جميع أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو معظمهم كانوا يأخذون معاشهم ويرتزقون من بيت المال الذي كان من مصادره الزكاة

سنبحث في هذا الفصل نوعين من أخذ الزكاة من قبل الأئمة (الإثني عشر):

الأول: أن حضـرات الأئمة عليهم السلام كانوا أنفسهم يأخذون الزكاة مباشرةً من المعطين لها.

الثاني: أنهم كانوا يقبلون الجوائز والهدايا والعطايا من خلفاء وسلاطين زمانهم.

أما الأخبار حول القسم الأول: فقد روى الشيخ الصدوق في «من لا يحضره الفقيه» والشيخ الطوسي في «التهذيب» قالا: «وَ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ قَالَ بَعَثْتُ إِلَى الرِّضَا (ع) بِدَنَانِيرَ مِنْ قِبَلِ بَعْضِ أَهْلِي وَكَتَبْتُ إِلَيْهِ أُخْبِرُهُ أَنَّ فِيهَا زَكَاةً خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ وَالْبَاقِيَ صِلَةٌ فَكَتَبَ (ع) بِخَطِّهِ قَبَضْتُ وَبَعَثْتُ إِلَيْهِ بِدَنَانِيرَ لِي وَلِغَيْرِي وَكَتَبْتُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مِنْ فِطْرَةِ الْعِيَالِ فَكَتَبَ (ع) بِخَطِّهِ قَبَضْتُ » (93).

وقد روى الكُلَيْنِيّ في «الكافي» هذا الحديث عن «مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ» وذكر إضافة إلى كلمة قبضتُ، كلمة «قبلتُ»(94)، مما يدل على أن الإمام اعتبر المال حقه الخاص لأن كلمة «قبلتُ» تدل على قبول الحقّ.

والخبر الثاني رواه أيضاً الكُلَيْنِيّ في «الكافي»: «عَنْ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ قَالَ كَتَبْتُ إِلَى أَبِي الحَسَنِ (ع): أَنَّ قَوْماً يَسْأَلُونِّي عَنِ الْفِطْرَةِ وَيَسْأَلُونِّي أَنْ يَحْمِلُوا قِيمَتَهَا إِلَيْكَ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ هَذَا الرَّجُلُ عَامَ أَوَّلٍ وَسَأَلَنِي أَنْ أَسْأَلَكَ فَنَسِيتُ ذَلِكَ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ الْعَامَ عَنْ كُلِّ رَأْسٍ مِنْ عِيَالِهِ بِدِرْهَمٍ عَنْ قِيمَةِ تِسْعَةِ أَرْطَالِ تَمْرٍ بِدِرْهَمٍ فَرَأْيُكَ جَعَلَنِيَ اللهُ فِدَاكَ فِي ذَلِكَ؟؟ فَكَتَبَ (ع): الْفِطْرَةُ قَدْ كَثُرَ السُّؤَالُ عَنْهَا وَأَنَا أَكْرَهُ كُلَّ مَا أَدَّى إِلَى الشُّهْرَةِ فَاقْطَعُوا ذِكْرَ ذَلِكَ فَاقْبِضْ مِمَّنْ دَفَعَ لَهَا وَأَمْسِكْ عَمَّنْ لَمْ يَدْفَعْ » (95).

وثمة أحاديث أخرى أيضاً في هذا الباب لا مجال الآن للإطالة بذكرها. ونحن نحمل أخذ الإمام أي الحاكم السياسي والديني في الإسلام لمال زكاة الفطرة ومال الزكاة، على أنه يريد توزيعها على المستحقين لها الذين يعرفهم، كما يُستفاد من الحديث الذي رواه الشيخ الطوسي في «التهذيب»:

«عَنِ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) قَالَ كَانَ جَدِّي (ع‏) يُعْطِي فِطْرَتَهُ الضُّعَفَاءَ وَمَنْ لَا يَجِدُ وَمَنْ لَا يَتَوَلَّى قَالَ وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (ع) هِيَ لِأَهْلِهَا إِلَّا أَنْ لَا تَجِدَهُمْ فَإِنْ لَمْ تَجِدْهُمْ فَلِمَنْ لَا يَنْصِبُ وَلَا تَنْقُلْ مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ وَقَالَ: الْإِمَامُ أَعْلَمُ يَضَعُهَا حَيْثُ يَشَاءُ وَيَصْنَعُ فِيهَا مَا يَرَى » (96).

هذا على الرغم أنه ليس لدينا دليل من الأخبار حول تقسيم الإمام بنفسه لتلك الأموال على مستحقيها.

 

الهوامش:

(93) الشيخ الصدوق، «من لا يحضره‏ الفقيه»، ج 2/ص 38. وهو في «تهذيب الأحكام» (ج4/ص60-61) وفي «الاستبصار» للشيخ الطوسي أيضاً. (المترجِم)

(94) الكُلَيْنِيّ في «الكافي»، ج 4/ص 174، ونص الحديث: «22- مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ بُنَانِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ قَالَ بَعَثْتُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (ع) بِدَرَاهِمَ لِي وَلِغَيْرِي وَكَتَبْتُ إِلَيْهِ أُخْبِرُهُ أَنَّهَا مِنْ فِطْرَةِ الْعِيَالِ فَكَتَبَ بِخَطِّهِ قَبَضْتُ وَقَبِلْتُ». (المترجِم)

(95) الشيخ الطوسي، «تهذيب‏الأحكام»، ج 4/ص 91، والحر العاملي، «وسائل ‏الشيعة»، ج9/ص346. (المترجِم)

(96) الشيخ الطوسي، تهذيب‏ الأحكام، ج 4/ص 88- 89. (المترجِم)