّ واحدٍ من أولئك المستأجرين في أي قرية يمتلك ما يصل إلى أربعين رأساً يتواجدون في كل السنة في مكان واحد، فبهذا لا تشملهم الزكاة!

د- وتُعفى أربعمئة رأس من تلك الأغنام من الزكاة لأن صاحبها – بسبب عدم كفاية الأعشاب في المرعى لإطعامها – يقوم بتقديم العلف لها يومياً أو مرة بالأسبوع أو حتى مرة بالشهر من تبن البرسيم أو الشعير أو غيرها من العلف الذي يعطي للمواشي، أو يحفظها في الشتاء داخل الحظيرة ويعلفها فيها، وذلك لأن الأنعام المعلوفة معفيَّةٌ من الزكاة ولو علفت مدة قليلة في السنة.

هـ - وبالكاد يمكن استخراج مائة غنمة من الألف رأس من كل تلك القيود والشروط – أو قُلْ الأعذار والحجج - لوجوب الزكاة فيها إذ إن شرط كونها سائمة (غير معلوفة) تمام الحَوْل شرط صعب جداً بالكاد يمكن استخراج مائة من كل تلك الألف يتحقق فيها هذا الشرط، وعندئذ فسيكون الواجب في هذه المائة هو غنمة واحدة يمكن أخذها من المالك كزكاة لغنمه! وفي الحقيقة يكون المالك قد أدى غنمة واحدة زكاةً على ألف رأس الشياه التي يملكها!! ولكن هذه الشاة الواحدة [التي لا تشكل شيئاً بالنسبة لثروة المالك] تحرم على الفقراء من بني هاشم لأنها تُعتبر «أوساخ أيدي الناس»!!

أو مثال آخر أن يكون لرجل غني مئة مثقال [دينار] من الذهب أو أكثر:

كمية منه تكون على شكل سبيكة ذهب، وكمية أخرى على شكل أواني وكمية ثالثة على شكل حُلِيّ للزينة فكل هذه لن تكون فيها زكاة أبداً، فإذا اتفق لهذا الرجل الغني أن كان لديه عشرون أشرفياً [اسم عملة ذهبية مسكوكة] بقيت طوال السنة في زاوية من صندوق أو على طرف رفٍّ في الغرفة ولم يستطع أن يخرجها من شمول الزكاة لها بتلك الأعذار فإن كل ما يجب عليه أن يدفعه منها هو واحد من أربعين من قيمتها فقط أي نصف مثقال! ولكن النصف مثقال هذا الذي يمكن القول أنه يشكل واحد بالألف من ثروة هذا الرجل الغني من الذهب، بمجرد أن يؤخذ منه زكاةً لماله يصبح من «أوساخ أيدي الناس»! أي من كد يمينهم وعرق جبينهم وبالتالي فيحرم على فقراء بني هاشم أن يأخذوا منه شيئاً؟!

والأمر ذاته ينطبق على أصحاب الجِمال والأبقار والفضة المسكوكة مما لا نعرف في زمننا أحداً تشمله الزكاة منهم! وكذلك أصحاب آلاف الألوف من أرواق البنكنوت وأوراق بهادر (العملة الورقية) والشيكات والكمبيالات، فإذا اتفق أن وجب شيء من الزكاة عليهم – طبقا لفتوى علماء عصرنا – فعندئذ يكون هذا المال محرَّم على فقراء بني هاشم لأنه من «أوساخ أيدي الناس»! أي من كد يمينهم وعرق جبينهم وناتج كدحهم وتعبهم، فلا يجوز للمنتسبين إلى رسول الله أن يُرزقوا منه!!

ولكن بني هاشم هؤلاء يجوز لهم أن يرتزقوا من تعب يد كل حمال وعجوز غزالة وكد يمينهما وعرق جبينهما ولو بلغ مقداره خمس ريالات فائضة عن نفقتهما السنوية!!!

والآن لنلقِ نظرةً على الرسائل الفقهية العمليَّة التي تتضمَّن فتاوى السادة الفقهاء في زماننا لنرى كيف أنقذ آيات الله وحججه البالغة بني هاشم من الارتزاق من «أوساخ أيدي الناس»! إذْ أوجبوا في رسائلهم الفقهية العملية الخمس على جميع أنواع الأرباح الناتجة من التجارات والزراعات والصناعات وجميع أنوع المكاسب وجعلوا لنبي هاشم (الذين يسمون اصطلاحاً بالسادة) الحق بالارتزاق منها، إضافةً إلى السادة الفقهاء أنفسهم الذين لهم سهم أكثر من هذا الخمس، فمثلاً يقول أحدهم في الصفحة 163 من رسالته العملية خلال تعداده للأموال التي يشملها الخمس:

«الخامس: ما يفضل عن مؤونة السنة له ولعياله من أرباح التجارات ومن سائر التكسبات من الصناعات والزراعات وأعمال الأجرة مهما قلَّت مثل الصيد والاحتطاب (جمع الحطب وتقطيعه وبيعه) وقطف الثمار وجلبها وبيعها وأجرة السقاية أو العمل بالأجرة حتى بالعبودية (الرق) وتعليم الأطفال وقطف الأعشاب أو علف الصحراء وجمع العسل من الجبال والعمل كأجير وعامل أو ساعي بريد وأخذ الأجرة أو الجعالة على العمل ونحو ذلك...»(119).

وكرَّر آية الله آخر في (ص95) عين تلك العبارات في رسالته!

وذكر آية الله مرحوم آخر (ص55) عين هذه العبارات في رسالته وأضاف إليها الكسب الناتج من العمل بالبناء والوساطة العقارية والخياطة والغزل والطحن وغسل الألبسة والحمل وصناعة الأحذية أو إصلاحها أو بيعها وحتى بيع الألبسة الداخلية...

وكرَّر آية الله آخر كان له مرجعية عامة وتامة في عصرنا في (ص 148) في رسالته العبارة المذكورة أعلاه، كما فعل المرجع الأعظم في عصرنا في (ص385) من رسالته حيث نقل العبارة ذاتها بشيء من التقديم والتأخير لجُمَلها، وهكذا فعل سائر آيات الله العظام!! كلهم يكرر نص الفتوى ذاتها وكأنها آية محكمة من آيات القرآن المجيد لا بد من تكرارها دون أي تصرف أو تحريف فيها!!

فكما تلاحظون، إذا كسب ذلك العامل المسكين الذي يعمل حمالاً أو كناساً أو تلك المرأة المسكينة التي تعمل بالغزل أو غسل الملابس أو ذلك الأجير أو العامل الذي يعمل ويعرق من الصباح حتى المساء، خمسَ ريالاتٍ، وجب عليه أداء خُمُسها إلى بني هاشم والمنتسبين في نسبهم إلى رسول الله كي يعيشوا منها.

أليست هذا المال أوساخ أيدي الناس!! ألم يأتِ نتيجة كد يمينهم وعرق جبينهم؟! فكيف أصبح حلالاً زلالاً على بني هاشم كحليب أمهم؟!!!

أما نسبة واحد من أربعين من أصل ألف أو واحد بالألف من أصل مئات الآلاف من أموال ذلك الرجل الغنيّ فإنها تعتبر مالاً حراماً على بني هاشم لأنها من «أوساخ أيدي الناس»، وناتجة عن عرق جبين ذلك الغني وكد يمينه!!

هذا ما قلت أنه من أعجب العجب التي يصاب كل من يسمعها بالدهشة ولا ينقضي منه العجب!! وإذا سألنا أحدهم فقلنا:

أولاً: ما الدليل على أن تلك الزكاة التي تقولون بها هي من «أوساخ أيدي الناس» أمّا هذا الخمس الذي تقولون به ليس من «أوساخ أيدي الناس»؟! هذا والحال أنه مهما كان الإنسان بارعاً في تسخير عقول الناس فإنه لا يمكنه أن يسخِّر عقل الناس وفهمهم إلى هذا الحدّ بأن يقنعهم بأن تلك الزكاة بكل تلك الشروط والقيود من «أوساخ أيدي الناس» أما هذا الخمس الذي يؤخذ من كل عامل وحمَّال وأجير وغزَّال وكنَّاس وغسَّال للألبسة فإنه ليس من «أوساخ أيدي الناس»!؟

ثانياً: بأي دليل تم استبدال تلك الزكاة بذلك الخمس؟ هذا في حين أنّه في ذلك الحديث المرسل الذي جاءت فيه عبارة «أَوْسَاخِ أَيْدِي النَّاسِ»، أي حديث الكافي(120) عن عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا – الذي لا نعلم من هو؟ – والذي جاء فيه: «الخُمُسُ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ مِنَ الْغَنَائِمِ وَالْغَوْصِ وَمِنَ الْكُنُوزِ وَمِنَ المَعَادِنِ وَالمَلَّاحَةِ...»، جاء في هذا الحديث ذاته، رغم أن عباراته ناقصة ومضطربة، قول الإمام بصراحة: «وَ يُقْسَمُ الْأَرْبَعَةُ الْأَخْمَاسِ بَيْنَ مَنْ قَاتَلَ عَلَيْهِ وَوَلِيَ ذَلِكَ وَيُقْسَمُ بَيْنَهُمُ الخُمُسُ عَلَى سِتَّةِ أَسْهُمٍ...». ثم بعد أن يبين أن خمس غنائم الحرب هذا يُقَسَّم إلى سِتَّةِ أَسْهُمٍ‏: ويختصُّ ثلاثةُ أسهم منها بِاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَأَبْنَاءِ السَّبِيلِ من بني هاشم فقط، يقول: «عِوَضاً لَـهُمْ مِنْ صَدَقَاتِ النَّاسِ تَنْزِيهاً مِنَ اللهِ لَـهُمْ لِقَرَابَتِهِمْ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَكَرَامَةً مِنَ اللهِ لَـهُمْ عَنْ أَوْسَاخِ النَّاسِ فَجَعَلَ لَـهُمْ خَاصَّةً مِنْ عِنْدِهِ مَا يُغْنِيهِمْ بِهِ عَنْ أَنْ يُصَيِّرَهُمْ فِي مَوْضِعِ الذُّلِّ وَالمَسْكَنَةِ..».

فحتَّى لو كان هذا الحديث صحيحاً وكان القرآن المجيدُ يصدِّقُهُ (وهو فاقد لهذا الشرط في الواقع) مع ذلك لا يمكن أبداً أن يُسْتَنْبَط منه مثل هذا الحكم الموجب لأداء الخمس من أجرة كل عامل بما في ذلك العامل العادي والزبَّال (الكنَّاس) والعتَّال (الحمَّال) وغزَّال الخيوط (على الدولاب) وغسَّال الألبسة، وإعطائه للسادة من بني هاشم، بل ما يُسْتنبط بوضوح من نص الحديث وصريح عبارته أن هذا الخمس هو خمس غنائم الحرب كما تفيده جملة: (بَيْنَ مَنْ قَاتَلَ عَلَيْهِ)، فما علاقة ذلك بخمس كد يمن وعرق جبين الحمالين والكناسين وعمال البناء والخياطين والغزالين وغسالي الألبسة؟؟!. لو كان لوجوب أداء خمس أرباح المكاسب حقيقة لكان مختصَّاً بالإمام الذي هو رئيس البلاد، وإذا كان المراد منه الإمام المعصوم من الأئمة الإثني عشر، فقد جاء عن أولئك السادة الكرام عليهم السلام في أكثر من عشرين حديثاً أنهم وهبوا سهمهم هذا من الخمس إلى شيعتهم، وهذا ما سنبحثه لاحقاً إن شاء الله في فصل خاص، أمّا الواقع فإن القضية سالبة بانتفاء الموضوع.

قطعاً ويقيناً ليس لديهم إجابة على سؤالنا هذا، ولو كان لديهم حجة أو برهان فليأتوا به، فإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا الله.

أما لو تم الاكتفاء في مسألة الخمس بالغنائم الحربية (كما هي حقيقة الأمر فعلاً) لأمكن قبول موضوع هذا الخمس بكل سهولة، إذ يُقال عندئذٍ إنه لما كانت الزكاة ناتجة عن تعب وكدّ المسلمين ولم يُرِدْ النبي صلى الله عليه وآله وسلم - اتباعاً لأمر ربه الذي علمه فقال: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا.. ﴾ [الأنعام/90] – لأسرته وأهل بيته أن يستفيدوا منها ويأكلوا منها، لذا حرمها على نفسه وعلى آله أو جعلها مكروهة، هذا بعكس الغنائم الحربية التي هي من أموال الكفار وقد وقعت بأيدي المسلمين وأصبحت بلا مالك، ولم تأتِ نتيجة عمل المسلمين وكد يمينهم بل هي كما يُقال: مال ساقه الله إلى المسلمين من فضله، لذا أجاز النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخذ سهم منه لنفسه وأهل بيته. أما ماذا نقول بشأن ذلك الخمس العجيب الذي يقول به فقهاؤنا؟!!

 

الهوامش:

(97) المجلسي، بحار الأنوار، ج 29/ص 202، من الطبعة الجديدة. (المترجِم)

(98) المجلسي، بحار الأنوار، ج 29/ ص 229، من الطبعة الجديدة. ويشبهه ما روي من طرق أهل السنة عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضمن حديثٍ: «وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» رواه الترمذي (2682) وأبو داود (3641)في سننهما.(المترجِم)

(99) أو ج 31/ص 47 – 49 من الطبعة الجديدة للبحار. (المترجِم)

(100) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، 3/109، وابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج2/ص503. (المترجِم)

(101) الكُلَيْنِيّ في «الكافي»، 1/539-540. (المترجِم)

(102) وانظر الطبري، تاريخ الأمم والملوك، 3/109-110. وابن الأثير، الكامل في التاريخ، حوادث سنة خمس عشرة للهجرة. (المترجِم)

(103) من ذلك الأثر الذي رواه ابن أبي شيبة في «المصنف في الأحاديث والآثار» (6/454) بسنده: «عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عْن أَبِيهِ قَالَ سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: لَئِنْ بَقِيتُ إلَى قَابِلٍ لأُلْحِقَنَّ أُخْرَى النَّاسِ بِأُولاَهُمْ وَلأَجْعَلَنهُمْ بَيَانًا وَاحِدًا.». وذكره الأستاذ «أكرم بن ضياء العمري» في كتابه «عصر الخلافة الراشدة» (1/236) وعزاه أيضاً إلى ابن زنجويه في «الأموال» (2/576) ثم قال: والأثر صحيح. ومنه ما ذكره الطبري في تاريخه وابن الأثير في «الكامل» بعد بيانهما للأسهم التي قررها عمر (رض) للصحابة حسب منزلتهم وسوابقهم، بعد وضع الديوان، فقالا: «قال عمر قبل موته: لقد هممت أن أجعل العطاء أربعة آلاف أربعة آلاف .. فمات قبل أن يفعل». تاريخ الأمم والملوك للطبري، ج3/ص110، والكامل في التاريخ لابن الأثير، حوادث سنة 15هـ.(المترجِم)

(104) الحِمْيَرِيّ: هو أبو العباس عبدُ الله بن جعفر بن الحُسيْن الحِمْيَرِيّ القُمِّيّ، من أصحاب الإمام الحسن العسكري - عليه السلام - ومن الفقهاء وشيوخ الرواية لدى الشيعة الإمامية في القرن الثالث الهجري، كانت له مكاتبات مع الإمامين الهادي والعسكري، وكان يتمتع بشخصية رفيعة بين علماء الشيعة وفقهائهم الكبار، فأطراه الصدوق فى مشيخة «من لا يحضره الفقيه» والنجاشي في «الرجال» ووصفاه بالفقاهة والوثاقة بين الرواة في مدينة قم، ويُعَدُّ من أساتذة الكليني إذْ اعتمد عليه كثيراً في «الكافي»، كما اعتمد سائر محدثي الشيعة على مرويَّاته كالصدوق في «الفقيه» و«الخصال»، وكالطوسي في «التهذيب» والطبرسي في «مكارم الأخلاق». لم يُعرف تاريخ ولادته ووفاته والمعروف أنه دخل الكوفة وحدّث علماءها حوالي270هـ. (المترجِم).

(105) الحر العاملي، «وسائل الشيعة»، ح(22369)، ج 17/ص 217. (المترجِم).

(106) الحر العاملي، «وسائل الشيعة»، ح(22368)، ج 17/ص 216-217. (المترجِم).

(107) قطب الدين الراوندي صاحب كتاب «الخرائج والجرائح»، من علماء الشيعة الإمامية في القرن السادس الهجري، توفي في قم سنة (573 هـ). وجميع الأخبار والروايات التي يذكرها الراوندي في كتابه الخرائج مرسلة ومقطوعة السند لأنه يرويها عن رواة من القرن الثالث دون بيان طريقه إليهم. (المترجِم).

(108) المجلسي، بحار الأنوار، ج 46/ص 28-29. (المترجِم).

(109)المجلسي، بحار الأنوار، ج 46/ص 95. (المترجِم).

(110) وهو في ج13/ ص 173-174، ح (15022) من الطبعة الجديدة لمستدرك الوسائل. (المترجِم).

(111) ونقله المجلسي في «بحار الأنوار»، ج48/ ص124-125، والنوري الطبرسي في مستدرك الوسائل: ج13/ 177-178. (المترجِم).

(112) اسم الكتاب الكامل: «مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة حوادث الزمان»، ومؤلفه هو: الشيخ العلامة علم العلماء وقدوة العرفاء أبو محمد عبد الله بن أسعد بن علي نزيل الحرمين الشريفين اليمني المعروف باليافعي (768 هـ)، وكتابه «مرآة الجنان» كتاب في التراجم على حسب السنين، بدأ فيه اليافعي بوفيات السنة الأولى للهجرة، وانتهى بسنة 750هـ مقيداً أهم الحوادث التي وقعت طوال هذا التاريخ، وأكثر فيه من الرجوع إلى تاريخ الذهبي ووفيات الأعيان لابن خلكان، وطبقات فقهاء اليمن لابن سمرة الجنَدي، والأغاني لأبي الفرج، والمقتبس لابن المرزباني، والشعر والشعراء لابن قتيبة. (المترجِم).

(113) الرواية نقلها النوري الطبرسي في «مستدرك الوسائل» ج 13/ص178- 179، ح (15033).

(114) مستدرك‏ الوسائل، ج 13/ص 179، ح (15034). (المترجِم)

(115) مستدرك‏ الوسائل، ج 13/ص 180، ح (15035). (المترجِم)

(116) المسعودي في «مروج الذهب»، 4/108، وابن خلكان (681هـ) في «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان»، ج3/272-273 (طبع بيروت، دار الثقافة)، والصفدي (764هـ) في «الوافي بالوفيات»، ج22/ص49 (طبع بيروت: دار الثقافة، 1420هـ)، وانظر المجلسيُّ في «بحار الأنوار»، (ج50/ص211-212)، ومحسن الأمين في «أعيان الشيعة»، ج2/ص 38. (المترجِم).

(117) وقد ذكر المسعودي في مروج الذهب، في ترجمته للحجاج، هذا التزويج – دون ذكر المهر-، وعبارته فيه: «وقد كان الحجَّاج تزوَّج إلى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب حين أمْلَقَ عبدُ الله وافتقر، وقد ذكرنا في كتابنا أخبار الزمان الخبر في ذلك وتهنئة ابن القَرِّية الحجَّاج بذلك». (المترجِم).

(118) الحر العاملي، «وسائل الشيعة»، ح(11997)، ج 9/ص 270. (المترجِم).

(119) حاولت أن أجد مثل هذا النص بالعربية في عديد من الرسائل العملية للمراجع المشهورين في العقود الماضية فلم أجد عين تلك العبارات، ولعل أقرب ما وجدته لها هو ما جاء في كتاب «العروة الوثقى» لآية الله السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (1337هـ) (ج2/ المسألة 49) من قوله: «ما يفضل عن مؤونة سنته ومؤونة عياله من أرباح التجارات ومن سائر التكسبات من الصناعات والزراعات والإجارات حتى الخياطة والكتابة والنجارة والصيد وحيازة المباحات وأجرة العبادات الاستيجارية من الحج والصوم والصلاة والزيارات وتعليم الأطفال وغير ذلك من الأعمال التي لها أجرة، بل الأحوط ثبوته في مطلق الفائدة وإن لم تحصل بالاكتساب كالهبة والهدية والجائزة والمال الموصى به ونحوها، بل لا يخلو عن قوة..». (المترجِم)

(120) الكليني، أصول الكافي، ج1/ ص 539 – 540، ح رقم 4. وأيضاً الشيخ الطوسي، «تهذيب الأحكام»، ج4/ ص 128 – 129. (المترجِم).