بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

الإسْلام والرَّجْعَة

 

 

ألفه (بالفارسية) الأستاذ الشيخ:

عبد الوهاب فريد تُنْكَابُني

تلميذ المصلح الشهير آية الله محمد حسن شريعت سنغلجي (1943م)

 

 

 

 

ترجمه إلى العربية وقدَّم له وعلَّق حواشيه

سعد محمود رستم


 

 

 

 

 

 

 

P


 

مقـدمة المترجـم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدُ لله وكفى، وسلامٌ على عبادِهِ الذين اصطفى، لا سيما خاتم أنبيائه وأشرف رسله محمدٍ الهادي المجتبى وآله أعلام التُّقى ومصابيح الهُدَى وصَحْبِهِ أهل الهجرة والنصرة والوفا، وَمَنْ بِنَهْجِهِم اهْتَدَى وَلِطَرِيقِهِم اقْتَفَى، وبعد،

فلقد شهد القرن الميلادي العشرين منذ بداياته (أوائل القرن الهجري الرابع عشر) ظهور عدد من المصلحين المجدِّدين بين علماء الشيعة الإمامية الاثني عشرية في إيران دعوا إلى النقد الذاتي وإعادة النظر في العقائد والممارسات الشيعية الموروثة، ونبذ البدع الطارئة والخرافات الدخيلة، وإصلاح مذهب العترة النبوية بإزالة ما تراكم فوق وجهه الناصع منذ العصور القديمة من طبقات كثيفة من غبار العقائد الغالية والأعمال الشركية والبدعية، والأحاديث الخرافية والآثار والكتب الموضوعة، والعودة به إلى نقائه الأصلي الذي يتجلى في منابع الإسلام الأصيلة: القرآن الكريم وما وافقه من الصحيح المقطوع به من السنة المحمدية الشريفة وما أيَّدهما من صحيح هدي أئمّة العترة الطاهرة وسيرتهم.

وكان إرهاصة هذا الخط التجديدي الإصلاحي وصاحب السبق فيه «آية الله الشيخ محمد حسن شريعت سنغلجي» وتلميذيه: الشيخ «عبد الوهاب فريد تنكابني» مؤلف كتابنا الحالي «الإسلام والرجعة»، والأستاذ الفاضل «الحاج يوسف شُعَار التبريزي»، وقد تأثّر بهم أو واصل دعوتهم من بعدهم مئات العلماء أو المراجع أو الأساتذة الفضلاء من الشيعة في إيران وانتهجوا نهجهم بِصُوَرٍ مختلفة ودرجات متفاوتة، منهم - على سبيل المثال لا الحصر -: السيد أسد الله خرقاني والمرجع المجاهد آية الله الشيخ محمد مهدي الخالصي، والدكتور المناضل علي شريعتي.. وصولاً إلى آية الله السيد أبو الفضل بن الرضا البرقعي والأستاذ حيدر علي قلمداران القُمِّيّ والشيخ إسماعيل آل إسحاق الخوئيني وآية الله السيد محمد جواد الموسوي الغروي الأصفهاني وآية الله الدكتور محمد الصادقي الطهراني والعلامة السيد مصطفى حسيني الطباطبائي ومؤخّراً الأستاذ أحمد الكاتب و... الخ.

وقد أطلق بعض المعاصرين(1) على هذا التيار الإصلاحي التجديدي اسم «القرآنيون الشيعة» لأن أصحابه أحسّوا بشيء من تغييب النص القرآني في الثقافة الشيعية لصالح الروايات والأخبار، لذا عملوا - من جهة - على ترسيخ المرجعية القرآنية، ولاسيما فكرة إمكان فهم النص القرآني بلا حاجة للحديث، كما عملوا - من جهة أخرى - على نقد التراث الروائي الشيعي بل على التشكيك بمكانة معظم الأخبار والأحاديث من الأساس، بنقد مصادرها، وإثبات ركاكتها.

وقد بدأ هذا التحوّل الجديد نحو النصّ القرآني مع آية الله الشيخ محمد حسن شريعت سنغلجي (المتوفى سنة 1943م)، الذي يمكن تسميته «مؤسّس المدرسة السلفية القرآنية الشيعية الحديثة».

تتلمذ الشيخ «شريعت سنغلجي» على علماء إيران من أمثال الشهيد فضل الله النوري، والشيخ النبي النوري، والميرزا الكرمنشاهي، الذي درس الفلسفة عنده، والميرزا هاشم الأشكوري الذي درس عنده العرفان، ثم سافر إلى العراق، ودرس عند المحقق آغا ضياء الدين العراقي، والسيد أبي الحسن الأصفهاني. وتأثّر «شريعت سنغلجي» بمدرسة الشيخ هادي نجم آبادي في طهران، ثم عكف على تدريس القرآن في المدينة نفسها، وأسّس داراً عرفت بدار التبليغ، إلاّ أنّه ووجه بالرفض من جانب المؤسسة الدينية الرسمية، حتّى عرّض به الإمام الخميني في كتابه كشف الأسرار(2)، ويقول سنغلجي أنّه قد مورست عليه ضغوط كثيرة، وأنه قد جرت محاولتان لاغتياله، بيد أنهما باءتا بالفشل(3).

ألّف سنغلجي كتباً عديدة من أهمها كتابه «توحيد عبادت» أي (توحيد العبادة) الذي نقد فيه كثيراً من العقائد والممارسات التي أصبحت رائجة بين عوام الشيعة الإمامية عند مراقد أئمة أهل البيت وذراريهم من تعظيمٍ للقبور وغلوٍّ بالأئمة وطوافٍ حول الأضرحة المنتشرة في كل حدب وصوب ونَذْرٍ لها واستغاثةٍ بأصحابها مما عتبره أعمالاً شركية تتناقض مع توحيد العبادة الذي هو أساس الإسلام، مما جعله يحسب على التيار المناصر للحركة الوهابيّة في إيران آنذاك، بيد أنّ أهمّ كتاب تركه الشيخ «شريعت سنغلجي» يكشف عن منهجه الإصلاحي كان كتاب «كليد فهم قرآن» أي (مفتاح فهم القرآن)، فقد رأى سنغلجي في كتابه هذا أن المسلمين هجروا القرآن، فكان نصيبهم الفشل والخسران، وأن الحّل الوحيد يكمن في الرجوع إلى الكتاب الكريم. إلاّ أنّ السؤال كيف يمكن فهم القرآن؟ هذا ما يجيب عنه «شريعت سنغلجي» بأخذ الدين عن السلف لا الخلف، أولئك - أي الخلف - الذين جاؤوا مع الفلسفة والتصوّف والاعتزال(4). ولكي يؤسّس لمرجعية القرآن ودور السنّة الشريفة طرح في كتابه أفكاراً أساسيةً هامَّةً حول القرآن الكريم منها أن النص القرآني غير محرّف، ويذكر سنغلجي أدلّته على ذلك، وأن القرآن قابل للفهم، لا يحتاج لغيره، وأن القرآن مستوعب لتمام قضايا الدين الأساسية، دون أن يعني ذلك التخلي عن السنة النبوية بل ينتقد سنغلجي تلك الحركة التي حاولت رفض السنّة الشريفة رفضاً مطلقاً، ويرى أنّ الحاجة قائمة لها، لكن القبول بمبدأ حجية السنّة، لا يعني تدخّلها في شؤون الدين كافّة، من هنا يطرح سنغلجي تفصيلاً في دور السنّة يتمثّل، برأيه، في الحاجة إلى السنّة في مجال الشرعيات، لأنّها تفصّل أمر الكتاب الكريم، أما العقائديات الأساسية التي عليها مدار النجاة والهلاك فالقرآن تكفَّل ببيانها ولا حاجة - عند سنغلجي - للسنّة فيها(5).

وقد تحوّل سنغلجي إلى تيار في إيران، إذ وقع تحت تأثيره جماعة، واستمرّ تياره في النفوذ والتنامي داخل الوسط الديني في إيران حتى نهاية الخمسينات من القرن العشرين حين طغت عليه الأحداث السياسية للثورة الإيرانية، فغاب عن الواجهة حتى اليوم.

وكان من جملة من تأثر بالشيخ «شريعت سنغلجي» وسار على منهجه القرآني تماماً تلميذه المقرَّب الشيخ «عبد الوهاب فريد تنكابني» مؤلف كتابنا الحالي «إسلام ورجعت» الذي ردَّ فيه عقيدة «الرَّجْعَة» -التي يعتبرها معظم علماء الإمامية من العقائد الأساسية للمذهب الإمامي الاثني عشري وأن الأخبار تواترت عن الأئمة في إثباتها!- وأسَّسَ من خلال ذلك لمنهج نقدي شامل للتراث الحديثي الشيعي وما ابتنى عليه من عقائد مغالية.

«عبد الوهاب فريد تنكابني» وترسيخ الاتجاه القـرآني الجديد ونقد الروايات الشيعية:

يعلن «عبد الوهاب فريد تنكابني» في مقدمة كتابه «إسلام ورجعت»(6) أنّ الحلّ يكمن في نبذ الخرافات والأساطير وألوان التعصّب، ثم العودة إلى القرآن الكريم، تلك هي الرسالة التي أرادتها حركة سنغلجي في الأوساط الشيعية. ويفي «عبد الوهاب فريد» بدعوته للرجوع إلى القرآن، حيث نلاحظه، كما نلاحظ أكثر أنصار مدرسة القرآن الشيعية الجديدة، يعتمد كثيراً على النص القرآني، إذا نجد هذا النص حاضراً بقوّة في ثنايا المصنفات والتأليفات، مما يكشف عن جدية الدعوة ورسوخها العلمي النظري معاً عند أصحابها.

وإذا كان «شريعت سنغلجي» قد ركّز - بوصفه المؤسّس - مفهوم مرجعية القرآن، فإنّ «عبد الوهاب فريد» ساهم في تلك الحقبة في نقد التراث الحديثي والروائي الشيعي لصالح المرجعية القرآنية عينها، إذ فتح موضوع «وَضْع الحديث»، ذلك الموضوع الهامّ الذي لم تعرفه -بهذا الشكل- الثقافة الشيعية، رغم كثرة الأحاديث والأخبار الموضوعة في تراثها.

عالج «عبد الوهاب فريد» ظاهرة «وضع الحديث» وأسبابها وتطبيقاتها في دنيا الحديث والمحدّثين بشكل مفصَّل، وذكر سبعة أسباب لوضع الحديث هي: (1) الخلاف السياسي: وهنا يذكر «عبد الوهاب فريد» -فيما يذكر- الأثر السيّئ الذي تركته فرق غلاة الشيعة كالسبئية والخطابية والكيسانية وغيرها في التراث الروائي الشيعي (2) التعصّب والانحياز القومي، والمذهبي، والمناطقي: وهنا تظهر روايات العرب، والعجم، وخواص البلاد والمدن و.... (3) اختلاط المسلمين بالأجانب ودخول الفلسفة اليونانية والشرقية إلى الثقافة الإسلامية: وهنا يذكر «عبد الوهاب فريد» جملة أمثلة هي: أحاديث تفسير قصص القرآن، وأسرار الخلق والكون، وأحاديث التناسخ، وأحاديث تحريف القرآن، وروايات كيفية المعراج، وأخبار الرجعة، وروايات التجسيم والتشبيه و.... (4) ظهور فرقة الزنادقة وهدفها في تخريب الإسلام. (5) التقرّب للخلفاء، ونيل المكانة الاجتماعية. (6) الارتزاق وكسب الأموال. (7) ترغيب وترهيب جماعات الزهد والتصوّف.

ثم انتقل «عبد الوهاب فريد» إلى بيان معايير كشف الحديث الموضوع، فذكر ستة معايير، هي ذاتها المعايير التي قرَّرها علماء أهل السنة لمعرفة الحديث الموضوع وهي:

1- ركاكة التعبير أو المعنى. 2- مخالفة العقل. 3- مخالفة القرآن، ويعتبره مهماً جداً. 4- مخالفة السنّة المتواترة أو الإجماع القطعي. 5- ما تكثر الدواعي إلى نقله ولم ينقله سوى عدد محدود. 6- ترتيب الخبر ثواباً عظيماً أو عقاباً أليماً على أمرٍ بسيط جداً. ويخلص «عبد الوهاب فريد» إلى استحالة وجود حديث متواتر في غير ضروريات الدين.

والحاصل أن هذا الكتاب يمثِّل في الواقع الخطوة الأقدم للإصلاحيين الشيعة في نقد التراث الحديثي الشيعي، بعد تأسيس سنغلجي لمشروع ترسيخ المرجعية القرآنية والعودة المجدَّدة إلى القرآن الكريم في الأوساط الشيعية وجعل القرآن الكريم المعيار الأساسي والأول لقبول أو رفض كل الموروث الروائي والعقائدي الشيعي.

وقد عانيت خلال ترجمتي لهذا الكتاب من موضوع اقتباسات مؤلفه من بعض الكتب العربية القديمة التي كانت في عصره ولم تعد متوفرة اليوم، مثل كتاب «الوحي المحمدي» للسيد محمد رشيد رضا، وكتاب «تاريخ التمدن الإسلامي» لجرجي زيدان، و«دائرة معارف القرن العشرين» لفريد وجدي..الخ، لعدم جواز ترجمة هذه الاقتباسات بلغتي بل ضرورة العودة إلى الكتب الأصلية لنقل العبارات المقتبسة بألفاظها، مما اضطرني إلى الرجوع إلى المكتبات العامة بحثاً عنها وقد ظفرت بها جميعاً وَلِـلَّهِ الحمد، سوى المرجع الرجالي الذي رجع إليه المؤلف كثيراً بل كان مرجعه الوحيد في تراجم رواة أحاديث الإمامية وهو كتاب «تنقيح المقال في علم الرجال» لآية الله عبد الله المامقاني (1350هـ) فلم أظفر به، ولكنني حللت المشكلة بالرجوع إلى المراجع الرجالية الأقدم التي نقل عنها المامقاني ذاته كرجال النجاشي واختيار معرفة الرجال للكشي ورجال ابن الغضائري وخلاصة الأقوال للعلامة الحلي.. الخ، فنقلت العبارات منها، ومع ذلك اضطررت أحياناً إلى أن أترجم اقتباس المؤلف من كتاب المامقاني ترجمةً حرفيةً بلغتي لأني لم أجد عين عباراته في الكتب الرجالية الأقدم، فأرجو القارئ الكريم الانتباه إلى هذا الأمر، ولكي أكون دقيقاً ذكرت في الحاشية في مثل هذه الموارد (انظر المامقاني، تنقيح المقال) بدلاً من (الممامقاني، تنقيح المقال) إشارةً إلى أن النقل من المصدر هو بألفاظي أي بالمعنى وليس بعين ألفاظ المصدر.

وهنا أشير إلى أن الأصل في حواشي الكتاب أنها جميعاً للمؤلف نفسه، أما الحواشي والتعليقات التي علَّقتُها من عندي فميَّزتُها عن حواشي المؤلف بكلمة (المترجم) آخرَها.

هذا ما أردت ذكره في هذه المقدمة آملا أن ينفع الله تعالى بهذا الكتاب ويوقظ به أذهان المؤمنين المنصفين إلى مدى الحاجة إلى تنقية التراث الحديثي لاسيما الشيعي وإعادة النظر في كل ما انبنى عليه من عقائد وتصورات والعودة إلى القرآن الكريم، والحمد لله رب العالمين.

 

المترجم سعد رستم

 

+                     +                    +


 

افتتاحية

﴿ بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ ﴾

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا * قَيِّمًا لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا ﴾ [الكهف:1-3].

﴿ رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾ [آل عمران:8] ﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ ﴾ [آل عمران:193] ﴿ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴾ [آل عمران:53] ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴾ [آل عمران:9]، ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴾ [آل عمران:38] ﴿ وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة:250]، ﴿ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ﴾ [الأعراف:89]، ﴿ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [التحريم:8]، ﴿ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة:286] ﴿ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾ [الممتحنة:4]، ﴿ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [البقرة:127].

+                     +                    +

 


 

ديباجة

إن الشيء الوحيد الذي أضعفَ اهتمامَ الناس بالإسلام اليوم وساقَ كثيراً من أبناء الإسلام نحو اللادينية، وفي الوقت ذاته أصبح أكبر مانع من تقدُّم الإسلام، هو الخرافات والأوهام التي اختلطت منذ أمدٍ طويلٍ بحقائق الإسلام الناصعة.

إن الإسلام الحالي، الإسلام الذي هُجِرَتْ تعاليمُه الأخلاقية والاجتماعية وسائر تشريعاته السامية الأخرى لتحلَّ محلَّها مجموعةٌ من العادات الباطلة، الإسلام الذي استفحلت فيه كل تلك الخرافات التي لا يمكن قبولها، وضربت الأساطير الباطلة جذورها في كل نواحيه، واحتجبت حقائقه العظيمة خلف آلافٍ من حُجُب الأوهام، والخلاصة الإسلام الذي فقد صورته الجميلة الأولى وأخذ حالياً هذه الصورة المنفرة! كيف يمكننا اليومَ أن ندعو الدُّنيا إليه؟!

كيف يمكننا أن نجذب أفكار الناس اليومَ إلى مثل هذا الدِّيْن؟! لا ريب أن أدمغة أبناء العصر الحاضر لم تعد مستعدة لقبول كل هذه الخرافات!

وإذا استثنينا جماعاتٍ من المسنّين الذين لا يزالون متمسِّكين بالدِّين بحكم العادة أو لعوامل أخرى، كيف يمكن للناسِ الذين تفتَّحت أعينهم وآذانهم على إثر هذه الثورات العلمية والتغيُّرات الأدبية والاجتماعية في العالم، واستيقظوا إلى حدّ ما، والمجتمع الذي فُتن بمظاهر الحضارة الغربية وأخذت الأفكار العصرية مكانها في أعماق روحه، خاصَّةً أولئك الذين لهم معرفة بالبرهان والمنطق، أن يقبلوا قبولاً أعمى بكل تلك الخرافات؟! إننا نقول بكل صراحة إن مثل هذا الدِّين الذي أصبح ممتزجاً بكل هذه الأباطيل محكومٌ عليه بالفناء والزوال في هذا العالم بأوضاعه الحالية!

ويا للأسف! إن الإسلام، ذلك القانون السماوي الأخير الذي اجتثَّ بسرعة البرق شجرة الشرك والوثنيّة وأبلغ أهل الدنيا بصوت واضح انقضاء عهد الشرك وعبادة الأصنام، ورفع لواء التوحيد فوق أنقاض معابد الأوثان الكبرى في الدنيا، انظروا اليوم كيف ظهرت في عالمه مظاهرُ الوثنية ذاتها بأشكال متنوعة جديدة، وكيف تمكنت شجرة الشرك الكبيرة أن تتمدد من جديد في محيط التوحيد وكيف تراخت أمة الإسلام المسكينة وركنت في ظل هذه الشجرة الخبيثة!

ذلك الإسلام الذي جعلت شريعته المقدَّسة العلمَ والعملَ عموديها الأساسيين ودَعَتْ جميعَ أفراد البشر إلى إعمال عقولهم والتفكير وإلى السعي والمجاهدة، انظروا كيف أظلَّت عالمه اليوم ظلمة الجهل وكيف غرق أتباعه في الكسل والتخلف!

ذلك الدِّينُ الذي جعل هدفه تهذيب النفوس وغايته الأساسية تتميم مكارم أخلاق البشر، انظروا اليوم كيف سقط أتباعه بسبب فساد أخلاقهم في مستنقع الهلاك والشقاء وحلَّتْ بهم الغفلة والضلالة!

ذلك الدِّينُ الذي قامت تعاليمه الاجتماعية العظيمة على نواميس العدالة والأخوّة والتعاون، انظروا اليومَ كيف يتعدَّى أتباعه ويتطاولون على بعضهم البعض وكيف صار النفاق والتلّون بوجهين لهم سجية وكيف صارت الأنانية والغرور والعجب بالنفس ديدناً لهم.

وذلك النبيُّ الكريم الذي بنى أساس شريعته على الوحدة والاتحاد بين أفراد الأمة والمجتمع، وحذّر بأوضح العبارات من العواقب الوخيمة للتفرُّق والتنازُع، وذكّر بشكلٍ خاصٍّ بالمخاطر والمحذورات المترتّبة على العصبيّة الجاهليّة، انظروا اليوم كيف أصبحنا نرى بأم أعيننا كيف مزَّق الجهلُ والتعصُّبُ حبال الترابط بين أبناء أمته وفرَّق أفراد مجتمعه الإسلاميّ ورَمَى كلَّ فرقةٍِ منهم في ورطة الذل والشقاء!

الإسلام الذي اجتثَّ شجرة التقليد الأعمى ونشر في الوقت ذاته ناموس التجدُّد والإحياء في العالم، لاحظوا بكل حسرة كيف رضيَ المسلمون اليومَ أن يضعوا على رقابهم بلا خجل ولا حياء نير التقليد الأعمى للأمم الأخرى، وفقدوا بذلك كل مجدهم وعظمتهم الأولى!

الإسلام الذي ألغى كل التمايزات والعناوين الموهومة بين أبناء البشر وجعل المزيَّةَ الإنسانيّةَ الوحيدةَ مزيَّةَ التقوى، انظروا كيف سادت بين أبنائه اليوم التمايزات وكيف تشبَّثَتْ كلُّ جماعةٍ من أبنائه بعناوين موهومة لتبرِّر لنفسها استغلال زحمات وكدح الآخرين بلطائف الحيل!!

والخلاصة: ذلك الإسلامُ الذي طهّر صفحة العالم من لوث جميع الخرافات وطوى صفحة الموهومات، لاحظوا بدقَّة كيف حُجِبَتْ حقائقُه النيِّرةُ اليومَ بكلِّ هذه الحُجُب المظلمة من الخرافات، وكيف ابتُلي المسلمون بوضع مخجل حين صاروا مكبَّلين بكل هذه الموهومات!!

لذلك كلِّه يجب القيام بأسرع ما يمكن بعملية فَصْلٍ شاملةٍ للخرافات عن الدِّين، ويجب القضاء بكلِّ جدِّيَّة على هذا الخطر الكبير والمرض المهلك (مرض الخرافات والموهومات) الذي يهدِّد الإسلام أي يهدِّد منبع السعادة والفلاح، بشكل كامل. يجب أن ننهض إلى محاربة هذا العدو المهلك. يجب أن نقضيَ على جرثومة الفساد هذه التي انتشرت في عروق وأوردة أفراد مجتمعنا وهي تسوقنا اليوم نحو الزوال والانعدام. يجب حرق بيت المذلة والشقاء هذا. يجب اقتلاع هذه الشجرة الخبيثة من جذورها. وبالإجمال وكيفما كان، يجب أن نطهّر دين الإسلام المقدَّس، الذي هو الوسيلة الوحيدة لتأمين السعادة والسلامة في النشأتين، من لوث جميع الخرافات، وأن نُخْرِجَ حقائق القرآن المقدّس الشامخة من دائرة الأوهام المخجلة، وفي النهاية يجب أن نتمسَّك بكل قوَّة وبمنتهى الاستقامة بحبل الله المتين القرآن الكريم، وأن نطبِّق ونعمل بشريعة الإسلام كما كان عليه الأمر في عهود رُشْد ونموّ الإسلام الأولى، وإلا فَعَلَيْنَا وعلى الإسلام السلام!.

أيها الإخوة في الإيمان، يا أمَّة الإسلام! استيقظوا من مهد غفلتكم وجهلكم الذي غفوتم به! انتبهوا قليلاً إلى أوضاع العالم الحاليَّة وإلى وضعكم التعيس الأسود، انظروا كيف أصبحتم مرمىً لسهام المبشِّرين الأجانب المسمومة! وكم من الجراحات المهلكة يوقعونها كل يوم في جسد الإسلام، وكيف يستفيدون من جهلكم فيضعِّفُون إسلامكم ومنبع عزّتكم وسعادتكم بل يسعون للقضاء عليه وإطفاء نوره!

وإذا كان الأمر كذلك، فهل يجوز أن تساعدوا أعداءكم بتشبُّثِكم بكل تلك الخرافات وبتلك الأعمال الجاهلة؟؟ تعالوا وارحموا قليلاً حالكم وحال أبناء مستقبلكم ولا تساعدوا على هدم ذاتكم! انتهوا عن هذه الأعمال الجاهلة التي حجبت الإسلام بشكل كامل وسترت حقائقه، وابتعدوا عن كل هذه الخرافات التي لا يمكن قبولها والتي دخلت إلى الدِّين فأصبح كلُّ فريقٍ يعتقد بها بشكل أعمى ويتشبَّثُ بها من كل روحه وقلبه. وفي النهاية دَعُوا الإسلام المسكين بحاله وكُفُّوا عن تشويهه! لأن الإسلام بمبانيه المتقنة وحقائقه النيِّرة إذا تخلّص من أعمالكم الجاهلة هذه وخرج من تحت حُجُبِ الخرافات والأوهام المتراكمة فوقه، فإنه لن يقاوم أشد هجمات الأجانب قوَّةً فحسب، بل من شأنه أن يبسط نفوذه وتأثيره في زمنٍ قصيرٍ على كلِّ المعمورة. وا حسرتاه! إنَّ الإسلامَ محجوبٌ بالمسلمين!

أجل، لقد شغل موضوع ضرورة محاربة الخرافات والتعريف بحقائق الإسلام الصحيحة انتباهي وأرّق فكري منذ زمن طويل، حتى جعلتُ منذ ذلك الزمن إنجازَ هذا الأمر دَيْناً وواجباً في عُنُقي، ولا زلتُ أترصَّد الفرصةَ المناسبةَ لأداء هذا الدَّيْن وإنجاز هذا العمل والقيام بهذا الواجب الهامّ، وأحمد الله أني وجدتُ شيئاً من الفراغ المساعد على هذا الأمر فقمتُ بعون الله تعالى بالسعي إلى تحقيق أمنيتي القديمة هذه بقدر الوسع.

فاليوم أقوم في هذا الكتاب «إسلام ورجعت» (الإسلام والرجعة) بالتعريف بجانب من مزايا الإسلام وحقائقه الناصعة، وخلال ذلك أبيِّن بعض المسائل الهامة الخاصَّة بالحديث، وأوضِّحُ بعضَ الأمور الدخيلة على الإسلام والتي من جملتها مسألة «الرَّجْعَة»، مستخدماً في ذلك عبارات سهلة وأسلوب ميسّر يفهمه كل قارئ أياً كان مستواه العلمي. هذا ولمّا كانت عقيدة «الرَّجْعَة» قد فتحت باب الدعاوي الباطلة للأشخاص الدجّالين، ولما كان لها تأثيرٌ في نشر العصبيَّة المذهبيَّة، خاصَّةً في بلادنا إيران، كما أنها وجَّهَت في الوقت ذاته صفعةً كبيرةً إلى أركان التشيُّع، فقد عالجتُها في هذا الكتاب أكثر من غيرها.

ورغم أن المصلح المعظَّم والعلامة المحترم الشيخ «شريعت سنغلجي»(7) نهض منذ سنوات طويلة بإيمان كامل وعزم راسخ إلى شرح حقائق الإسلام وتوضيحها، وإزالة الخرافات والأوهام، وأبْطَلَ منذ مدَّة مديدة، في مدرسته «دار التبليغ»، عقيدةَ «الرَّجْعَة» ببيانات رائعة وجميلة وأتى عليها من جذورها، إلا أنَّني لمّا لاحظتُ أن هذا المطلب لم يتَّضح بعد وأسيئ فهمه بشكل كامل بل أثّر على جماعات تأثيراً سلبياً، خلافاً لما كان متوقعاً، إذْ جعل تلك العقيدة ترسخ فيهم أكثر من قبل!، ومن الجهة الأخرى فإن بعض الأشخاص المهووسين الذين يصطادون في الماء العكر، والمنتسبين إلى أطراف نعلمها جميعاً قاموا بنشر هذه العقيدة (أي عقيدة الرجعة) التي كانت منذ زمن بعيد مستورةً ضمن مجموعة من الكتب القديمة التي يعلوها الغبار، وطرحوها بين جماهير العامة على أساس أنها من المباني المتقنة للإسلام ومن مقومات فرقة «الإمامية»!، وباختصار لمّا رأيت أن الإسلام قد أُلبِس هذا اللباس المخجل الذي جعل إخوتنا المصريين الأعزّاء وأبناء البلدان الإسلامية الأخرى يهاجموننا نحن «الإمامية» بسبب هذه العقيدة وبسبب مقولات «الغُلاة» الأخرى، أردتُ أن أوضح أن الإمامية براء ومنزهون من هذه المقولة ولذلك اهتممتُ بهذه العقيدة أكثر من غيرها من مقالات «الغُلاة» وصرفتُ مدة في دراستها ودراسة أطرافها بشكل عميق وخرجتُ بهذا الكتاب طبقاً لما سمح به فكري الضعيف، ووضعته أمام إخوتي في الإيمان ليطالعوه.

ورغم أنني أعلم أن مثل هذا المبحث غير مستساغ لأغلب الناس لدينا، خاصة لقصيري النظر الذين سوف يلومونني ويهاجمونني بشأنه، وأنا أعلم علم اليقين أنني سأُبْتلى بسبب هذا الطريق الذي سلكته بأشواك كثيرة وبجفاء كثير! فالكل يعلم جيداً إلى أي حدِّ أُشربت في قلوب الناس الأوهامُ والخرافاتُ وأَنِسُوا بها حتى أنهم بمجرد أن يروا شخصاً مُصْلِحاً خَيِّراً قام لإصلاح مفاسدهم، يريد أن يأخذ من أيديهم أقل الأمور من العقائد التي لا أساس لها والعادات الباطلة التي اعتادوا عليها، ترتفع أصواتهم صارخين في كل حدب وصوب واشريعتاه، وامذهباه! ولكن رغم ذلك فإني لن أخشى أحداً في بيان الحق ولن أهابَه، لأن نصيرنا هو الحق والحقيقة، ومُعتَمَدُنا هو الله القادر المتعال وحده، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

 

طهران- الخامس عشر من شهر جمادى الثاني 1300هـ

عبد الوهاب فريد

 

+                     +                    +


 

الإسلام دين الفطرة وشريعة الإنسانية

 

الإسلام دين الفطرة وشريعة الإنسانيّة، الإسلام دين العقل والفكر، الإسلام دين الوسطيّة الجامع بين حقوق الروح والجسم والحافظ لمصالح الدنيا والآخرة، الإسلام دين العلم والحكمة وشريعة البرهان والحجة، الإسلام عدو التقليد الأعمى والتعصّب الجاهل.

_____________________

 

قد أتى على البشر حينٌ من الدهر لا يعرفون من «الدين» إلا أنه تعاليم خارجةً عن محيط العقل كُلِّف البشر بها(8) مقاومةَ فطرتهم، وتعذيب أنفسهم، ومكابرة عقولهم وبصائرهم، خضوعاً للرؤساء الذين يلقِّنُونهم إيّاها، فإن انقادوا لسيطرتهم عليهم بها كانوا من الفائزين، وإن خالفوهم سراً أو جهراً كانوا من الهالكين.

حتى إذا بعث الله محمداً خاتم النبيين، يتلو عليهم آياته ويعلِّمهم الكتاب والحكمة ويزكِّيهم مما كانوا فيه من الضلال المبين - بيَّن لهم أنَّ دين الله الإسلام هو دين الفطرة، والعقل والفكر، والعلم والحكمة، والبرهان والحجة، والضمير والوجدان، والحرية والاستقلال، وأن لا سيطرة على روح الإنسان وعقله وضميره لأحد من خلق الله، وإنما رسل الله هداةٌ مرشدون، مبشِّرون ومنذرون(9). وأعلن للدنيا قوله تعالى: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ [الروم:30]، فدعا البشر إلى دين الفطرة وشريعة الإنسانية وأفهم العالم أن الإسلامَ دينُ الفطرة وشريعةُ العقل والتفكير، وأنَّه دينُ الوسطية الجامعُ لحقوق الروح والجسم والحافظ لمصالح الدنيا والآخرة، وأنَّ الإسلام قرينُ العلم والحكمة وتوأمُ البرهان والحجة، وأنَّه شريعةُ الاستقلال والحريّة، وأنَّ الإسلام عدوّ التقليد الجاهل والتعصّب الأعمى، وأنَّ الإسلام مربِّي العقول ومكمِّل قابليَّات البشر ومُطَوِّر مَلَكَات الإنسان، وباختصار أنَّ الذي يؤمِّن الطُّمَأنينة ويضمن راحة النفس ورخاءها ويكفل للبشر سعادة الدنيا والآخرة إنما هو الإسلام.

أجل الإسلام دين العقل والفكر :

إذا تدبَّرنا آيات القرآنَ الكريم بدقّة سوف نرى أن أساس دعوة الإسلام يرتكز على العقل، وأنه بدلاً من أن يقوم، مثل سائر الأديان ودعوات الدنيا، بدعوة الناس مستخدماً عوامل الإكراه والاضطرار ومتشبثاً بالترغيب والترهيب وإثارة عواطف الناس، يدعو البشرية لأجل إثبات دعاويه إلى التعقُّل والتفكُّر والنظر في كائنات السماء والأرض، ويترك الحكم في هذه القضية إلى عقولهم فيقول: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ [يونس:99-101].

خلاصـة مفاد هذه الآيات أنه لما كانت عقول البشر وأفكارهم، وفي النهاية نفوسهم مختلفةً بمقتضى سنة الله الجارية، وكانت أنظارهم في آيات الآفاق والأنفس مختلفةً عن بعضها البعض، فمن الطبيعيّ والحتميّ أن يختلفوا أيضاً حول الإيمان والكفر(10). فالوصول إلى حقيقة دين الإسلام والإيمان رهينٌ بالعقل وبالتفكّر، ونتيجةٌ للنظر في آيات عالم الوجود؛ فالذين يُحَرِّرُونَ عقولَهم من تأثير العوامل الخارجية، وينتبهون بتفكيرٍ متجرِّدٍ حُرٍّ مستقلٍّ إلى كائنات السموات والأرض وعجائب عالم الكون، وتساعدهم أيضاً مَلَكَاتُهُم الفطرية إلى حدٍّ ما، سيصلون بالتأكيد إلى حقيقة الدِّين ويدركون المبدأ والمعاد والأخلاق التي تشكّل أساس الدِّين وعماده.

أمّا الذين تبقى عقولهم أسيرةً لتقليد عادات آبائهم واعتقادات أقرانهم، ويظلُّون قابعين بشكل كامل تحت تأثير بيئتهم والعوامل الأخرى المحيطة بهم، فإنّهم يفقدون استقلال الفكر، وكذلك الأشخاص الذين هم في الأساس قليلو العقل وضعيفو الأهلية والكفاءة(11)، وباختصار الذين لا يملكون من القدرة الفطرية ما يُمَكِّنُهُم من التمييز بين هداية الدين وضلال الكفر، أو أنهم نتيجةً للغرور والعجب بالنفس وحبّ الذات لا يعرفون شيئاً سوى الأكل والشرب والنوم ولا ينتبهون أبداً إلى أي شيء، مثل هؤلاء سيبقون بالتأكيد في ضلال الكفر... فيا أيها النبي! لا ينبغي عليك أن تجبر البشر قهراً على التصديق بالدِّين والإيمان بالله، بل وظيفتك الوحيدة أن تُذكِّر الناسَ بأحكام الإسلام وتعاليمه وأن تدعوهم إلى مطالعة آيات الكتاب التكوينية والتأمّل والتفكّر في كائنات هذا العالم، والخلاصة واجبك في الدرجة الأولى التذكير وفي الدرجة الثانية الدعوة إلى التعقُّل والتفكير: ﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ﴾ [الغاشية:21-22]، أي فلا تـجبـرهم على قبول ما تدعوهم إليه وتكرههم عليه، بل لا ينبغي أن تكون أمنيتك أن يؤمن بكَ جميع أفراد البشر حتى أولئك الذين خُتم على أبصارهم وقلوبهم بخاتم الجهل والغرور وحَجَبَتْ عقولَهم أغشيةٌ غليظةٌ من الكِبْر وعبادة الهوى، لأن ذلك خلافٌ لسنَّتي ومشيئتي(12)، كما أن اتحاد أفكار وعقول جميع البشر مخالفٌ لسنتي الجارية.

أجل إنه من الطبيعي أن يكون طريق تبليغ دين الفطرة هذا الطريق، ولا يجب أن يُدعى الإنسان إلى شريعة الإنسانية إلا بهذا السبيل. فلا ريب أن يكون التصديق والإيمان بالدِّين الذي يدّعي تأمين راحة النفس والطمأنينة لجميع طبقات البشر حتى يرث اللهُ الأرض ومَنْ عليها، ويعلّم جميع تطورات البشر الروحية، وتتَّفق أحكامه وتعاليمه مع أحكام العقل وتنسجم مع فطرة الإنسان الأصليَّة، أقول لا ريب أن يكون التصديق بمثل هذا الدين موكولاً إلى العقل ومنوطاً بالتفكير فحسب، وأن لا تكون هناك أيُّ حاجة أبداً إلى الإكراه والإجبار في الدعوة إلى هذا الدين، بل أن يُدعى الناس فيه إلى مراجعة عقولهم ووجدانهم فقط وإلى أن يتعقّلوا ويتفكّروا.

من هنا نرى أن القرآن الكريم في دعوته إلى كل أصل من أصول الدين، سواء أصل المبدأ أم المعاد أم التعاليم والأخلاق، يُحِيْلُ الناس إلى عقولهم، ويختم الآيات المتعلقة بالتوحيد والمعاد والأخلاق بِجُمَل: «أفلا تعقلون؟» «أفلا تذكّرون؟» ونحوها، أمّا الكنيسة فقد بنت دعوتها إلى خرافة التثليث على قاعدة «اعتقِدْ وأنت أعمى» أو قاعدة «أطفئ سراج عقلك واتْبَعْني»، فدعت الناس إلى اتِّباع تعاليمها اتِّبَاعاً أعمى!. بعكس القرآن الكريم الذي نجد أنه يصف المؤمنين بأنهم أولو الألباب أي أصحاب العقول، وأنهم الذين يتفكرون والذين يعقلون: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [آل عمران:190-191]، في حين يصف الكفار بأنهم صمٌّ عُمْيٌ لا عقل لهم ولا تفكير: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة:171]، بل يعتبرهم في موضع آخر أضلّ من الأنعام أي الأبقار والحمير فيقول: ﴿ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ [الفرقان:44].

أما ذلك الرجل المغرور العابد لذاته(13) أو إله الخِرفان (!) فإنه كان يخاطب أولئك السذَّج الذين اتبعوه بعبارة «أغنام الله»!

وهكذا نجد أنَّ نبيَّ الإسلام صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ عندما يقيم الحجة على أن القرآن الكريم كتاب الله وأنه مبعوثٌ مِنْ قِبَلِ الله يحيل الناس إلى عقولهم فيقول:

﴿ قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ [يونس:16].

ويطرح كتاب الله أمام تفكير البشر ويدعوهم دائماً إلى التدبُّر فيه فيقول لهم:

﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾ [ص:29]، ﴿ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ﴾ [النساء:82]، ﴿ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [محمد:24].

ولهذا السبب يخاطب القرآنُ العقلاءَ ويدعوهم دائماً إلى النظر في جمال عالم الطبيعة والتفكّر في آيات الكتاب الكونيّ معتبراً أن ذلك أهم وظائف العقل والوسيلة الوحيدة للرقي المادي والمعنوي للبشر، ويوكل فهم تلك الآيات للعقلاء فيقول:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة:164].

﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ [آل عمران:191].

كما يوكل فهم حقائق الكتاب التشريعي (القرآن) إلى العقلاء أصحاب الألباب أيضاً فيقول: ﴿ أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾ [الرعد:19]، ﴿ هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾ [إبراهيم:52].

ولهذا يصف القرآن الكريم الناسَ الذين لا عقل لهم ولا فَهْمَ ولا تفكير بأنهم مثل «البهائم» بل أضلّ من البهائم فيقول: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ [الأعراف:179].

ويجعل عدم استخدام قوى العقل سبباً لعذاب الآخرة فيقول: ﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ [الملك:10].

أمّا الكنيسة فقد رأت أن حفظ مصالحها يقتضي إبقاء الناس في الغفلة والجهالة فكانت تُنزل بأصحاب العقل الحرّ والتفكير المستقلّ العذاب والعقاب.

ومن هنا لم يكن نبيّ الإسلام يرى لنفسه أيّ مقام سوى اتّباع ما يوحى إليه، ولم يكن يرفع نفسه عن مرتبة البشرية، وكان ينفي عن ذاته بكل صراحة علم الغيب والتصرّف في خزائن الأرض أو امتلاك رزق الخلق الذي غالباً ما يدّعيه رؤساء الأديان لأنفسهم: ﴿ قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الأنعام:50].

وكما يقول «آرنست رينان» الفرنسي: [لم يدَّعِ محمّدٌ أبداً القدرة على إحياء الموتى ولم يصلب نفسه بين السماء والأرض ثم يحيا بعد موته، بل جعل معجزته هذا القرآن ذاته الذي لم يستطع أي بشر حتى الآن أن يأتي بمثله فعلاً. إن كل عظمة ذلك الشخص الكبير هي أنه كان يقول ويكرر: «إنما أنا بشر مثلكم».

أما عيسى الذي تعرّفه الكنيسة فهو........

من هنا، عندما نتلو القرآن الكريم نرى أن ذكر «العقل» باسمه وأفعاله في القرآن الحكيم يبلغ زهاء خمسين مرة، وأما ذكر «أولي الألباب» ففي بضع عشرة مرة، وأما كلمة «أولي النُّهَى» أي العقول فقد جاءت مرَّةً واحدةً في آخر سورة طه.

ولكن مهما تفحَّصتَ في قاموس الكتاب المقدّس فلن تجد فيه كلمة «العقل» ولا ما في معناها من أسماء هذه الغريزة البشرية التي فضل الإنسان بها جميع أنواع هذا الجنس الحي كاللبّ والنُّهَي، ولا أسماء التفكُّر والتدبُّر والنظر في العالم التي هي أعظم وظائف العقل، ولا أن الدين موجَّهٌ إليه، وقائم به وعليه (14).

إذن قد تبيَّن بوضوح أن الإسلام دين العقل والفكر، دينٌ يريد بعد تشييده بنيانَه على عمادَيْ العقل والعلم المتينين وإقامته تعاليمه السامية على النواميس العقلية، يريد أن يحرِّر عقل الإنسان من كل الحجب والقيود التي كبَّلَتْهُ عهوداً متمادية من الزمن، ويريد أن يمنح للمجتمع البشري الاستقلال العقلي، ويريد أن يصل البشر في ظل الحرية الفكرية إلى شاطئ السعادة المادية والمعنوية.

[وقد صرَّح بعض حكماء الغرب، بما لا يختلف فيه عاقلان في الأرض، من أن التفكُّر هو مبدأ ارتقاء البشر، وبقدر جودته يكون تفاضلهم فيه، وقد كانت التقاليد الدينية حَجَرَتْ حُرِّيَّة التفكير واستقلال العقل على البشر، حتى جاء الإسلام فأبطل بكتابه هذا الحَجْرَ، وأعتقهم من هذا الرقّ، وقد تعلَّم هذه الحريَّةَ أممُ الغرب من المسلمين ثم نكس هؤلاء المسلمون على رؤوسهم فحَرَّمُوها على أنفسهم، حتى عاد بعضهم يقلِّدون فيها من أخذوها عن أجدادهم](15).

فيا أمَّة الإسلام هذا هو دينُكِ! هذا هو الدين الذي تنسبين نفسكِ إليه منذ سنوات طويلة ولكنكِ لم تتمكني من استخدام قواك العقلية في أي موضوع بل أبقيتِ رأس مال قواكِ العقلية في ركود وتوقف!

وأنت أيها المسلم! لا يجوز أن تكون مهملاً لعقلكَ وفكركَ إلى هذا الحدّ وأن تقلّد والديكَ في آداب الدِّين تقليداً أعمى يجعلك عندما تصادف ولو شبهة صغيرة، أو تغيِّر بيئتك، متزلزل الإيمان بل قد تخسر أساس دينك وتعاليم شريعتكَ!

يا أخي! إن كنت مسلماً حقيقةً فلا يليق بمقامك مثل هذا الجمود الفكري! وتأكَّد من أن روح النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، ذاك الناطق بالحقِّ الذي ينادينا ربُّه في قرآنه المجيد فيقول: ﴿ وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران:139]، تتألَّم من وضعك المذلّ هذا!.

أنا على يقين أنكَ لو كنتَ قد أسْلَمْتَ بذلك الطريق الذي عيَّنه القرآن أي اعتنقتَ الإسلام بفضل إرشاد العقل وفي ظل التعقل والتفكر، لامتلكت بلا أي شبهة -كما وعد الله تعالى في تلك الآية الأخيرة- مقام العلوّ والعزَّة والرفعة، ولكن يا للأسف كان مرشدك للدين أمورٌ أخرى أو أشخاصٌ آخرون هم أضل منك بكثير وأعجز من أن يديروا حتى بيوتهم!

 

+                     +                    +


 

الإسْلامُ دِيْنُ الوَسَطِيَّة

 

الإسلام دين الوسطية الجامع بين حقوق الروح والجسم والحافظ لمصالح الدنيا والآخرة

ـــــــــــــــــــ

لما كان الإنسان مركباً من روح وجسم كان لحياته جانبان: جانب جسمي وجانب روحاني، وبالتالي فإن سعادته وفلاحه الكاملين رهينان بتشييد مباني كل جانب من جانبي حياته، وهذان الجانبان مرتبطان ببعضهما دائماً بحيث أن إهمال إعمار أحدهما يؤدي إلى اضمحلال أساس الآخر كما أن التقصير في تربية كلّ من قِوَى الجسم أو قوى الروح يؤدي إلى فتور قوى الآخر.

وبعبارة أخرى كما أن حفظ صحة وسلامة كل شخص رهين بحفظ صحّة جسمه وروحه ومرتبط بحفظ التناسب بين قواه الجسمية والروحية والتوازن بينهما، فكذلك تأمين الطمأنينة الكاملة والسعادة في الدنيا والآخرة منوط باستحكام أسس الحياة الجسمية والروحية أو عمارة الدنيا والآخرة، وبالتالي فأولئك الذين لا يجدون سعادتهم إلا في تحسين مستوى حياتهم المؤقتة (الجسمية) هذه ويهملون بشكل كامل بناء حياتهم الروحية، يقعون في خطأ كبير، وكذلك الذين يجدون سعادتهم في «الرهبانية» والإعراض عن الدنيا ويظنون أن عزلتهم عن الناس وسوء ظنهم بالخلق وإهمال قواهم الذهنية وحالاتهم النفسية باسم تزكية النفس وتصفية الروح، وباختصار يظنون أنهم بتمضية عمرهم بالكسل والخمول لأجل القيام بمجموعة من العبادات، يؤَمِّنُون راحتهم الأخروية ويصلون إلى السعادة الأبدية مخطئون أيضاً بشكل كامل.

إن نتيجةَ حياة الجماعات التي فقدت ميزان التعادل بين الدنيا والآخرة وسلكت طريق الإفراط أو التفريط نتيجةٌ سيّئةٌ مفعمةٌ بالشقاء وبعيدةٌ عن منزل السعادة مسافات كبيرة.

إذا عرفنا أن السعادة الكاملة وراحة النفس المطلقة للبشر رهينة بحفظ التعادل بين الحياة الجسمية والحياة الروحية ورهينة بعمارة الدنيا والآخرة، ومن ناحية أخرى لما كان «الدين» أكبر ناموس لحفظ مجتمع بني آدم وأهمّ عامل مؤثِّر في انتظام حياة البشر، كان لا بد على الإنسان أن يبحث عن دين وشريعة تحفظ له هذا التعادل بأفضل صورة وتضمن له السعادة والراحة في الدنيا والآخرة بشكل كامل.

ولحسن الحظ إذا ألقينا نظرة إجمالية على أديان العالم الحالية أدركنا بكل وضوح أن ذلك الدين الذي يحقق ما ذكرناه ليس سوى دين الإسلام الحنيف وشريعة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ المطهَّرة، لأننا عندما نلاحظ الكتب المنسوبة إلى الأديان الماضية، نرى أنه، بمعزل عن احتوائها جميعاً على مجموعة من القصص التي هي أشبه بالأساطير وعلى مطالب لاهوتية لا فائدة منها، نرى أن أحكامها وتعاليمها تختص إما بالجانب الدنيوي من حياة الإنسان فقط أو تنحصر بالجانب الأخروي من حياته، أما الإسلام فكما قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا... ﴾ [البقرة:143].

فهو الجامع بين حقوق الروح والجسم والحافظ لمصالح الدنيا والآخرة، وشريعته تتضمن تعاليم عباديَّة، إضافة إلى قوانين أخلاقية وحقوقية وجزائية واجتماعية، وبذلك فإنه يضمن راحة الروح والجسم وسعادة الدنيا والآخرة على أفضل وجه، ولا ريب أنه لو طُبِّقَت أحكام وتعاليم الإسلام بشكل كامل في كلّ مجتمع فإن أفراده يكونون عابدين لِـلَّهِ أتقياء طالبين للحقّ والحقيقة محبّين للشرف والاستقامة مهتمّين بتنمية علومهم ومعارفهم خَيِّرين صالحين سالكين سلوكاً حسناً بعيداً عن حدود الإفراط والتفريط، ومعتدلين في عقائدهم وأخلاقهم وأعمالهم، ومالكين للشجاعة والشهامة والعزم والإرادة الصلبة، وباختصار يكونون أصحاب أخلاق مرضيّة وملكات فاضلة فيملكون موجبات سعادة الدنيا والآخرة.

وكما نعلم جميعاً جيداً، بمجرد أن نزلت أحكام هذا الدين في عصر صدر الإسلام وبدأ المسلمون يلتزمون بها في ظل جهاد النبي الكريم صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ وجهاد سائر أئمة الإسلام، لم تمض مدة طويلة إلا وتحولت حياة أولئك الذين كانوا من قبل يعيشون حياةً متوحِّشَةً، وكانوا متفرّقين متنازعين مشغولين على الدوام بالقتل والسلب والنهب، وكان كلُّ فريق منهم قد وضع على عنقه نير عبادة وثن أو صنم لا يضرُّ ولا ينفع، فتحولت حياتهم وتركوا جميع نزاعاتهم واختلافاتهم ببركة تعاليم الإسلام المقدسة وأصبحوا بنعمة الله إخواناً متحدين، وتحرروا من قيد كل عبودية لغير الله ووصلوا إلى المقام الشامخ لإفراد الله وحده بالعبادة والذي يتضمن في الحقيقة الحرية المطلقة -أي حرية الإنسان تجاه غير الله- فأفلحوا ونجحوا وصاروا طلّاب حق وحقيقة وأصحاب عدالةٍ وخيرٍ وصَلاح.

كانوا أنفسهم أولئك التعساء والأذلاء من قبل الذين حدَّدوا أنفسهم لشدة خمودهم وفقدانهم للإحساس القومي الجامع بحدود قبائلهم من بني فلان وبني فلان، فأحدثت تعاليم الإسلام في أذهانهم ثورة فكرية ومعنوية جعلتهم يسيطرون في زمنٍ قياسيٍّ بفضل سلاح التقوى والعمل الصالح على أجزاء كبيرة من العالم آنذاك من بحر الصين شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً، وأشعلت بيانات النبي صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ وسائر أئمة الإسلام العظام حرارة في أعماق قلوب ذلك الشعب جعلت دمائه تفور نشاطاً، مما أحدث تغيراتٍ عميقةً في حضارة العالم فأثبتوا بكل شهامة للدنيا وأهلها عظمة أمَّتهم بعد أن كانوا قبائل مغمورة لا يؤبه لها.

نعم، هؤلاء هم أنفسهم الذين كانوا من قبل الجهلاءُ الذين يقتلون أولادهم خشية الفقر والجوع ويئدون بناتهم حيَّاتٍ خشية الفضيحة، ويبيعون النساء كما يبيعون الأنعام ويأكلون حقوق بعضهم البعض بلا حياءٍ اتباعاً لشهواتهم وغرورهم، والذين لم يكن لهم من العلم سوى خيالات أسطورية وحفظ الأنساب، وباختصار كانوا أمَّةً خارج حدود الاعتدال لا علم لهم بآداب الإنسانية مبتلين بآلاف المفاسد الأخلاقية والاجتماعية، فتخلصوا بفضل نور تعاليم الإسلام في مدّة قليلة من كل تلك المصائب والنكبات وصلُحت مفاسدهم وخَلُصوا من ورطات الانحطاط والذل، وأفلحوا في مقام الفضائل الأخلاقية، وبدلاً من الظلم السائد فيهم أصبحت العدالة حاكمة في جميع شؤون حياتهم على نحو أصبحوا يشعرون فيه بالمسؤولية أمام الله تعالى الحَكَمِ العَدْل، وأصبحوا يراعون حدود ومصالح بعضهم البعض ويحترمون شؤون بعضهم وأعراض بعضهم مشتركين في أفراح وأتراح بعضهم ومتعاونين في العسر واليسر، فخرجوا من حدود الإفراط والتفريط وأصبحوا معتدلين في جميع شؤون حياتهم، وقوي فيهم حسّ طلب الحقيقة وأحبُّوا العلم إلى درجة جعلتهم يسعون رغم قلَّة الوسائل إلى ترجمة وتكميل علوم الأمم السابقة وفلسفتها، وفي النهاية أصبحت -بمساعيهم- جميع البلدان التي خضعت لنفوذهم مثل: تركستان وإيران والأندلس، مراكز للعلم والمعرفة.

نعم الإسلام هو دين الوسط والكفيل بسعادة الدنيا والآخرة لأن هذا الدين قد قرر لأجل حفظ مصالح الروح والجسم وعمارة الدنيا والآخرة تعاليم متينة وبسيطة وسهلة التطبيق في الوقت ذاته، فهو دينٌ يهتمّ بدعوتنا إلى العبادة وتزكية النفس وتهيئة موجبات السعادة الأخروية الأبدية بقدر اهتمامه بدعوتنا إلى تحصيل وسائل العيش وعمارة الدنيا: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [القصص:77].

إضافة إلى أن أحكام الإسلام وقوانينه التي نُظّمت على نحو يكفل مصالح الدنيا والآخرة معاً تضمَّنت فوائد أخرى أيضاً يحتاج شرحها إلى كتب كثيرة.

وعلاوة على كل ما ذُكر فإن الإسلام يسلك في دعوتنا إلى جميع مقاصده طرقاً كل واحد منها هو في الحقيقة أفضل وسيلة لعمارة الدنيا ويضمن تأمين السعادة الدنيوية والرقي والتطور المادي، وبعبارة أخرى إن الإسلام جعل الأمور الطبيعية سلّماً للأمور المعنوية بحيث أن الإنسان لو أراد أن يصل إلى قمّة المعنويّات فعليه أن يترقَّى في الطبيعيّات ويصعد في سلّمها، فمثلاً في دعوته إلى الإيمان بمبدأ الوجود (أي الله تعالى) والمعاد (أي اليوم الآخر) اللذان يشكلان أساس اعتقاداته وأهم وأبرز مقاصده، بدلاً من أن يورطنا في خيالات معقدة مثل «فلسفة الفناء في الله الهندية» أو «فلسفة الإشراق» بما فيها من التواءات تسوقنا إلى طرق خطرة، -كما أشرنا- فإنه دعانا إلى النظر في كائنات عالم الكون والتفكّر في هذه المجموعة الشمسية فقال: ﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ... ﴾ [يونس:101].

ولا يخفى على أحد أن حضارة الدنيا الحالية وكل رقيّ البشر المعاصر إنما انطلق من هذا النظر والتفكُّر.

وفي دعوته إلى الأخلاق -التي لها الأهمية الأساسية في نظر الإسلام بعد المبدأ والمعاد- وتوعيتنا بفوائد الدِّين والتديُّن وأضرار قلَّة الدِّين وسوء الأخلاق، دعانا إلى مطالعة تاريخ الأمم الماضية والسير في الأرض والتأمل في عاقبة السلوك السيئ والأعمال الشريرة للشعوب التي تخلت عن الدِّين واستشرى فيها سوء الخلق فقال: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ [الأنعام:11]، ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ﴾ [النمل:69]، ﴿ أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ﴾ [غافر:21].

ولا شبهة أن كل ذلك من العوامل المهمة للتربية الأخلاقية الفردية والاجتماعية.

وبصرف النظر عن ذلك فقد قصّ القرآن الكريم علينا عَدَداً من القصص لأجل هذا الهدف ذاته، وهذه القصص -لو تدبَّرناها بدقة- لرأيناها تعلّمنا كثيراً من الأسرار الأخلاقية والاجتماعية بعبارات بسيطة، وتوضّح لنا كثيراً من مشاكل المجتمع، وفي الحقيقة كل واحدة منها يمكنها أن تكون أفضل مثال ونموذج أخلاقي لحياتنا، وسأوضح هذا الأمر إن شاء الله في الكتاب الذي أزمع كتابته حول شرح مقاصد القرآن.

والخلاصة فإن الإسلام -خلافاً لسائر الأديان والقوانين الموضوعة لأجل إصلاح البشر وتربيتهم- لا يعتبر الدنيا والآخرة أمران منفصلان عن بعضهما لا ارتباط بينهما بل يهدف إلى اعتبار كل منهما مرتبطاً بالآخر ومتصلاً به ويجعل حياة الإنسان في كلٍّ من المرحلتين مرتبطة بحياته في المرحلة الأخرى بشكل كامل، أي أن الأشخاص الذين أمضوا أعمارهم في البصيرة والمعرفة وحفظ ميزان التعادل في تمام شؤون حياتهم فسلكوا في هذه الحياة الصراط المستقيم بشكل كامل -أو اتبعوا قانون الفطرة- فَسَيَحْيَوْن بلا شك في آخرتهم سعداء وسينالون الفلاح والخلاص، أما الذين وقعوا في هذه الحياة في الجهل والغفلة وكانوا أشقياء ضالين فإنهم سيكونون في الحياة الآخرة أيضاً ضالين أشقياء.

ومن هنا نجد أن القرآن الكريم يعتبر الضلال والجهل في هذه الدنيا دليلاً على الضلال والشقاء في الآخرة فيقول: ﴿ وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء:72].

ومن هنا أيضاً يبشّر الله تعالى المؤمنين الصالحين بالتوفيق والسعادة في الدنيا والآخرة كلاهما: ﴿ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [يونس:62-64].

وعلى العكس من ذلك يتوعّد الكفّار - في أكثر من موضع من القرآن- بالذّل والخزي في الدنيا، والعذاب في الآخرة فيقول مثلاً: ﴿ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [البقرة:114].

والآن يجب أن نرى هل المؤمنون هم حقيقةً مثلما وصفهم القرآن؟ هل يتمتعون بالجرأة والشجاعة والشهامة؟ هل هم فعلاً لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؟ إن كاتب هذه السطور لم يصادف مثل أولئك المؤمنين حتى هذه اللحظة!

 لقد أباح القرآن الكريم جميع وسائل الزينة والتجمّل -ما عدا تلك التي تخرج عن آداب الإنسانية- وجميع لوازم الراحة ووسائل التنعُّم، وفي النهاية كل ما هو من نعم الحياة وطيباتها، للمؤمنين فقال: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف:32].

في حين أنه قرَّر للكفار العذاب الشديد في الدنيا والآخرة: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾ [آل عمران:56].

ولكن مما يُؤسف له أن القذارة واستعمال كل لباس متسخ ومهترئ في الحياة أصبح اليوم لدينا من علامات الإيمان!

ويصف القرآن الكريم المؤمنين بأنهم يطلبون الخير والسعادة في الدنيا والآخرة فقال: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [البقرة:200-201].

 أما الكفار فقد ذمهم القرآن الكريم في عدة مواضع بأنهم الخاسرين للدنيا والآخرة فقال: ﴿ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ [الحج:11]، وقال كذلك: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ [النور:19]، وقال أيضاً: ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾ [آل عمران:22]، وأمثالها من العبارات المشعرة بذلهم وشقائهم في الدنيا والآخرة.

من هذا المنطلق يعرّف القرآن الكريم المسلمين بوصفهم «الأمة الوسط» أي المجتمع المعتدل المالك لسعادة الدنيا والآخرة ويعتبرهم حجة وشاهداً على سائر أمم الدنيا أو مربِّين لهم وقادة عليهم فيقول: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا... ﴾ [البقرة:143].

فهذه الآية تفيد أن الله تعالى راعى في جميع الأحكام والتكاليف تربية القوى الروحية والجسمية للإنسان وتعمير دنياه وأخراه،مع حفظه للتعادل والتوازن بينها.

فالآية تريد القول أن الله منحكم يا أمَّة الإسلام كل الحقوق الإنسانية (حقوق الروح والجسم) وذكَّركم بجميع موجبات السعادة المادية والمعنوية بشكل عام، وبكلمةٍ واحدةٍ: أرشدكم بواسطة حضرة خاتم النبيين صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ إلى الطريق الوسط وجادة الاعتدال فجعلكم أمة وسطاً ومجتمعاً معتدلاً، وهذا كله لكي تكونوا مرشدين لسائر أمم الدنيا، تلك الأمم التي خرجت عن الحدّ وسلكت طرق الإفراط أو التفريط، فتهدوهم إلى طريق الإنسانية المستقيم وتقومون على الدوام بواجب تربيتهم وإصلاح مفاسدهم الأخلاقية والاجتماعية وتعرِّفوهم واجبات الإنسانية وحقوقها.

والخلاصة أننا جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء وحجة على الناس فتبيِّنوا للناس حقائق الإسلام الجامعة لكل حقوق الإنسان والضامنة لسعادة البشر الدنيوية والأخروية.

وبعبارة أوضح، تقول الآية: إن الله وضع مهمة إصلاح وتربية جميع طبقات البشر على عاتقكم يا أمَّة الإسلام، لأنه لم يرَ أحداً في هذه الدنيا أهلاً لتقبل هذه المسؤولية العظيمة سواكم، فجعلكم بواسطة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ على الصراط المستقيم وجادة الاعتدال في جميع المزايا الإنسانية من العقائد والأخلاق والأعمال، بما يجعلكم قادرين على أن تشاهدوا الأوضاع السيئة لسائر المجتمعات التي اختارت طريق الإفراط أو التفريط، فتقوموا بهدايتهم وإرشادهم وتربيتهم وإصلاح مفاسدهم، أما الذين خرجوا عن حدّ الاعتدال في حياتهم المادية والروحية وضاعوا في طرق خطرة من الإفراط أو التفريط فلا يمكنهم الاطلاع على أوضاع بعضهم البعض وأحوالهم فضلاً عن أن يتمكنوا من ترشيدها وإصلاحها، لأن الذي انحرف عن الطريق المستقيم كيف يمكنه أن يرى وضع الطرف الآخر من الجادة؟ لا شك أن مشاهدة ومراقبة طرفي الجادة لا يكون إلا لمن كان واقفاً في وسطها.

نعم هكذا ينبغي أن يكون أتباع الإسلام (لا المسلمون الذين يشكلون اليوم فريقان أحدهما مفرط والآخر مفرّط) لأنهم يسلكون في كل شؤونهم الإنسانية جادة الاعتدال فيمكنهم أن يعوا مفاسد ونواقص الأمم المفرطة كالمسيحيين (ولا أقصد النصارى الحاليين الذين ترك معظمهم العمل بشريعة المسيح وأصبحوا مفرّطين أو ماديين خالصين) أو الصابئة وطوائف الهندوس وغيرهم الذين يسعون إلى هضم حقوق جسمهم وحرمان أنفسهم من اللذات الجسمية وسلوك طريق الرهبنة والزهد وتعذيب الجسد وإذلال النفس، كما أنهم يمكنهم (أي المسلمون الحقيقيون) الوقوف على الأمم المفرّطة كالماديين واليهود وأمثالهم الذين ضحوا في سبيل منافعهم الجسمية وتعمير حياتهم المادية بكل حقوق الروح ومصالح الحياة الروحية، ولذلك كان من الطبيعي أن يُعهد بوظيفة إصلاح وتربية مثل أولئك الأمم إلى الأمة المعتدلة أي أمة الإسلام.

من هنا جاء في القرآن الكريم الإشارة إلى هذا المعنى وهذه الوظيفة للأمة الإسلامية فقال: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ... ﴾ [آل عمران:110].

فالأمر بالمعروف هو الأمر باتخاذ وسائل تربية القوى الروحية والجسمية وتحصيل لوازم عمارة الدنيا والآخرة وباختصار: إعداد موجبات السعادة المادية والمعنوية، والنهي عن المنكر نهي عن كل ما يؤدي إلى الشقاء في الدنيا والآخرة. ثم انتم من الجهة الأخرى تؤمنون بالله لذا فأنتم خير أمة من الأمم التي ظهرت في الدنيا! أي أن الله تعالى يريد أن يقول في الواقع: لمّا كنتم أيها المسلمون أمة التوسط والاعتدال وقع على عاتقكم واجب «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» أو إصلاح المفاسد الأخلاقية والاجتماعية وتربية البشر، لذا ستكون قيادة البشرية لكم فعليكم أن تكونوا على رأس جميع أمم الدنيا مراقبين على الدوام لأوضاعها وشاهدين عليها، تعرّفوها بحقوقها وتقومون بإصلاحها وتربيتها وتدعونها للالتزام بواجباتها الإنسانية وتخرجوها من الطرق الخطرة للإفراط والتفريط وترشدونها إلى جادة الاعتدال وشريعة الوسطية.

أيها القارئ المحترم! انظر أي مقام شامخ قرَّره لنا الإسلام! وأي حق عظيم في الدنيا أعطانا! لنتأمل قليلاً ونرى أننا معشر المسلمين بهذه الأوضاع المضطربة التي نعيشها، وبحياتنا هذه التي خرجت عن حدود الاعتدال وبسلوكنا لطرق معوجّة، هل يحق لنا أن ننسب أنفسنا إلى هذا الدين؟! ألا ينبغي علينا -على الأقل أمام وجداننا- أن نستحي من تسمية أنفسنا بالمسلمين؟! هل نستحق أكثر من هذا الذل والمسكنة التي ابتُلينا بها؟! أليس سبب كل ذلك الشقاء والمسكنة هو أننا خرجنا من إطار التربية الإسلامية وبالتالي ابتعدنا عن جادة الاعتدال وسلك بعضنا طريق الإفراط وآخرون طريق التفريط؟!

ليت أفراد الأمة الإسلامية الحاليين كانوا كسائر أمم الدنيا أصحاب منهج واحد إما الإفراط أو التفريط المحض لأنهم بذلك كانوا يحفظون وحدتهم الاجتماعية على الأقل! ولكن للأسف لقد غزاهم عفريت الجهل والتعصّب وجعلهم متفرّقين مبتعدين جميعاً عن حد الاعتدال الإنساني وسلكت كل جماعة منهم طريقاً خطراً دون أن تشعر: فجماعة جعلت كل اهتمامها إعمار الدنيا والرقي المادي وانصرفت بشكل كامل عن المعنويات وعن الآخرة وكأنها ستعيش إلى الأبد وكأن الالتزام بطقوسها الدينية وما فيها من تزكية للنفس وتطهير للروح وإصلاح للأخلاق سيسوّد معيشتها، ومع ذلك لا تزال تعتبر نفسها مسلمة؛ وجماعات أخرى أساءت فهم حديث «الدنيا سجن المؤمن» فرأت أن الدنيا يجب أن تكون كالسجن للمؤمنين لا يجوز لهم الخلاص منه لذا يجب عليهم أن يحبسوا أنفسهم في حياة منحطة مبنية على النفور من الحياة والبطالة والجوع معتبرة أن تحمّل كل هذه المصائب والانحطاط عبادةٌ يؤجرون عليها! وأن هذا هو طريق الوصول إلى الآخرة، فهذا النمط أيضاً يعتبر نفسه مسلماً! بل إن بعض دعاة الدِّين -الذين يعتبرون أن فهمَ حقائق الدِّين مختصٌّ بهم- يعتبرون الإسلام مناقضاً للرقيّ والتمدّن وللسعي، ومخالفاً لجميع شؤون الحياة الإنسانية ويرونه علناً دين رهبانية وفلسفة ورياضات روحية ويدعون الناس باسمه دائماً إلى الكسل والخمول والوساخة والفقر وجمود الفكر والذلّة؛ وخاصة إلى الغفلة والجهل فيسوقون الناس بذلك نحو الشقاء، وباختصار يفسرون هذه الشريعة المطهرة على نحو يرى أن الأشخاص المغالين في الزهد هم فقط الأتباع الحقيقيون لهذا الدين، في حين توجد جماعات أخرى تزداد يوماً بعد يوم تجد نفسها متأثرة من غربة الإسلام فتدَّعي كل يوم أن الإسلام يتفق في جميع شؤونه مع الحضارة الغربية الكاذبة، وتسعى على الدوام إلى مطابقة أحكام الإسلام المتينة مع كل نظرية جديدة غربيّة يخرج بها جاهل في «بلاد الغرب»، حتى أنني أعرف أشخاصاً افتتنوا بمظاهر المدنية في أوربا وأصبحوا أوربيين في عقولهم وتفكيرهم إلى درجة أنهم أخذوا يكذبون حول الغرب ويخترعون مطالب باسم الأوربيين أو يخترعون أسماء من أسمائهم وينسبون إليهم أموراً غير حقيقيَّة تسرّ قلوب أمثالهم ممن فتنوا بأوربا إلى درجة الوله!. وهؤلاء الأذلّاء اقتصروا على الجانب الدنيوي والمادي من الإسلام وأخذوا يدعون الناس باسمه إلى الدنيا وعبادة الدنيا ويسوقونهم نحو الغرور والعجب بالنفس وإنكار كل فضيلة وحقيقة، وبقدر ما استطاعوا قاموا بعرض معنويات الإسلام بصورة ماديات وإذا أعجزهم الأمر أنكروا معنويات الإسلام من الأساس! في الحقيقة لقد اتَّخذ هؤلاء الجهلاء الإسلام ظهرياً وعرّفوه بصورة فلسفةٍ مادّيّةٍ محضةٍ. وبعض هؤلاء النمط إذا أراد تعريف الناس بموازين الإسلام فإنه يلغي سيرة النبي وسنَّته وتعاليم الأئمة الأطهار ويكتفي بالقرآن! وبعضهم على العكس اتخذ القرآن وسنة النبي الأكرم وسيرته ظهرياً واهتم فقط بالأخبار المنسوبة إلى الأئمة الأطهار فرجع إليها جميعاً دون مراعاة للتمييز بين الصحيح والسقيم منها!

مسكين هذا الإسلام! لقد تمزّق بين ذينك المشربين غير المستقيمين، ومساكين أولئك المسلمين التعساء الذين حيَّرتهم تلك الدعوات المختلفة والأقوال المتناقضة!!

أيُّ مسلم غيور لا يعتريه الحزن والقلق لرؤية هذه الأوضاع المضطربة ولا يُجرح قلبه من هذا الوضع المحزن!! أجل

لمثل هذا يذوب القلب من أسف       ***    إن كان في القلب إيمان وإسلام

أيها الإخوة الأعزاء! إنني كفرد مسلم أذكركم: اليوم الإسلام في خطر والقرآن في معرض الزوال بسبب هذه الأوضاع الحالية للدنيا وبسبب كل هذه التشكيلات الواسعة للكنيسة النصرانية!! تعالوا وتوقَّفوا عن أعمال الإفراط والتفريط هذه ولا تقضوا على ذاتكم بذاتكم أكثر من ذلك! وإن لم تكونوا في مقام ترويج الإسلام أو حفظ سعادتكم وسيادتكم فعلى الأقل لا تكونوا سدّاً يمنع تقدّم الإسلام ولا تفعلوا ما يؤدِّي إلى شقائكم!

أنا على يقين أنكم لو اتخذتم القرآن الكريم وسنة النبيِّ الأكرم وسيرته وسيرة أئمة الإسلام الأعلام أسوة ونبراساً لكم في أعمالكم وسلوككم وانتهجتم في ظل القرآن وسنة النبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ وسيرته طريق الاعتدال، فإنكم ستنقذون الإسلام الذي هو وسيلة سعادتكم وعزّكم من هذا الخطر الكبير وليس هذا فحسب بل ستعودون إلى مجدكم وعزتكم! وإِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ.

لقد ابتعدتُ عن مقصدي قليلاً، فلأعود إلى كلامي وأقول: لما كان الإسلام قد أخذ في عين الاعتبار في جميع أحكامه تأمين السعادة الدنيوية والأخروية للبشر ودعانا إلى إعمار دنيانا وترقيتها بقدر ما دعانا في الوقت ذاته إلى إعمار الآخرة وترقية الروح والمعنويات، ومن هذا المنطلق رغَّب الناس بكسب العلم وتحصيله بكل جديّة لأنه أفضل وسيلة للرقيّ المادي والمعنوي للبشر، فتوسعة العلم ونشر المعارف العلميّة تشكِّل أهم عامل لتأمين السعادة الكاملة لكل مجتمع، وهذا ما يسمِّيه علماء الاجتماع بالقوّة العقليّة والذهنيّة لجسم المجتمع التي عليها أن تقوم بتربية وتأمين راحة وسلامة سائر أعضائه.

فالإسلام يسعى بكل جديّة إلى إيجاد تلك القوّة وتوسعة المعارف إلى الحد الذي يمكن أن نقول فيه بكلّ تأكيد أن الإسلام دين العلم والحكمة:

 

+                     +                    +

 


 

الإسلام دين العلم والحكمة!

 يدلُّ على ذلك أوّلاً: أنَّ الإسلام جعل تحصيل العلم فريضةً على كلِّ مسلم ومسلمة كما جاء في الحديث: [طلبُ العِلْمِ فَرِيْضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ](16). والقرآن الذي لا يزيد عدد آياته على ستة آلاف آية(17) رغّب البشر باكتساب العلوم الطبيعية في أكثر من 750 آية، أي تلك العلوم التي هي الوسيلة الوحيدة لإعمار الدنيا والتي هي أفضل الطرق لمعرفة حقائق هذا العالم، هذا علاوة على الآيات الأخلاقية والاجتماعية التي تشكّل في الواقع عصارة علم الأخلاق والاجتماع. إضافة إلى أنه توجد 150 آية تتعلَّق بعلم الفقه (علم الحقوق) وقد نُظّمت جميع موادّها على نحو النظام القانوني من ناحية علم التشريع أي: أمور المعيشة والوفرة والأمن والمساواة التي تشكل أسس السعادة العامة للبشر، فكلها لاحظها الإسلام، ومن البديهي أن القرآن قد علّمنا بهذا الأمر بشكل ضمني طريقة وضع القوانين!

وثانياً: أن الإسلام -لأجل ترويج وتوسعة العلم- أثنى في القرآن ثناءً كبيراً على العلماء وأعطاهم مقاماً جليلاً معطياً للعلم أهميةً بالغةً، إلى حدِّ أن القرآن، في مقام الشهادة لله بالوحدانية، أدرج «أهل العلم» إلى جانب الله تعالى والملائكة قائلاً: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [آل عمران:18]، فهل يمكن أن نتصور إجلالاً لأهل العلم أكثر من ذلك!

كما وعد القرآن بكل صراحة أهل العلم مقاماً شامخاً ودرجاتٍ رفيعةً فقال: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [المجادلة:11].

وعلّم خاتم النبيين أن يدعو ويقول: ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ [طه:114]. ففي هذه الآية يأمر الله تعالى صاحب المقام الختمي الذي لم يتلوث قلبه أبداً بالأفكار البشرية المحدودة، بل كان يقظاً بروحه الطاهرة النقيّة إلى آيات الله في هذا الكون اللامحدود، وبعبارة مختصرة كان قد وصل إلى لبّ المعارف التي تليق بمقامه، ومع ذلك أمره الله تعالى أن يطلب منه المزيد من العلم! أفلا يدل ذلك على أهمية العلم وكمال عظمته؟

لا شك أن القارئ المحترم يدرك أنه إذا كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ الذي هو مهبط الوحي ومركز العلم قد أُمر بذلك، فنحن أولى بكثير أن نُخاطَبَ بذلك الأمر، لذا فإن ذلك الأمر الإلهي يتوجّه إلينا بكلّ شدّة ويُلزمنا بكلّ تأكيد أن نسعى بكلّ جدٍّ واجتهاد إلى زيادة العلم، وأن نكون جميعاً طلّاب علم ساعين في تطوير المعارف، وأن نحمل لواء العلم والمعرفة بكلّ سرور وبكلّ ثبات ونروّج باستمرار للعلم ونحمي المعارف، ولماذا لا نكون كذلك؟! أولسنا نحن المسلمون الأمة الوسط التي أخذت على عاتقها إصلاح وتربية سائر طبقات البشر!

والقرآن الكريم ينهانا بكل تأكيد عن اتّباع ما ليس لنا به علم من العقائد والأفعال والأقوال فيقول: ﴿ وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء:36].

ويذمّ القرآن الكفار بأنهم لا علم لهم وأنهم يتّبعون الظنون فيقول: ﴿ وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ﴾ [النجم:28]، ويقول أيضاً: ﴿ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ﴾ [النساء:157]، ويقول كذلك: ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ﴾ [يونس:36].

ويعتبر القرآنُ «الحِكْمَةَ» وسيلةَ الوصول إلى كلِّ كمالٍ مطلوب ومنبعَ الفضائل، وبكلمة مختصرة يعتبر «الحِكْمَةَ» منشأ الخير الكثير فيقول: ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾ [البقرة:269].

ويعتبر القرآنُ أحكامَ الإسلام وما أوحاه إلى صاحب مقام ختم النُبُوّة، من «الحِكْمَةِ» فيقول: ﴿ ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا ﴾ [الإسراء:39].

 ويقرن الله تعالى بين «آيات القرآن» و«الحِكْمَةَ» فيقول: ﴿ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾ [النساء:113].

ويقول كذلك: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ [الجمعة:2].

ويعتبر القرآن «الحِكْمَةَ» أول وسائل الدعوة والتبليغ فيقول: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ... ﴾ [النحل:125].

ويصل القرآن في تعظيمه لشأن «العلم» إلى حدِّ أنه لدى تحريمه للشرك بالله -الذي يُعْتَبَرُ القضاءُ عليه أهمَّ أهداف الإسلام وأوَّلَ مقاصده- يلحظ أهمية العلم فيعتبر الشركَ قريناً لفقدان العلم فيقول: ﴿ وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا... ﴾ [العنكبوت:8].

ففي هذه الآية وصّى الله تعالى الإنسان أن لا يقصِّر في شيء من الإحسان تجاه والديه وأن يتَّبع أمرهما على الدوام، إلا إذا أمراه أن يشرك بالله شيئاً لا «علم» له به ولا دليل عنده عليه فعندئذٍ لا يجوز له إطاعتهما.

كما أنه في موضع آخر يقرن النهي عن الشرك بفقدان البرهان عليه فيقول: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف:33]، فكما نلاحظ يأمر الله تعالى صاحب مقام ختم النبوة أن يقول للمشركين إن ربي حرّم أن يُشرَك به شيئاً لا دليل عليه ولا سلطان أي لا برهان عليه! وفي الواقع إنه يريد أن يقول إن الشرك بالله وعبادة الأصنام إنما حُرّمت لأنه لا برهان على صحتها ولا دليل عليها!

فانظر أيها القارئ العزيز! إلى أي حدّ اعتنى الإسلام بالعلم والبرهان، فمع أن الشرك في نظره وفي حقيقة الواقع بديهي البطلان ولا يحتاج أن يُقرن بأي وجه من الوجوه بأن لا علم به أو لا برهان عليه، لكنه مع ذلك قيَّد النهيَ عنه والمنعَ منه في تلك الآيات بفقدان العلم والبرهان!

أجل إن تلك الآيات في الوقت الذي تشعرنا فيه بأهمية العلم والبرهان وكمال عظمتهما فإنها تريد أيضاً أن تفهمنا أن منشأ الإيمان والاعتقاد يجب أن يكون العلم والبرهان! وأنه من دون إرشاد هذين الدليلين والمرشدين القويين لا يجوز لأحد أن يُدْخِلَ إلى أعماق قلبه عقيدةً، فلا يجوز للإنسان أن يجعل خَلْوَةَ قلبه مَحطّاً لكل عقيدة بمجرد التقليد الأعمى. كما نجد ذلك المعنى خلال محاجَّة إبراهيم لقومه، حيث ينقل القرآنُ لنا على لسان إبراهيم مذمَّته الشديدة للكفار لأنهم يجعلون لِـلَّهِ شريكاً دون أن يمتلكوا أي برهان على ذلك فيقول:

﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [الأنعام:81]، وفي موضع آخر يقيِّد وعيده للمشركين - خلال تخويفه لهم - بقيد فقدانهم للبرهان على ما يذهبون إليه فيقول: ﴿ وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ﴾ [المؤمنون:117].

هذا مع أننا نعلم أن الكفار لا برهان لهم على مقولاتهم، ورغم ذلك ولأجل تعظيم مقام البرهان فقط يقول: لما كان المشركون فاقدين للبرهان لا ينبغي أن يأملوا بالنجاة والفلاح وليس هذا إلا لبيان تعظيم مقام البرهان وإفهامنا أنه في الأمور الاعتقادية لا بد أن نستند إلى الدليل والبرهان.

إن هذا الاحترام للبرهان والعناية به وإن كان عجيباً في حدّ ذاته إلا أنه ليس غريباً على دين الإسلام لأن الإسلام أساساً دين البرهان والحجة.

 

+                     +                    +


 

الإسلام دين البرهان والحجَّة!

لقد دعا القرآن الكريم الناس إلى الإسلام بوصفه بهذا الاسم ذاته أي «البرهان» فقال: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ﴾ [النساء:174].

وبعد أن أقام القرآنُ برهاناً على إبطال الشرك بقوله: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ [الأنبياء:22]، اتجه في الآية التالية إلى المشركين فطالبهم بالبرهان على عقيدتهم فقال: ﴿ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ... ﴾ [الأنبياء:24]، كما أنه في موضع آخر وبعد بيانه لأدلة التوحيد، طالب المشركين بأن يأتوا ببرهان على دعواهم الباطلة فقال: ﴿ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾ [النمل:60]، إلى أن يصل إلى قوله: ﴿ أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [النمل:64].

وقلتُ سابقاً إن الله تعالى ذكر لنا في القرآن على لسان حضرة إبراهيم عليه السلام أنه ذمّ أولئك الذين جعلوا لِـلَّهِ شريكاً وعاندوا توحيد الله دون برهان ولا دليل، وفي الوقت ذاته أثنى على إبراهيم لأنه أطاح بأساس عبادة الأصنام وحطّم معابدها بقوة الدليل والبرهان، فقال تعالى عقب بيان الأدلة التي أقامها إبراهيم لإبطال عقيدة المشركين: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ [الأنعام:83].

وقد اعتبر القرآن ملة إبراهيم، أي تلك الملة التي تأسست بفضل القوة القاهرة للبرهان والدليل، أفضل ملل الدنيا فقال: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴾ [النساء:125].

وعرّف حضرة الرسول الأكرم دينه بأنه دين إبراهيم فقال: ﴿ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [الأنعام:161].

وأمرنا باتِّباع تلك الملّة الحنيفة والطريقة القويمة لإبراهيم التي هي في الحقيقة ِشريعة البرهان والحجة فقال: ﴿ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [آل عمران:95].

لقد اتَّضح لنا تماماً من كل ما سبق أن الإسلام دِين «العقل» و«الفكر» ودِين «العلم» و«الحكمة» وشريعة «البرهان»، فهو الدِّين الذي ارتكزت حقائقه الشامخة على قاعدتي «العقل» و«العلم» المتينتين وطُرحت تعاليمه المتقنة على أسس «الحِكْمَةَ» و«البرهان»، ولا شك أن تصديق مثل هذا الدين سيقع على عاتق العقلاء والعلماء لذلك يقول القرآن الكريم: ﴿ وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ [سبأ:6].

فلا ينبغي أن نغتمَّ ونتحسَّر لكون الناس الجهلاء ينظرون إلى هذا الدِّين بعدم مبالاة ويحرمون أنفسهم بشكل كامل من نعمة هذا الدين ويتيهون في أودية خطرة من الضلال، لأن هذا «الدِّين» إنما يخاطب من كان له قلبٌ واعِ وعينٌ بصيرةٌ وأذنٌ سامعةٌ واعيةٌ، وفي النهاية يخاطب من كان عالماً حكيماً؛ ولا يخاطب من خُتم على سمعه وقلبه بختم الجهل والغرور وغشّت على بصره أغشية الجهل والتعصب المظلمة: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [البقرة:6-7].

والقرآن كما يقول عن ذاته: ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ [البقرة:2-3]، هدايةٌ للمتّقين الذين حرَّرُوا أنفسهم من قيود التعصُّب والتقليد الجاهل وغير ذلك من الحُجُبِ التي تحجب الحقيقة عن العقل وتوجَّهُوا بفكرٍ حُرٍّ إلى آيات الآفاق والأنفس في صفحة الكون الواسعة فآمنوا بغيب الأشياء وباطنها، أو كما يقول محيي الشريعة النبوية حضرة الإمام «جعفر بن محمد»: إن القرآن هدايةٌ لمن صان نفسه من غَلَبة الجهل والسفاهة، وبكلمةٍ مختصرةٍ: إن القرآنَ هدايةٌ للأشخاص الذين فتحوا أعينهم وآذانهم واستخدموا قواهم العقلية، وفي النهاية وجدوا حياةً جديدةً في نور «العلم»، إنه هدايةٌ وإرشادٌ لهؤلاء فقط، أما الذين حجبوا عقولهم بِحُجُبٍ كثيرةٍ وعجزوا عن أن يَخْطُوا خطوةً فوق المحسوس والظاهر، الذين سيطر عليهم شيطان الجهل فَغَدَوُا سادرين في الغيِّ منغمسين في الجهل والغرور، فصاروا كالموتى الراقدين بلا شعور في القبور، هؤلاء لا يتوجه إليهم القرآن والإسلام، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [النمل:80-81].

هذه هي قيمة «العلم» ومنزلة «العلماء» في الإسلام، والآن لنرى كيف كان موقف الكنيسة من العلم وكيف تصرّف رجال الكنيسة والقساوسة دينيَّاً مع العلماء؟؟

 

+                     +                    +

 


 

الكنيسة والعلم

بعد ظهور المسيحية في العالم شكَّلت «الكنيسة» مجامع عديدة بأسامي مختلفة ومن جملتها:

1- مجمع باسم «المجلس Council»، يتألف من عدد من الأساقفة يعيِّنهم البابا تنحصر وظيفتهم في تفسير الإنجيل والتوراة واستخراج العقائد والأحكام منهما، إذْ إنَّ الكنيسة لم تكن تعتقد بأن فهم الكتاب المقدَّس متاحٌ لعامَّة الناس، وتعتقد من الناحية الأخرى أن أحكام الدين يتم الحصول عليها عن طريق التفسير، لذا شكَّلَت ذلك المجمع لتحقيق ذلك الهدف.

وكانت الأحكام التي تخرج من تلك المجامع من خلال تفسير الإنجيل والتوراة تتوافق تماماً مع مصالح القساوسة! ونتيجةً لذلك ازدهرت الكنيسة ووصل مقام رجالها ونفوذهم إلى حدِّ تدخّلهم في جميع شؤون المملكة، حتى أن النجباء والأشراف كانوا يدخلون بكل افتخار في خدمة الأمور الدينية ويصيرون أعضاءَ في الكنيسة لأجل كسب المنزلة والمقام وتحصيل المنافع المادية، كما كانوا يلجؤون لأجل الحصول على الولاية على الأملاك الوَقْفِيَّة إلى أساليب ملتوية أدناها الرشوة، وباختصار كانوا يلتحقون بالكنيسة ويصيرون من رجالها ليتمكنوا من تأمين معيشتهم ولو في ظل ارتكاب كل نوع من الظلم والإجرام.

2- وأوجدت الكنيسة مجمعاً آخر باسم «كاسيون دولينديكس» وظيفته تفتيش الكتب الضالة والمحرَّمة من وجهة نظر الكنيسة الكاثوليكية وإصدار دليل أو فهرس بها يمنع قراءتها وبيعها وتداولها دون أخذ موافقة مسبقة من رجل الكنيسة تحت طائلة الملاحقة والحَرْم الكَنَسِيّ، وقد وصل عمل أعضاء هذا المجمع الجاهل إلى حدّ اعتبار جميع الكتب العلمية والفلسفية في عداد الكتب الضالّة والمحرَّمة التي تشكل خطراً على الإيمان والأخلاق ويجب إحراقها بالنار!!!

هذا علاوة على أن الكنيسة كانت تمسك بكتّاب وقرّاء تلك الكتب المحرَّمة -بعد تكفيرهم- وتُنْزِلُ بهم صنوف العذاب ثم تعدمهم بصور بشعة: مثل تقطيعهم إرباً إرباً أو حرقهم أحياء! ولو رجعنا إلى تاريخ الأدب الفرنسي لرأينا أن كثيراً من كتب الفلاسفة الكبار صارت طعمةً للحريق نتيجةً لتلك الملاحقات(18).

3- وأنشأت ثالثاً «محاكم التفتيش» التي عُهِدَ إليها بمهمَّة تفتيش عقائد الناس، وقد أُنشئت هذه المحاكم خلال فترة الحروب الصليبية ثم أُلغيت ثم أُعيد إقرارها على إثْرِ إجراءات البابا في جميع الممالك الكاثوليكية (19).

كان تشكيل تلك المحاكم الدينية في الحقيقة جريمةً من أكبر الجرائم في حق العالم المتمدّن والبشرية، لأنها أدت إلى قتل آلاف الناس بجرم اتّباعهم لأصول الإصلاح والبروتستانتية بشكل مفجع!

يقول أحد الكتّاب الإنجليز: [قام «أُولْوَا» وزير الملك «فيليب الثاني» ملك إسبانيا(20) مستعيناً بمحاكم التفتيش المقدسة بقتل ثمانمائة شخص تحت التعذيب خلال أسبوع. وكانت جريمة المقتولين أمران: الأول اتّباعهم لأصول البروتستانتية؛ والثاني الغنى والتمكُّن المالي!(21)

وكان «أُولْوَا» هذا يفتخر في نهاية السنة السادسة لثورته أنه خنق أكثر من 18 ألف شخص من بني جنسه وأغرقهم في الماء أو أحرقهم أحياء أو قطع رؤوسهم!(22)

وقد ألقى أعضاء محكمة التفتيش في إسبانيا في ليلة واحدة 800 شخص من البروتستانت في الحبس وكانوا كلَّما أمسكوا أشخاصاً من تلك الفرقة أودعوهم السجن ثم أحرقوهم، وكان هذا الأمر جارياً في معظم مدن إسبانيا!].

ويقول الكاتب المذكور: [إن شارع...(أحد أزقّة لندن) كثيراً ما كانت تشتعلُ فيه النيرانُ وترتفع فيه ألسنةُ اللهب نتيجة إحراق البروتستانت!](23).

ويقول الدكتور «آرنولد»: [كانت سجون قصر البابا في الفاتيكان إحدى أعجب الأشياء التي رأيتها في عمري. لقد كانت أسطحة الزنازين لا تزال سوداء من أثر دخان النار التي كان يتم تعذيب الأشخاص وحرقهم حتى الموت بها، وإذا تم فتح النافذة الصغيرة المطلة على الغرف السفلية ونظر أحدٌ من خلالها لرأى آثار دماء الشهداء والمساكين الذين كان «جوردن» يرميهم من فوق إلى تلك الغرف السفلية عام 1791م. كانت مشاهدةُ تلك الآثار التي تحكي لنا قصة شكلين من أشكال الشرّ والإجرام البشري مشاهدةً مخيفةً ومُرْوِعَةً!](24).

والأهم من ذلك هو أن المظالم والجرائم التي كانت تلك المحاكم الدينية تُنْزِلها بالعلم والعلماء والتي لوَّثت صفحات تاريخ أمة المسيح بوصمة عار لا تُمحى، وصلت إلى حدّ أن كل من كان يعبِّر عن رأي جديد في مسألة علميّة أو أخلاقيّة أو اجتماعيّة خلافاً لما تراه الكنيسة كان يتعرّض للاعتقال والتعذيب، الأمر الذي حال دون تجرّؤ العلماء على السير في اكتشافاتهم في مجال العلوم والرياضيّات والطبيعة خوفاً من أن يظنّ بهم مأمورو محاكم التفتيش ظنّ السوء فينزلون بهم أنواع العذاب، فكانت تلك المحاكم في الحقيقة مذابح للرجال العلماء أصحاب الإحساس والفكر الحرّ!...

لقد قاموا بحرق «برنو» في روما بسبب إماطته الستار عن خطأ الفلسفة الكاذبة الرائجة في عصره! كما كانوا يحرقون أتباع «كوبرنيكُس» عالم الفلك الكبير بتهمة الكفر! كما رموا بالسجن عالم الرياضيات والطبيعة الإيطالي المشهور «غاليليو» الذي قال بحركة الأرض حول الشمس! وأجبروا ذلك العالم الكبير على أن يجثو راكعاً على ركبتيه وهو في سن السبعين من عمره ويُنكر اكتشافه العظيم! فضلاً عن أنهم اعتبروا جميع كتبه في عداد الكتب المحرَّمة والممنوعة!(25).

وكفّروا «كيبرل» عالم الرياضيات الألماني المعروف لـِمَا أظهره من اعتقادات بشأن استحالة الجوهر، واعتبروا كتابه الموسوم بـ(تلخيص علم فلك كوبرنيكُس) في روما من الكتب المحرّمة والممنوعة وحبسوا أمّه التي كان عمرها 72 عاماً بجرم السحر، ثم حكموا عليها بالحرق، ولما سمع «كيبرل» بالخبر سافر فوراً إلى مسقط رأسه لعلّه ينقذ أمّه من الحرق! ولكنه لم يكد يصل حتى رأى نسخ التقاويم التي كان قد كتبها لأجل عام 1624 قد انتشرت بين الملأ العام وكان الناس يحرقونها ووضعوا الشمع الأحمر على مكتبته ثم نتيجة للفتنة التي وقعت أُجبر على الهجرة من وطنه فاستقر في مدينة «سيكان» وتُوفي فيها نتيجة مرض دماغي عرض له بسبب مطالعاته الكثيرة(26).

وضربوا «بارتيلي» لأنه قال أن النجوم لا تسقط!

وحاكموا «كامبانلا» 27 مرة لأنه كان يرى أن الأجرام السماوية غير محدودة! وعذبوا «هارو» بشدة بجرم قوله بدوران الدم في بدن الإنسان.

وكفّروا «كولومبوس» مكتشف أمريكا لاعتقاده أن شكل الأرض كرويٌّ وأن المحيط الخارج عن العالم القديم آنذاك ليس كلُّه بحراً بل لا بدّ أن تكون فيه يابسة في النهاية، فكفّروه ثم حبسوه بهذا الجرم! ثم شكّلوا له محكمة في إسبانيا بأمر ملكها وأوعزوا إلى «سلمنكا» أحد عقلائهم بمطالعة ودراسة خريطة سفر كولومبوس واُحْضِرَ هو أيضاً أثناء ذلك، فاعتبره رجال الدين أحمقاً وأهانوه وطردوه من مجلسهم لأنهم كانوا يعتبرون أن الأرض مسطَّحةً وأنه لو صحَّ أنَّ في ذلك الطرف من المحيط أرضٌ جديدةٌ يعيش عليها البشر، فإن ذلك سيعني بنظرهم خطأ عقيدة أن جميع الناس من نسل آدم! ثم بعد اكتشاف أمريكا قبضوا على كولومبوس وكأنه رجل مجرم وكبلوه بالسلاسل وأرسلوه مغلولاً في السفينة إلى إسبانيا، وفي وسط الطريق تأثر «ويلكو» الضابط المسؤول عنه وفك الأغلال عن رقبته فقال له كولومبوس: لا، لا تفعل بل يجب أن احتفظ بهذه الأغلال ذكرى لخدماتي التي قدمتها! وكان ابن كولومبوس يقول: كنتُ أرى تلك السلسلة في غرفة أبي حتى أنه أوصى أن تُدفن معه عندما تُوفي!(27).

واعتبروا «مونتانييه» زنديقاً لانتهاكه الأخلاق و«موليير» كافراً لانتهاكه الدين والأخلاق أيضاً(28).

وأما «جاندارك» تلك الفتاة الفرنسية القروية الغيورة التي أنقذت مملكة فرنسا بطريقة عجيبة بعد أن احتلها الإنجليز في عهد الملك «شارل السابع» وأعادت للمَلِكِ تاجَه الذي سُلب منه، فقد كافأها رجال محاكم التفتيش بأن اعتبروا أن عملها المحيِّر ذاك دليلٌ على أن روحَ شيطانٍ قد حلّت بها، وأنها في الحقيقة ساحرة! فحكموا بإعدامها حرقاً وهي حيَّة!

ولا يسعنا في هذا الكتاب أن نشرح كل الفجائع والفضائح التي ارتكبتها الكنيسة ضدّ كلّ من كان يُبرِزُ رأياً أو عقيدةً خارج فهم أعضاء الكنيسة، وضدَّ كلِّ من لا يستسلم استسلاماً أعمى لخرافاتها!

وكما يقول الكاتب الفرنسي «فيكتور هوغو» في تصريحه ضد قانون «فالر» في كانون الثاني (يناير) 1850م: [إن هذا الحزب (أي أعضاء الكنيسة) وقف في مواجهة الحقيقة وجعل من الجهل والاشتباه حاميين كبيرين له، إن هذا الحزب جعل الناس محدودين ضمن تلك الأصول الاعتقادية التي كان يؤمن بها وحَجَرَ على علم البشر وذكائهم وتفكيرهم أن يخطوا خطوة وراءَها! وكُلُّ خطوةٍ خطاها العقل والذكاء في أوربا إنّما تمت رغماً عن ذلك الحزب. إن تاريخ ذلك الحزب كُتب في تاريخ تطور الإنسان بشكل معكوس، لقد كان ضدَّ كلِّ شيء..](29).

ويقول أحد العلماء المنصفين في الغرب: [إن الرقيِّ الحالي للشعوب الغربية مدينٌ في الحقيقة لأتباع محمد صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ وليس لأمّة المسيح، لأن الكتاب الذي بين أيدي المسلمين (القرآن) هو الذي أدَّى إلى كلّ هذا الترقِّي والتقدُّم، لا الكتاب المقدّس الذي يدعو البشر للعزلة والرهبانية، بل هو (أي الكتاب المقدس) سبب الانحطاط، الذي ابتُلي به المسلمون حالياً!].

 

+                     +                    +


 

الإسلام عدو التقليد الأعمى والتعصّب الجاهل

لا يخفى على أحد أن التفكير بالعاقبة والمآل والتفريق بين الحق والباطل والتمييز بين الخير والشرّ وبين الحَسَن والقبيح بطريق العقل والعلم من الخصائص التي تميِّز الإنسان عن سائر الحيوانات، وفي الوقت ذاته تُعتَبَر من العوامل المهمّة للرقيّ الماديّ والمعنويّ للإنسان، ومن الواضح أن القيام بتلك الأمور مرتبطٌ بإعمال العقل واستخدام قِوَاه، ولكن ينبغي أن نعلم أن أكثر ما يحجز قوى العقل عن العمل ويحفظها بحالة ركود وتوقف، وفي النهاية يسلب من الإنسان تلك المزايا الإنسانية هو مرض «التقليد الأعمى والتعصب الجاهل»، ذلك أنَّ الذين يقلِّدون عقائد وأخلاق وأعمال الآخرين في حياتهم تقليداً أعمى ويتَّكِئون في جميع شؤون حياتهم المادية والمعنوية على غيرهم ولا يتخيّلون وجود حقيقة في الدنيا خارج عادات وتقاليد أسلافهم أو أقرانهم، ويقضون على حسّ المحاكمة وقوة التمييز لديهم، ظانين أن سلوك الناس المعاصرين واعتقاداتهم هي ملاك صحة كل شيء، مثل هؤلاء لا يحتاجون إلا قليلاً إلى قواهم العقلية لأنهم لا يعتمدون أساساً على أنفسهم حتى يُعمِلوا النظر في شؤون حياتهم، كما أن الناس الذين يراوحون مكانهم بسبب تعصّبهم وغرورهم لا يهتمون بكل ما يجري في الدنيا حولهم لأنهم يقتصرون على الأخلاق التي ورثوها عن آبائهم أو التي انتقلت إليهم عن طريق تأثير البيئة والتربية الأُسَرِيَّة، فلا يرون أي مزيّة للآخرين، مثل هؤلاء الناس لن يشعروا في حياتهم بأيِّ حاجةٍ إلى إعمال قواهم العقلية بسبب ضعف نفوسهم واقتصارهم على المحافظة على عادات آبائهم وعقائدهم القديمة.

لا شكّ أن القوى العقلية والملكات الذهنية لأمثال أولئك الأقوام تبدأ - بعد بقائهم مدّة من الزمن على تلك الحال - بالضعف والاضمحلال تدريجياً، وفي النهاية يبقون في المراحل البدائية للحياة ويعيشون حياةً أشبه بحياة البهائم، وذلك مثل وضع هنود أميركا وأهالي الأسكيمو وأقوام أستراليا الأصليين وبعض القبائل في أدغال أفريقيا الذين لا يزالون يعيشون حالة التوحش البدائية بسبب محافظتهم على عادات وعقائد آبائهم، ولو أن هؤلاء أعملوا قواهم العقلية في شؤون حياتهم مثل سائر الأقوام المتحضّرين في الدنيا لما بقوا على وضعهم الحالي.

والخلاصة إن الأقوام الذين يسيطر عليهم التقليد الأعمى والتعصُّب الجاهل لِـما ورثوه عن آبائهم لا يستطيعون التفكير الصحيح نتيجة عدم اعتمادهم على قواهم العقلية وبالتالي يُحرمون من التطوُّر، وليس هذا فحسب بل يفقدون تدريجياً ملكاتهم وأهليتهم الذاتية ويبقون في حالة انحطاط وتأخّر؛ وكما يقول علماء الاجتماع: [كما تتطور ذرات الأجسام وموادها الأولية بفضل قانون الحركة المتواصلة وتتحول إلى صور متنوعة من الأجسام هي التي نراها اليوم، كذلك تتطور مواد جسم المجتمع البشري أي أفراد المجتمع طبقاً لناموس الحركة ذاك وتتحول إلى صور أكثر تقدماً] أي تخرج من حالة التوحُّش والهمجيّة إلى حالة متمدّنة أكثر جمالاً، ولا شك أنها ستترقى في المستقبل إلى وضع أعلى وأكمل أيضاً، أما لو جمدت أقوام الدنيا على عاداتها وعلى تقاليد آبائها القديمة وقلّدت أبناء نحلتها تقليداً أعمى لما وصلت إلى واحد من ألف من الرقي والتطور الحالي الذي وصلت إليه.

إذن تبين أن أكبر آفة من آفات العقل الإنساني وأهم عامل يُبعد الإنسان عن مراحل الإنسانية هو «التقليد الأعمى والتعصُّب الجاهل»، كما توصل علماء الاجتماع بعد تتبُّع كثير إلى قاعدة كلّيّة تقول: [إن قوة درجة روح التقليد تتناسب عكساً مع قوة العقل والإرادة]، فمثلاً الحيوانات، لا سيما تلك التي تشبه الإنسان كـ«الشامبانزي» و«الغوريلا»، رغم أنها تعيش حياةً اجتماعيةً بصورة قطعان كقطعان الخرفان والغزلان... هي في المرتبة الأولى من ناحية التقليد والجمود، ويأتي بعدها في الدرجة القبائل المتوحشة، ثم يأتي في الدرجة الثالثة الأطفال والنساء والرجال عصبيو المزاج وضعيفو النفس(30). إلى أن يصل الأمر إلى الإنسان الراقي الذي يسيطر عقلُه على عواطفه وتكون روح التقليد الأعمى والجمود الفكري لديه ضعيفةً جداً ويحكمه بدلاً من ذلك ناموس الاقتباس (أي التقليد العاقل والواعي) الذي يُعتبر من أول علامات اكتمال العقل ومن أهم وسائل الرقي والتطور كما يقول القرآن الكريم: ﴿ فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾ [الزمر:17-18]، فهذا المعنى يشير إلى كمال قوة العقل وأن أصحاب العقل هم فقط الأشخاص الذين يحكمهم ناموس الاقتباس الواعي، أي لا يقتصرون في انتباههم إلى ما حولهم على عادات وتقاليد آبائهم وأجدادهم تعصباً وجموداً على وضعهم، كما لا يجعلون قلوبهم محلاً ينعكس فيه كل شيء مهما كان منحطاً أو سيئاً، بل يفتحون أعينهم وآذانهم تجاه كل الحركات والأصوات في الدنيا فما يجدونه حسناً وصالحاً يختارونه بكل تعقل وفهم ثم يتِّبِعونه.

 في الحقيقة تركنا جانباً جميع آيات الأخلاق الفردية والاجتماعية في القرآن الكريم، ولم يكن لدينا إلا هذه الآية القصيرة الأخيرة لكانت وحدها كافية لتحقيق سعادة أفراد البشر المادية والمعنوية، لأننا لو لاحظنا بدقة تاريخ تمدّن الإنسان لرأينا أن جميع أنواع الرقيّ الماديّ والمعنوي لعالم اليوم مرتبطة بمفاد ذلك الأمر المقدّس الذي تأمرنا به تلك الآية. فهذا التعليم من أهم تعاليم الرقيّ بمستوى العيش ومن أفضل طرق تربية الأفكار، إنه تعليم ينقذنا من التقليد الأعمى والعصبية الجاهلة التي هي سبب كل انحطاط وشقاء ومصدر كثير من الآلام والنكبات وفي الوقت ذاته يعلّمنا الطريق المستقيم للاقتباس الصالح الذي هو أقصر الطرق لنيل السعادة الفردية والاجتماعية.

وبكلمة واحدة، لما كان الإسلام يريد إحداث ثورة فكرية في أعماق روح البشر ينتشلهم من خلالها من حالة الجمود وفقدان الحسّ ويضعهم فيها أقدامهم على جادّة الرقيّ والكمال، ولما كان هدف الإسلام وصول البشر إلى الكمال وهداية عقولهم إلى الكمالات المادية والمعنوية بتحريرها من القيود التي تكبّل حريتها، وكما يقول «جوستاف لوبون»: [لقد أراد الإسلام إيجاد حضارة جديدة في العالم من خلال ثورة فكرية ومعنوية شاملة]، وفي النهاية لما كان الإسلام يأخذ على عاتقه مهمة تأمين الخير والسعادة لكافة طبقات البشر إلى الأبد، فإنَّه اهتمَّ بكل جدّيّةٍ بهدم أسس التقليد الأعمى والعصبيّة الجاهليّة التي هي أكبر سدّ أمام سعادة البشر، وقد جاءت في ذلك - إضافة إلى هذه الآية وأمثالها من الآيات التي تتكلّم عن فضيلة العلم وحريّة التفكير-، آياتٌ عديدةٌ أخرى تذمُّ التقليدَ الأعمى والتعصُّب الجاهل كقوله تعالى:

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ ﴾ [البقرة:170]،

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ ﴾ [المائدة:104].

ففي هاتين الآيتين يذمُّ اللهُ تعالى أولئك الذين رفضوا اتّباع دعوة النبيّ الأكرم (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) لاتِّباعهم ما وجدوا عليه آباءَهم وتقليدهم سنَّةَ أجدادهم.

وقال تعالى أيضاً: ﴿ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف:28]، ففي هذه الآية ذمَّ اللهُ سبحانه الذين يجعلون أعمال آبائهم القبيحة ملاكاً لحسن كل شيء ثم ينسبون إلى الله كل عمل قبيح يأتون به بسبب ذلك التقليد!

ويقول الحق تعالى في موضع آخر: ﴿ وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ * وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ﴾ [الزخرف:20-23].

فنلاحظ كيف يوبِّخ اللهُ تعالى بشدّة أولئك الذين كانوا يعبدون الملائكة لا لشيء إلا لأنهم وجدوا آباءَهم يفعلون ذلك فقلَّدوهم!

وهذه الآية الأخيرة، إضافةً إلى منعها التقليدَ الأعمى، تفيدنا معنىً آخر إذْ تُعَيِّنُ لنا ميزاناً محدَّداً في باب العقيدة حيث تقول: إن الذين كانوا يعبدون الملائكة لم يكونوا يملكون أي دليل صحيح أو برهان علمي على صحة عملهم، كما لم يكن لديهم أي كتاب سابقٍ منزّل من الله يتمسكون به في ذلك، بل كلُّ حجتهم اتّباعُهُم لطريقة آبائهم وحفظُهُم لآثار أجدادهم؛ وبالتالي فالآيةُ تبيِّن لنا أن منشأ كلِّ عقيدةٍ لا بدَّ أن يكون إما العلم اليقيني والبرهان القاطع أو الكتابُ السماوي المنزَّل من الله.

ويقول سبحانه كذلك: ﴿ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ * إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ * وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ ﴾ [الصافات:68-71]، ففي هذه الآيات يخبرنا الله بكلِّ وضوح أن مآل الذين يبقون أسرى التقليد الأعمى لعادات وتقاليد وعقائد آبائهم وأجدادهم يظلُّون مقيّدين بأغلال تقليدهم الأعمى وتعصّبهم الجاهل الذي يحبسهم في مستنقع الذلّ والضلال، مآلهم هو الجحيم وعذاب النار. أَجَل هذا هو مقتضى قاعدة: ﴿ وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء:72].

وهناك آيات أخرى في هذا الموضوع نجدها في قصة حضرة إبراهيم مع قومه في سورة الأنبياء (الآية 53) وسورة الشعراء (الآيات 70-83)، يمكن للقرّاء المحترمين أن يرجعوا إليها.

إذن اتَّضَحَ من مجموع كل آيات القرآن الكريم تلك التي أوردناها حول الترغيب بالعلم وبالتعقُّل وبحرية التفكير وحول أهميّة البرهان، وحول مذمّة التقليد والتعصّب؛ أن الإسلام هو دين العلم والعقل والفكر والبرهان، وأنّ الإسلام مضادٌّ بكل معنى الكلمة للتقليد الأعمى والتعصّب واتّباع الظنّ، وبالتالي لا بد على المسلمين أن يتسلّحوا دائماً بسلاح العلم والبرهان، وأن يمتلكوا الاستقلال العقلي وحرية الفكر وقوّة التدبُّر، وأنّ على المسلمين أن يعتمدوا على أنفسهم وعلى الاقتباس الواعي لِـما هو صالح، وأنْ يجتنبوا بشدّة طرق الإفراط والتفريط ويحفظوا التعادل بين حياتهم المادية الجسمية وحياتهم الروحية المعنوية، ويجب عليهم أن يُبْقُوا عواطفهم تحت سيطرة العقل تماماً وأن يجتنبوا بشدَّةٍ اتّباع الظنون والأوهام ويبتعدوا عن التقليد الأعمى والتعصُّب الجاهل، وبالتالي فيجب على المسلم - خاصَّة في أمور العقيدة وما يتعلق بالإيمان -أن يبذل أقصى جهده في تتبع الحقيقة والاجتهاد للوصول للحق، وبكلمة مختصرة يجب على المسلم أن يكون متديناً بشكل حقيقيٍّ واعٍ بدين الإسلام الحنيف!

إذا عرفنا أن العقل يحكم بداهةً بحرمة التقليد واتّباع الظن، وأنَّ القرآن الكريم كذلك يحرّم بكل صراحة التقليد الأعمى واتّباع الظنون -لاسيما في الأمور الاعتقاديّة- آن الأوان أن نأتي بآراء وأقوال جماعة من كبار الفقهاء والمجتهدين من الشيعة الإثني عشريّة حول هذه المسألة كي لا يظن القارئ أننا منفردون فيما أوردناه في هذا المجال:

يقول المرحوم الشيخ «مرتضى الأنصاري» أعلى الله مقامه في مبحث «حجية الظن» من كتابه الأصولي «الرسائل»، عند بحثه مسألة (اعتبار الظن في أصول الدين) في الصفحة 169 (31) ما نصه: [إن مسائل أصول الدين -وهي التي لا يُطْلَبُ فيها أولاً وبالذات إلا الاعتقاد باطناً والتديُّن ظاهراً وإن ترتَّب على وجوب ذلك بعض الآثار العَمَليّة- على قسمين: أحدهما: ما يجب على المكلَّف الاعتقاد والتديُّن به غير مشروط بحصول العلم كالمعارف الخمسة (أي التوحيد والعدل والمعاد والنبوة والإمامة)، لأن الاعتقاد بها واجبٌ مطلقاً، فيكون تحصيل العلم بها (من ناحية وجوبه) من مقدمات الواجب المطلق، فيجب. (والقِسْم) الثاني: ما يجب الاعتقاد والتديُّن به إذا اتّفق حصول العلم به، كبعض تفاصيل المعارف (الخمسة).

أمّا (هذا القِسْم) الثاني، فحيث كان المفروض عدم وجوب تحصيل المعرفة العلميّة، كان الأقوى القول بعدم وجوب العمل فيه بالظن لو فُرِضَ حصوله، ووجوب التوقُّف فيه، للأخبار الكثيرة الناهية عن القول بغير علم والآمرة بالتوقف(32)، وأنه: "إذا جاءكم ما تعلمون فقولوا به، وإذا جاءكم ما لا تعلمون فها. وأهوى بيده إلى فيه"(33). ولا فرق في ذلك بين أن تكون الأمارة الواردة في تلك المسألة خبراً صحيحاً أو غيره. قال شيخنا الشهيد الثاني في «المقاصد العليّة» - بعد ذكر أن المعرفة بتفاصيل البرزخ والمعاد غير لازمة -: [وأما ما ورد عنه (صلى الله عليه وآله) في ذلك من طريق الآحاد فلا يجب التصديق به مطلقاً وإن كان طريقه صحيحاً، لأن خبر الواحد ظنيٌّ، وقد اختلف في جواز العمل به في الأحكام الشرعية الظنية، فكيف بالأحكام الاعتقادية العِلْمِيَّة](34)، انتهى. وظاهر الشيخ (الطوسي) في (كتابه) العُدَّة: أنَّ عدم جواز التعويل في أصول الدين على أخبار الآحاد اتفاقيٌّ إلا عن بعض غفلة أصحاب الحديث(35). وظاهر المحكيِّ في السرائر عن السيد المرتضى عدم الخلاف فيه أصلاً(36). وهو مقتضى كلام كلّ من قال بعدم اعتبار أخبار الآحاد في أصول الفقه(37])(38).

وبعد بيان الشيخ الأنصاري لطريق تميُّز هذا القسم الثاني وبيان عدم اعتبار الظن في الاعتقاد بتفاصيل المعارف الخمسة لأصول الإسلام، وبعد أن نَقَلَ روايات كثيرةً توافق هذا المدَّعى، وصل أخيراً في الصفحة 174 إلى القول: [وأما القسم الأول الذي يجب فيه النظر لتحصيل الاعتقاد، فالكلام فيه يقع تارة بالنسبة إلى القادر على تحصيل العلم وأخرى بالنسبة إلى العاجز، فهنا مقامان: الأول: في القادر والكلام في جواز عمله بالظن يقع في موضعين: الأول: في حكمه التكليفيّ. والثاني: في حكمه الوضعيّ من حيث الإيمان وعدمه، فنقول: أما حكمه التكليفي، فلا ينبغي التأمل في عدم جواز اقتصاره على العمل بالظن، فمن ظنَّ بنبوّة نبيّنا محمّد صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ أو بإمامة أحد من الأئمّة صلوات الله عليهم فلا يجوز له الاقتصار، فيجب عليه - مع التفطّن لهذه المسألة - زيادة النظر، ويجب على العلماء أمره بزيادة النظر ليحصل له العلم إن لم يخافوا عليه الوقوع في خلاف الحق، لأنه حينئذ يدخل في قسم العاجز عن تحصيل العلم بالحقّ، فإن بقاءه على الظنّ بالحق أولى من رجوعه إلى الشك أو الظن بالباطل، فضلاً عن العلم به. والدليل على ما ذكرنا: جميع الآيات والأخبار الدالة على وجوب الإيمان والعلم والتفقُّه والمعرفة والتصديق والإقرار والشهادة والتديُّن وعدم الرخصة في الجهل والشكّ ومتابعة الظنّ، وهي أكثر من أن تُحصى. وأما الموضع الثاني: فالأقوى فيه - بل المتعيِّن - الحكم بعدم الإيمان، للأخبار المفسرة للإيمان بالإقرار والشهادة والتديُّن والمعرفة وغير ذلك من العبائر الظاهرة في العلم] إلى آخر كلامه الشريف رحمه الله(39).

ويقول المرحوم الشهيد الثاني في (الصفحة 3) (40)من كتابه «حقائق الإيمان»: [«تعريف الإيمان الشرعي»: وأما الإيمان الشرعي: فقد اختلفت في بيان حقيقته العبارات بحسب اختلاف الاعتبارات. وبيان ذلك: أن الإيمان شرعاً: إما أن يكون من أفعال القلوب فقط، أو من أفعال الجوارح فقط، أو منهما معاً. فإن كان الأول، فهو التصديق بالقلب فقط، وهو مذهب «الأشاعرة» وجمع من متقدّمي الإماميّة ومتأخّريهم، ومنهم المحقّق الطوسي رحمه الله في فصوله(41)، لكن اختلفوا في معنى التصديق، فقال أصحابنا: هو العلم. وقال «الأشعريّة»: هو التصديق النفساني، وعنوا به أنه عبارة عن ربط القلب على ما علم من أخبار المخبر، فهو أمر كسبيٌّ يَثْبُتُ باختيار المصدِّق، ولذا يُثاب عليه بخلاف العلم والمعرفة، فإنها ربما تحصل بلا كسب، كما في الضروريات. وقد ذكر حاصل ذلك بعض المحققين، فقال: التصديق هو أن تنسب باختيارك الصدق إلى المخبر، حتى لو وقع ذلك في القلب من غير اختيار لم يكن تصديقاً وإن كان معرفةً، وسنبين إنشاء الله تعالى [قصور] ذلك. وإن كان الثاني، فإمّا أن يكون عبارة عن التلفظ بالشهادتين فقط، وهو مذهب «الكرّامية»، أو عن جميع أفعال الجوارح من الطاعات بأسرها فرضاً ونفلاً، وهو مذهب «الخوارج» وقدماء «المعتزلة» و«الغلاة» و«القاضي عبد الجبار». أو عن جميعها من الواجبات وترك المحظورات دون النوافل، وهو مذهب «أبي علي الجبائي» وابنه «أبي هاشم» وأكثر معتزلة البصرة. وإن كان الثالث، فهو: إما أن يكون عبارة عن أفعال القلوب مع جميع أفعال الجوارح من الطاعات، وهو قول المحدِّثين وجمع من السلف كابن مجاهد وغيره فإنهم قالوا: إن الإيمان تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان](42).

وبعد بيانه لأدلة المذاهب المذكورة يقول في الصفحة 6:

[اعلم أن العلماء أطبقوا على وجوب معرفة الله تعالى بالنظر، وأنها لا تحصل بالتقليد، إلا من شذَّ منهم، كعبد الله بن الحسن العنبري والحشوية والتعليمية، حيث ذهبوا إلى جواز التقليد في العقائد الأصولية، كوجود الصانع وما يجب له ويمتنع، والنبوّة، والعدل وغيرها، بل ذهب إلى وجوبه](43)

ثم يقول في الصفحة 57 في باب وجوب معرفة أصول الدين الخمسة:

[الأصل الثالث (التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله) وبجميع ما جاء به تفصيلاً فيما علم تفصيلاً، وإجمالاً فيما علم إجمالاً. وليس بعيداً أن يكون التصديق الإجمالي بجميع ما جاء به عليه السلام كافياً في تحقق الإيمان، وإن كان المكلّف قادراً على «العلم» بذلك تفصيلاً، يجب «العلم» بتفاصيل ما جاء به من الشرائع للعمل به. وأما تفصيل ما أخبر به من أحوال المبدأ والمعاد، كالتكليف بالعبادات، والسؤال في القبر وعذابه، والمعاد الجسماني، والحساب والصراط، والجنّة، والنار، والميزان، وتطاير الكتب، مما ثبت مجيئه به تواتراً، فهل التصديق بتفاصيله معتبرة في تحقق الإيمان؟ صرّح باعتباره جمعٌ من العلماء. والظاهر أن التصديق به إجمالاً كاف، بمعنى إن المكلَّف لو اعتقد حقّية كل ما أخبر به عليه السلام، بحيث كلّما ثَبَتَ عنده جزئيٌّ منها صدَّق به تفصيلاً كان مؤمناً.](44).

ويقول المرحوم «الشيخ الطبرسي» صاحب «تفسير مجمع البيان» في الصفحة 59 ذيل تفسيره لقوله تعالى: ﴿ ولا تقف ما ليس لك به علم ﴾ [الإسراء:٣٦]، بعد نقله لأقوال «ابن عباس» و«قتادة» و«محمد بن حنفية»: [والأصل أنه عامٌّ في كلِّ قول، وفعل، أو عزم، يكون على غير علم، فكأنَّه سبحانه قال: لا تَقُلْ إلا ما تعلم أنه مما يجوز أن يُقال، ولا تفعل إلا ما تعلم أنه مما يجوز أن يُفْعَلَ، ولا تعتقد إلا ما تعلم أنه مما يجوز أن يُعْتَقَدَ. وقد استدلَّ جماعةٌ من أصحابنا بهذا على أن العمل بالقياس، وبخبر الواحد غير جائز، لأنهما لا يوجبان «العلم»، وقد نهى الله سبحانه عن اتباع ما هو غير معلوم](45).

فتبيَّن ولِـلَّهِ الحمد أننا لسنا وحيدين في هذا الأمر، وظهر بكل وضوح من النصوص التي ذكرناها، أن التقليد واتباع الظنّ، خاصّة في أمور العقيدة، ممنوعٌ ومحرّمٌ يقيناً وبكلِّ تأكيد، وأن ميزان المسلمين في مجال العقيدة هو الأدلّة العلميّة اليقينيّة فقط، والتي هي العقل السليم والقرآن الكريم والسيرة والسنة المتواترة والمسلّمة لنبي الإسلام والأئمّة الكرام عليهم السلام، أي أنه على المسلم في الدرجة الأولى أن يُحَرِّرَ عقلَه من تأثير وسيطرة الأوهام والعادات وتقاليد الآباء والأجداد وتأثير بيئته المحيطة، ثمَّ عليه أن يضع نصب عينيه القرآن الكريم وسنة النبيّ والأئمّة وسيرتهم القطعيّة فيتخذها نبراساً ويطابق جميع أفعاله القلبية والظاهرية وحالاته الروحية والجسمية على تلك الموازين المتقنة، لا أن يضع على عنقه طوق تقليد الآباء والأقران أو يتّبع كل خبر وحديث دون النظر إلى ثبوته ومعرفة حقيقة مصدره ويتبيَّن أي ملحدٍ افتراه واخترعه، وبالنهاية يجعل دماغه مركزاً للأباطيل والخرافات.

وحقِّا إنِّي لَـمُتَحَيِّرٌ فيما أسمِّي به هذه الطريقة التي يتَّبِعُها إخوتي في الدين؟! فهم في الأصول الأولية للدين (مقلّدون للأب والأم)، وفي سائر الاعتقادات (أخباريون) وفي الأحكام العملية والفرعية (أصوليون) وفي العبادات (واصلون للحق) وفي الكسل والبطالة والتخيلات (متَّبعون لفلسفة الفناء في الله الهندية) وفي الأعمال الموافقة لهوى النفس (محبُّو عليّ!) وفي التعبُّد بالسنن وحفظ النواميس الإلهية (أعداء أهل بيت محمّد!) ومع كل تلك العناوين يطلقون على أنفسهم عنوان شيعة عليٍّ وأتباعَ المذهب الجعفري.

و يا للأسف! «عليٌّ أمير المؤمنين» صاحب كل ذلك الزهد والتقوى والشجاعة الممزوجة بالعفّة، وصاحب روح البسالة المقترنة بالعلم والحكمة، وصاحب كل ذلك الاهتمام بالفقراء والضعفاء والقلق لحالهم، عليُّ الذي تحمل كل تلك الأتعاب والمشقات في طريق تحطيم أصنام الظلم والجهل ومحو الأوهام والخرافات، وصاحب كلّ تلك الخدمات التي تحيِّر العقول التي بذلها في سبيل نشر حقائق الإسلام في عالم البشرية والتي قدّم في النهاية روحه فداءً لذلك الهدف، أهكذا تكون طريقة اتِّباعه والتشيُّع له؟!.

و«جعفر بن محمد» الذي كان يجلس بكل رحابة صدر ويناقش الماديين ويأتي على أُسُس المادية فيدحضها، والذي كان يصرف جميع أوقاته الشريفة في نشر معارف الإسلام حتى أنه ربَّى وعلَّم قُرابةَ 4000 تلميذ(46) كان من جملتهم عالم الكيمياء الشهير جابر بن حيان الطرسوسي الذي لا تزال كتاباته تدرس في المجامع العلمية الكبرى في الدنيا الذي تخرج من مدرسته(47)، أليس من المخجل لنا أن ننسب أنفسنا مع هذا الجهل والبعد عن العلم الذي فينا إلى ذلك الإمام؟!

حقاً لا توجد مصيبة يعسر تحملها أكثر مما نراه اليوم من اضطرار العلماء النابهين المحققين في معارف الإسلام إلى العزلة، في حين يتولى هذا الأمر الخطير (أي نشر معارف الإسلام) رجال جاهلون حتى وصل الأمر إلى أن يحتلّ منابر رسول الله في المجتمعات الإسلامية أشخاص ليس لهم نصيب من العلم أكثر من معرفة القراءة والكتابة وينسبون بكل جرأة كل حديث باطل وهراء إلى النبيّ والأئمة المعصومين عليهم السلام ويفرضونها على أذهان الناس المساكين!

وليت شعري! كيف لا يكون بمقدور شخص أن يصدر حكمه وفتواه بشأن أخبار «النجاسة والطهارة» إلا بعد أن يصرف عمره في تحصيل علوم مختلفة وبعد أن ينال مقام الاجتهاد الشامخ الذي هو أصعب -حسب قول المرحوم الشيخ مرتضى الأنصاري- من الجهاد، ويصبح قادراً على تمييز صحيح الأخبار من سقيمها وعلى إبداء الرأي في مدلولاتها والاستنباط الصحيح منها، أما عندما يتعلَّق الأمر بالأخبار والأحاديث المتعلِّقة بأمور العقيدة التي مدارها على العلم واليقين فقط، فَيُكْـتَفى في فهمها والاستنباط منها بمعرفة بسيطة باللغة الفارسية؟؟ هذا مع وجود كل تلك الأخبار الموضوعة في الأمور الغيبيّة والعقائديّة التي افتراها الوضّاعون بدوافع مختلفة منذ صدر الإسلام وحتى اليوم (التي سنذكر لكم بعضها عن قريب) والتي لا تشكِّل الأخبار التي وضعت في الأحكام الفرعية بالنسبة إليها واحداً من ألف، كما أن الغموض الموجود فيها (أي في الأخبار المتعلقة بالغيبيات والأمور العقائدية) لا يوجد مثله في أخبار الفروع!.

وباختصار فإن التقليد واتّباع الظن أو العمل بالأدلة الظنية من قبيل خبر الآحاد (حتى ولو كان صحيح السند) أو الإجماع المنقول، أو أي دليل لا يفيد العلم لا يجوز بل يحرم ويمنع في جميع المسائل الاعتقادية سواء كانت أصول الدين الخمسة أو أي أمر مرتبط بالعقيدة.

ولأجل رفع سوء التفاهم نرى من الضروري التذكير بنقطة هامة: مشهورٌ بين الشيعة أن على العوام الذين لا يستطيعون الاجتهاد في المسائل الفرعية أن يقلِّدوا المجتهدين في الفقه، لذا فقد يستشكل البعض ويقول: أوليس التقليد ممنوعاً في الإسلام وحراماً؟ ونقول في الإجابة عن ذلك: إننا لو دققنا قليلاً في هذا الأمر لعلمنا أن هذا المعنى ليس في الحقيقة تقليداً بل هو عبارة عن اتباع للعالم وخضوع لعلمه، كما يعتقد علماء الإمامية الكبار بأن التقليد في الأحكام العمليّة هو من باب رجوع الجاهل إلى العالم، وهذا الأمر من الأمور الفطرية البديهية والارتكازية لدى البشر، وهذا ما يقرره بصراحة المرحوم «الآخوند الخراساني» في كتابه «الكفاية» حيث يقول:

[ثم إنه لا يذهب عليك أن جواز التقليد ورجوع الجاهل إلى العالم في الجملة، يكون بديهياً جبلياً فطرياً لا يحتاج إلى دليل، وإلا لزم سد باب العلم به على العامي مطلقاً غالباً، لعجزه عن معرفة ما دلَّ عليه كتاباً وسنّةً، ولا يجوز التقليد فيه أيضاً، وإلا لدار أو تسلسل، بل هذه هي العمدة في أدلته، وأغلب ما عداه قابلٌ للمناقشة..](48).

أي أنه لما كان إيجاب استنباط الأحكام العملية على كل فرد يؤدي إلى العسر والحرج ويؤدي بالنتيجة إلى اختلال نظام المجتمع لذا وجب أن يقوم أفراد في كل مجتمع بهذا الواجب ليتمكن الباقون من الرجوع إليهم، كما يُوجب حفظ نظام الاجتماع هذا المعنى ذاته بالنسبة إلى سائر العلوم والقوانين التي يحتاجها البشر في حياتهم.

 

+                     +                    +


 

مكانة الحديث وتاريخ تدوينه في الإسلام

السنة أو الحديث بشكل عام هي كل قول أو فعل أو تقرير للنبيِّ أو الأئمة المعصومين(49)، ولما كان الحديث يتضمّن بيان مجملات القرآن الكريم ويفصّل عموماته ومطلقاته ويبين جزءاً هاماً من أحكام الإسلام الفرعية كان ذا أهمية بالغة تتلو في الدرجة مرتبة القرآن الكريم، خاصة أن الحديث كان في صدر الإسلام في غاية الأهمية في نظر عامة المسلمين، فكان الصحابة والتابعون إذا أشكل عليهم فهم آية أو حكم من أحكام الإسلام يرجعون إلى تلك الأحاديث التي كانت في حوزة كل منهم حيث كان كلٌّ منهم يحفظ شيئاً منها قلّ أو كثر، ويستدلون بها، وكانت عنايتهم بالحديث كبيرةً إلى درجة أنهم لما تفرقوا على إثر خروجهم في الفتوحات الإسلامية، إلى مدن مختلفة، ولم يكن كلُّ واحد منهم بالطبع يحفظ جميع الأحاديث، كانوا يرحلون من مدينة إلى أخرى لسماع ما لا يعرفونه من الحديث فتجد أحدهم يرحل من دمشق أو الكوفة مثلاً، إلى بلدان أخرى كمكة أو المدينة أو مصر أو الري لكي يأخذ الحديث من الصحابة الآخرين الذين استقروا فيها، فمثلاً نجد جابر بن عبد الله الأنصاري لما سمع أن «عبد الله بن أُنيس الجهني» يعرف حديثاً عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ اشترى راحلة وانطلق بها إلى دمشق لا لشيء إلا ليسمع منه ذلك الحديث(50)، وباختصار كان مرجع مسلمي الصدر الأول في كلِّ أمر بعد القرآن الكريم الأحاديثُ النبويّةُ الشريفةُ.

ولكن بالنسبة إلى تاريخ تدوين الحديث ليس لدينا حتى اليوم أي مستند صحيح يثبت أن هذا التدوين بدأ بنحوٍ رسميٍّ في زمن حضرة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، ومن المسلّمات التاريخية التي لا ينكرها أحد أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ لم يتّخذ أشخاصاً معينين يأمرهم بجمع وتدوين أحاديثه كما فعل بالنسبة إلى تدوين آيات القرآن الكريم التي اتّخذ لأجلها جماعةً عُرفوا بـاسم «كتبة الوحي»، وليس من المعلوم أن يكون الصحابة قد أقدموا على جمع وتدوين الأحاديث من تلقاء أنفسهم، بل كما يُستفاد من بعض الأحاديث التي روتها كتب الشيعة والسنة مَنَعَ رسولُ الله صحابَتَه من فعل ذلك، كما يدل عليه الحديث الذي رُوي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [لَا تَكْتُبُوا عَنِّي وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلَا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ](51).

ويرى بعض علماء السلف أن سبب ذلك المنع كان الخشية من اختلاط الحديث بالقرآن.

نعم، يُستفاد من بعض الروايات كالحديث الذي نقله البخاري(52) والحديث الذي رُوي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن «عبد الله بن عمرو» واثنان أو ثلاثة من الصحابة الآخرين كانوا يكتبون كل ما يسمعونه من فم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ (53)، وعلى فرض صحة هذه الروايات فمن المسلّم به أن هذا الأمر لم يتّخذ في زمن حضرة النبيّ شكلاً رسميّاً عامّاً بل اقتصر على كتابة بعض الصحابة والتابعيين لمحفوظاتهم من الحديث في صحف خاصة بهم، والخلاصة أنه بعد رحلة النبي الأكرم صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ لم يكن لدى المسلمين سوى كتابٍ سماويٍّ مدوّنٍ واحدٍ ومجموعة من الأحاديث غير المدونة التي كان الصحابةُ يحفظها في صدورهم، وحتى الخلفاء (الراشدين) لم يأمر أيُّ أحدٍ منهم بجمع وتدوين الحديث بشكل رسمي بل ربما لم يكن ذلك الأمر ميسوراً لهم أساساً لأن عدد الصحابة الذين نقلوا الحديث عن حضرة النبي يصل إلى حدود (114000)(54) كانوا موزّعين في أطراف الأرض، وكان كلٌّ منهم يحفظ من الأحاديث ما لا يحفظه غيره، فكيف يمكن للخلفاء أن يجمعوا كل أولئك الأفراد في مكان واحد ويستمعوا منهم جميع الأحاديث التي كانوا يحفظونها ثم يدوِّنوها في كتاب جامع واحد؟! ولو فرضنا أن الخلفاء كانوا يستطيعون فعل ذلك، فإن بقية الصحابة الذين كان أغلبهم أمِّيَّاً وكانوا يكتفون - في حفظ ما يعرفونه - بالاعتماد على ذاكرتهم، يبدو من البعيد جداًَ أن يتمكّنوا من إحصاء كلّ ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فَعَله في مدة ثلاثةٍ وعشرين عاماً من بدء الوحي إلى الوفاة(55).

وباختصار لم يتم في القرن الهجري الأول جمع وتدوين الحديث بشكل رسمي منظَّم، وإذا قام بعضهم أحياناً بالتدوين، كان ما دوّنه أشبه بمذكّرات خاصّة به، لذا كان باب وضع الحديث مفتوحاً أمام الوضّاعين لأن الحديث لم يكن قد جُمِعَ ودُوّن بعد ولأن الحديث كان له أهمية بالغة يتلو بها مرتبة القرآن، وكان في النهاية مرجع المسلمين في جميع شؤونهم، لذا لما كان بعض الناس لا يجدون حديثاً يؤيّد مواقفهم في جميع اختلافاتهم السياسية والدينية والعلمية وجميع الخصومات الشخصية وغيرها كانوا يضعون الحديث لنصرة موقفهم أو مذهبهم، ولم يكن من السهل الانتباه إلى هذا الدسّ لأن الحديث كما قلنا لم يكن قد جُمِعَ ودُوّن وضُبط بعد، وزاد الطين بِلَّة أنه لما دخل في الإسلام أعدادٌ كثيرةٌ من شعوب البلدان المجاورة لبلاد العرب كالفرس والروم والبربر وأهل مصر والشام وغيرهم على إثر الفتوحات الإسلامية وعزّ على طوائف منهم أن يتخلَّوْا عن عاداتهم وتقاليدهم القديمة المألوفة، توسّلوا إلى حفظ عاداتهم وتقاليدهم بوضع أحاديث ودسّ أخبار في هذا الصدد ونَشْرِها بين الناس.

كما لجأت بعض الجماعات التي لم تدخل في الإسلام حقيقةً بل أسلمت ظاهراً خضوعاً لقوة المسلمين وسيطرة الإسلام، إلى تخريب الإسلام من داخله بوضع خرافات في قالب أحاديث نبوية، ونشرها وإشاعتها بين الناس. بل يدلُّ الحديثُ النبويُّ القائل: [أَيّهَا النَّاسُ! قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ الْكَذَّابَةُ فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ. ثُمَّ كُذِبَ عَلَيْهِ مِنْ بَعْدِهِ!](56) الذي رواه الشيعة والسنة، والذي يعتبره المرحوم الشهيد الثاني في كتابه «الدراية» من الأحاديث المتواترة، على أن عمليّة الوضع هذه قد بدأت وراجت منذ زمن باكر في زمن حياة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، إذ أنه من الواضح أن تلك الجملة لم تصدر عن حضرته إلا بعد وضع أحاديث كثيرة.

إلى أن بدأ جمع وتدوين الحديث تدريجيّاً بشكل رسميّ في القرن الثاني، ولكن هذا أيضاً لم يتمّ بأن يجتمع الجميع في مكان واحد ثم يدونوا جميع الأحاديث الصحيحة التي سمعوها من النبيّ أو شاهدوها بعد المداولات والمناقشات وتبادل الآراء ويضعوها بين أيدي الناس لكي يحولوا بذلك دون وضع الحديث، بل قام كل عالم في كل مدينة بتدوين ما سمعه من الصحابة وما اعتقد حسب فهمه أنه صحيح لا بل لم يراعِ بعضهم صحة وسقم ما يدوّنه بل قام بجمع كل ما وصل إليه.

وكما يقول المؤرخون وعلماء علم الرجال والدراية كانت الأصول الأربعمئة من أول الكتب الحديثية التي دُوّنت لدى الشيعة، في حين: [وجدت هذه النزعة إلى تدوين الحديث (لدى أهل السنة الجماعة) في أمصار مختلفة وفي عصور متقاربة، ففي مكة جمع الحديثَ ابن جُرَيج (الرومي الأصل) المتوفى نحو سنة 150 هـ، ولم يوثقه البخاري وقال: [إنه لا يُتَابَع في حديثه]، وفي المدينة محمد بن إسحق (151 هـ)، ومالك بن أَنس (179هـ)، وبالبصرة الربيع ابن صَبيح (160 هـ)، وسعيد بن أبي عَرُوبَة (156 هـ)، وحماد بن سَلَمة (176 هـ)، وبالكوفة سفيان الثوري (161 هـ)، وبالشام الأوزاعي (156 هـ)، وباليمن مَعْمَر (153 هـ)، وبخراسان ابن المبارك (181)، وبمصر الليث بن سعد (175 هـ)](57)

وكان أول من بدأ بكتابة الحديث من هؤلاء قبل الجميع - كما يقول ابن حجر في شرح البخاري - «ربيع بن صبيح» و«سعيد بن أبي عروبة»(58)، وفي رواية أخرى «ابن جُرَيْج»(59)، وفي قول آخر «مالك»(60).

وكان سند طريقة الشيعة إلى الحديث بعد الصحابة، الأئمة عليهم السلام، وسند طريقة أهل السنة والجماعة من أهل الحجاز مالك وأصحابه كالشافعي وأحمد بن حنبل، وسند أهل العراق أبو حنيفة وأتباعه(61).

والخلاصة لما لم يتم في هذا القرن عملٌ أساسيٌّ شاملٌ في جمع وتدوين الحديث بل قام كلُّ شخص في بلدته بجمع ما رآه صحيحاً طبق وجهة نظره، بقي باب وضع الحديث كما كان سابقاً مفتوحاً أمام الوضّاعين، فلم يَمْنَع ذلك التدوين للحديث من استمرار الوضاعين في وضعهم الحديث، وليس هذا فحسب بل قد شاع الوضع في هذه الفترة أكثر من ذي قبل، كما تدلُّ عليه رواياتٌ صحيحةٌ عديدةٌ من جملتها ما رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام من قوله: [إنّا أهل بيت صادقون لا نخلو من كذَّابٍ يكذب علينا فيَسْقُطُ صدقُنا بِكَذِبِه علينا عند الناس..](62)، أو قوله أيضاً: [لا تقبلوا علينا حديثاً إلا ما وافق القرآن والسنة أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدّمة، فإنَّ المغيرة بن سعيد - لعنه الله - دسَّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدِّث بها أبي! فاتقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا تعالى وسنة نبينا صلى الله عليه وآله، فإنّا إذا حدّثنا قلنا: قال الله عز وجل وقال رسول الله صَلَّى الله عليه وَآلِهِ وَسَلَّمَ](63).

وكذلك رُوي عن يونس أنه قال: [وافيتُ العراقَ فوجدتُ بها قطعةً من أصحاب أبي جعفر عليه السلام، ووجدتُ أصحابَ أبي عبد الله عليه السلام متوافرين فسمعتُ منهم وأخذتُ كُتُبَهُم، فعرضْتُها من بعد على أبي الحسن الرضا عليه السلام فأنكر منها أحاديث كثيرةً أن يكون من أحاديث أبي عبد الله عليه السلام وقال لي إن أبا الخطاب كذب على أبي عبد الله عليه السلام لعن الله أبا الخطاب! وكذلك أصحاب أبي الخطاب يدسُّون هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبد الله عليه السلام فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن](64).

وفي النهاية ظهر في القرن الهجري الثالث بين أهل السنة والجماعة المحدثون من أصحاب كتب الحديث الذين دوّنوا الكتب التي عُرفت فيما بعد بالصحاح الستة، فألَّف محمد بن إسماعيل البخاري المتوفى سنة 256 هـ الجامع الصحيح، وألَّف مسلم المتوفى سنة 261 هـ صحيحه، وفيه أُلِّفَتْ سنن ابن ماجه المتوفَّى سنة 273 هـ، وسنن أبي داود المتوفَّى سنة 275 هـ، وجامع الترمذي المتوفَّى سنة 279 هـ، وسنن النسائي المتوفَّى سنة 303 هـ، وهي التي تُسمَّى - عادةَ - الكتب الستَّة، والتي عُدَّت أصحّ كتب الحديث(65).

وفي القرن الهجري الرابع ظهر محدّثو الشيعة الذين دوّنوا كتب الحديث الأساسية وهم «محمد بن يعقوب الكُلَيْنيّ» (المتوفَّى 328 هـ) صاحب كتاب «الكافي» و«أبو جعفر محمد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القميّ» (المتوفَّى 381 هـ) صاحب كتاب «مدينة العلم» و«من لا يحضره الفقيه»، ثم ظهر بين الشيعة في القرن الهجري الخامس «أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسيّ» (المتوفَّى 460 هـ) صاحب كتابَي «التهذيب» و«الاستبصار»، جمع كل واحد من هؤلاء بقدر همّته ما وصله من الحديث ووضع كتابه بين أيدي الناس، وهذه الكتب المعروفة لدى الشيعة بالأصول الخمسة مأخوذة من الأصول الأربعمئة، ولكن تلك الكتب لم تكن حاويةً لجميع الحديث الصحيح ولا خاليةً من كل حديث ضعيف. ويمكن باختصار أن نُقَسِّم جميع محدثي الشيعة والسنة منذ بدء تدوين الحديث (أواسط القرن الهجري الثاني) وحتى أواخر القرن الحادي عشر، غير أولئك الذين كانوا يضعون الحديث ويكذبونه، من ناحية طريقتهم في نقل الحديث وتدوينه إلى أربع مجموعات:

1- أشخاص لم يكن هدفهم من تدوين الحديث انتخاب ما صحّ منه بل كان هدفهم جمع وكتابة كل ما كان متداولاً في عصرهم من الحديث بشكل عام وذلك مثل يحى بن معين الذي سُئل كم كتبت من الحديث فقال: كتبت بيدي هذه ستمائة ألف حديث... وخلَّف من الكتب - كما يقول ابن خلِّكان - مائة قمطر وثلاثين قمطراً وأربعة حباب شرابية مملوءة كتباً(66). واتَّبَع المرحوم المجلسي عليه الرحمة - الذي يُعدُّ من محدِّثي الإماميّة الكبار في القرن الحادي عشر - ذلك المنهج في تدوينه لكتابه «بحار الأنوار» الذي يشكّل في الواقع دائرة معارف أحاديث الشيعة تقريباً، فكان هدفه الجمع العام لكل الأحاديث والآثار المنقولة عن الأئمة الأطهار أو المنسوبة إليهم، لذا يمكن القول أنه ينتمي إلى هذه المجموعة الأولى من مدوني الحديث.

2- المجموعة الثانية رغم أن أصحابها قاموا بانتخاب ما يدوِّنونه من حديث إلا أنهم لم يلتزموا بالاقتصار على تدوين الحديث الصحيح فقط، ومن أمثال هؤلاء «أبو داود» و«أبو عيسى» و«النسائي» أصحاب صحاح العامة(67)، ومصنفي الأصول الخمسة من الشيعة، مثل «محمد بن يعقوب الكليني»، إذ المشهور أن مجموع أحاديث كتابه «الكافي» يبلغ حوالي 16199حديثاً رغم انه انتخبها من الأصول الأربعمئة، والصحيح منها حوالي «5070» حديثاً فقط.

3- المجموعة الثالثة (من مدوِّني الحديث) لم يكن هدفهم أثناء رواية الحديث ونقله أن يختاروا أحاديث معينة، ولكنهم التزموا أثناء تدوينهم للحديث أن لا يُدوِّنوا إلا ما يعتقدونه صحيحاً، وذلك مثل «مالك» رغم أنه روى آلاف الأحاديث غير أنه لم يصحّ عنده في كتابه «الموطّأ» سوى 300 حديث (نبوي)(68)، و«أحمد بن حنبل» الذي روى مليون حديث(69)، ولكن لم يدوّن في «مسنده» سوى 50000 حديث(70)، و«البخاري» اشتمل صحيحه على 9200 حديث منها 3000 مكرَّرة، دوَّنها من أصل 600000 حديث، و«مسلم» الذي استخرج أحاديث صحيحه من 300000 حديث مسموعة(71).

4- المجموعة الرابعة (من مدوِّني الحديث) -خلافاً للمجموعات التي سبقت- لم يكن لها اهتمامٌ كبير بالحديث لأنها كانت تستعمل، في أغلب الأحكام، القياسَ، لذا تشدَّدت في شروط صحّة الحديث وبالغت في الإقلال من روايته وهم أصحاب الرأي وشيخهم أبو حنيفة فلم يصح عنده إلا 17 حديثاً فقط(72).

 وبشكل عام بما أنه لم يتم تدوين الحديث أصلاً في القرن الأول، ثم لم يُهتَم بشكل جدي ومنظَّمٍ بجمعه وتدوينه بشكل جامع في القرون التالية، بقي باب وضع الحديث مفتوحاً أمام أعداء الإسلام والمنافقين، لاسيما الأشخاص المتعصِّبون لمذاهبهم وأصحاب الأهواء.

والآن حان الوقت لكي نذكُر باختصار الدوافع والدواعي لوضع الحديث:

 

+                     +                    +


 

الدوافع لوضع الحديث

1- النزاع حول الخلافة والخصومة السياسية:

 رغم أن الإسلام اهتمّ أكثر من أي شيء آخر بالوحدة الاجتماعية وجعل من أهم أهدافه إيجاد الاتحاد بين أتباعه، ونهاهم بشكل أكيد عن كل موجبات التفرقة وذكّرهم بمضارّ التنازع والاختلاف بذكره عدد من الشواهد التاريخية في القرآن الكريم؛ إلا أنه للأسف قبل أن يجفّ ماء غسل جثمان حضرة الرسول الأكرم صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، بدأ الاختلاف بين المسلمين حول خلافته صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ واشتعلت نار الفتنة التي فرّقت تلك الجماعة التي كان يجمعها جميعاً صبغة واحدة هي صبغة ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ ﴾ [آل عمران:19]، و﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات:10]، ونداء واحد هو نداء (لا إله إلا الله محمد رسول الله) فكانت جماعةً متحدةً متآخيةً أخوَّةً حميمةً تحت لواء الإسلام، فتفرّق أعضاؤها حتى وصل الأمر في عهد بني أمية إلى أن كل فرقة أصبحت ترى أن إزهاق أرواح الفرق الأخرى وإتلاف أموالها فريضةٌ دينيّةٌ واجبةٌ عليها! ولا زال المسلمون يَكْتَوُون بنار هذا الاختلاف حتى يومنا هذا!

أجل، إن الاختلاف بشأن الخلافة الذي سبَّب نشأة عديد من الفرق والأحزاب في الإسلام وخاصة تلك الخصومات بين الأمويين والعباسيين والفاطميين أدت إلى قيام بعض أتباع كل فرقة بوضع أحاديث في صالحها وفي ذم الفرق المخالفة وفيما يلي نذكر باختصار نماذج منها:

بعد أن أسكت أبو بكر مخالفيه بقراءته لحديث (الأئمّة من قريش) قام بعض أنصاره ممن عُرفوا باسم «البكريّة» بوضع أحاديث في فضله (وفي أن رسول الله عيَّنه خليفة له)، وهي أحاديث يعترف أهل السنة والجماعة بأنها من الأحاديث الموضوعة من ذلك:

- قال أنس [كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فجاء جاءٍ فاستفتح الباب، فقال: يا أنس! اخرج فانظر من هذا؟ فخرجت فإذا أبو بكر فرجعت فقلت: هذا أبو بكر يا رسول الله! فقال: ارجع فافتح له وبشِّرْهُ بالجنّة وأخبره بأنه الخليفة من بعدي ثم جاء جاءٍ إلى آخره في عمر وعثمان](73).

- [قال عليٌّ: أول من يدخل الجنة من هذه الأمة أبو بكر وعمر وإني لموقوف مع معاوية للحساب](74)

- وفي المقاصد [لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الناس لرجح إيمان أبي بكر](75)

- وفي الخلاصة [ما صبّ اللهُ في صدري شيئاً إلا وصببته في صدر أبي بكر](76)

- وفي المختصر [إنَّ الله يتجلّى للنّاس عامّة ولأبي بكر خاصّة].

- [كل مولود يولد يُذَرُّ على سُرَّتِهِ من تربته فإذا طال عمره ردَّه اللهُ إلى تربته التي خلقه منها وأنا وأبو بكر وعمر خُلِقْنَا من تربة واحدة وفيها ندفن].

- وفي الترمذي عن ابن عمر وعائشة [لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره].

- [إن لإبراهيم الخليل ولأبي بكر الصديق لِـحْيَةً في الجنّة!](77).

 وكذلك وضعوا أحاديث حول الخليفة الثاني (كما يذكر ذلك صاحب كتاب «تذكرة الموضوعات») منها:

- [لو لم أبعث فيكم لبعث عمر](78). [لو كان بعدي نبيٌّ لكان عمر بن الخطاب](79). [قال لي جبريل لِـيَـبْكِ الإسلامُ على موتِ عُمَر](80)

- الخلاصة [الحق مع عمر حيث كان](81) وكذا [عمر سراج أهل الجنة](82).

وحول الخليفة الثالث وضعوا أحاديث كذلك مثل:

- [إن لكل نبي خليلاً من أمته وإن خليلي عثمان](83)

- جابر [بينا نحن مع النبي صلى الله عليه وسلم قال: لينهض كل رجل كفأه فنهض النبي صلى الله عليه وسلم إلى عثمان فاعتنقه وقال له: أنت وليِّي في الدنيا والآخرة](84).

- وعن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء، إنَّما ولِيِّيَ اللهُ وصالحُ المؤمنين!](85).

وحول أم المؤمنين وضعوا: [خذوا شطر دينكم عن الحميراء](86).

و مما وضعوه حول «معاوية»:

- قال عليٌّ [بينا أنا جالس بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم أكتب إذ جاء معاوية فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم القلم من يدي فدفعه إلى معاوية فما وجدت في نفسي من ذلك إذ علمت أن الله أمره بذلك. فقال صلى الله عليه وسلم: أنت مني يا معاوية وأنا منك ولتزاحمني على باب الجنة كهاتين السبابة والوسطى] و[الأمناء سبعة اللوح والقلم وإسرافيل وميكائيل وجبرائيل ومحمد ومعاوية بن أبي سفيان] وعن العرباض: [اللهم علمه الكتاب] و[اللهم اجعله هادياً مهديّاً]، و[أوّل من يختصم من هذه الأمة بين يدي الرب عز وجل علي رضي الله عنه ومعاوية وأوّل من يدخل الجنة أبو بكر وعمر] فيه أبو حمدان كذاب(87).

وفي مقابل ذلك قام «الغلاة»: أي أولئك الأشخاص الجهلاء ذاتهم الذين جرحوا قلب عليٍّ أمير المؤمنين وأولاده الأطهار أكثر من أيّ أحد آخر ولطّخوا تاريخ «الشيعة»، بوضع سلسلة من الخرافات بقالب أحاديث نسبوها إلى الذوات المقدّسة لعليٍّ وسائر الأئمّة، وأثبتوا في تلك الأحاديث الموضوعة كثيراً من الصفات الخاصة بالله تعالى وكثيراً من معجزات النبيّ لعليٍّ والأئمّة من ولده، وأثبتوا لهم «الرَّجْعَة» و«التناسخ» وأشياء أخرى لا أساس لها في الإسلام! ومن جملة ذلك الخطب التي نسبوها إلى عليّ مثل «خطبة البيان» و«الخطبة التَّطْنَجِيَّة» التي نضع بعض عباراتها أمام القرّاء الكرام لأنها تتضمن أغلب مقالات الغلاة وأساطيرهم:

 [أنا الذي عندي مفاتيح الغيب لا يعلمها بعد محمَّد غيري، أنا بكل شيء عليم... أنا ذو القرنين المذكور في الصحف الأولى] إلى أن يقول: [أنا الذي أتولى حساب الخلائق، أنا اللوح المحفوظ، أنا مقلب القلوب والأبصار، إن إلينا إيابهم ثم علينا حسابهم] إلى أن يقول:[أنا فتاح الأسباب، أنا منشئ السحاب الثقال... أنا مورق الأشجار، أنا مفجر العيون]، إلى أن يقول: [أنا دابة الأرض أنا الراجعة..... أنا أول ما خلق الله حجة... أنا مخرج المؤمنين من القبور، أنا صاحب نوح ومنجيه، أنا صاحب أيوب المبتلى ومنجيه، أنا صاحب يونس، أنا أقمت السموات السبع، أنا الغفور الرحيم، وإن عذابي هو العذاب الأليم](88).

[أنا الذي أسلم أبي إبراهيم الخليل، أنا عصا الكليم، أنا الذي نظرت في عالم الملكوت فلم أجد غيري شيئاً.... أنا بعثتُ النبيين والمرسلين، أنا الذي أرسيتُ الجبال وبسطت الأرضين، أنا مخرج العيون ومنبت الزرع، ومسمع الرعد، ومشرق البرق، أنا مضيء الشمس ومطلع القمر، أنا الذي أقوم الساعة، أنا الذي إن أُمِتُّ لم أمُت، وإن قُتِلت لم أُقْتَل، أنا الذي قال رسول الله أنا وعليٌّ من نور واحد، أنا أهلكت الجبارين والفراعنة المتقدمين بسيفي ذو الفقار، أنا الذي حملت نوحاً في السفينة، أنا الذي أنجيت إبراهيم من نار نمرود، أنا صاحب موسى وخضر ومعلِّمهما، أنا منشئ الملكوت في الكون، أنا الباري المصور في الأرحام، أنا الذي أبرى الأكمه والأبرص، أنا البعوضة التي ضرب الله بها مثلاً، أنا الذي كسوت العظام لحماً.... أنا الذي رُدَّتْ إليَّ الشمسُ مرتين، أنا الذي أنشر الأولين والآخرين...... أنا صاحب القرون الأولى، أنا أحيى وأميت وأنا أخلق وأرزق أنا السميع العليم، أنا البصير، أنا المتكلم على لسان عيسى في المهد، أنا يوسف الصدِّيق، أنا العذاب الأعظم، أنا الذي يصلي في آخر الزمان عيسى خلفي، أنا الآخرة والأولى، أنا أُبدِئُ وأعيد، أنا فرع من فروع زيتون، أنا الذي أرى أعمال العباد، لا يعزب عني شيء في الأرض ولا في السماء، أنا الذي أُقْتَل قتلتين وأُحْيَى مرّتين وأظهرُ كيف شئت، أنا المذكور في سالف الزمان والخارج في آخر الزمان، أنا معذِّبُ الجبت والطاغوت.... أنا محمّدٌ المصطفى وعليٌّ المرتضى كما قال رسول الله عليٌّ منِّي وأنا منه](89).

إنَّ جُمَل تلك الخطبة تدلُّ بشكل عام على ثلاثة أمور:

1- إثبات صفاتِ اللهِ تعالى وأفعاله لعليٍّ، مثل جُمَل: (أنا أقمت السموات السبع)، (أنا بعثتُ النبيين)، (أنا بسطت الأرَضين)، (أنا أقوم الساعة)، (أنا أحيي وأميت وأنا أخلق وأرزق)، و(أنا البارئ المصور في الأرحام)، (وأنا أُبدئ وأعيد).

2- إثبات «التناسخ» و«الحلول» المستفاد من كلمات مثل: (أنا ذو القرنين، أنا عصا الكليم، أنا المتكلم عن لسان عيسى في المهد، أنا يوسف الصدّيق، أنا أظهر كيف شئت، أنا محمد المصطفى).

3- إثبات «الرَّجْعَة» المستفادة من عبارة (أنا الذي أُقْتَل قتلتين وأُحْيَى مرتين، أنا الخالد في آخر الزمان).

وهذه العقائد الثلاثة من بدع فرق «الغُلاة» من الشيعة، والشيعة الإمامية الاثني عشرية منزّهون من تلك العقائد ويبرؤون بشدة من تلك المقولات، ولكن نتيجةً لتلك الخطب وأمثالها من الخطب والأحاديث المتضمّنة لتلك الأمور الثلاثة وبسبب غفلة محدثي الشيعة الإمامية الاثني عشرية مع الأسف، اختلطت هذه الخطب بأحاديث الإمامية وسرت العقائد المستنبطة منها إلى أذهان عوام الشيعة بشكل تدريجي، وبدأ بعضهم يعتبر «الرجعة» من العقائد الدينية، في حين أنها كلها من وضع الغلاة!

ولأجل توضيح هذه النقطة بشكل كامل أرى لزاماً عليّ أن أذكر عقائد عدد من فرق الغُلاة الرئيسة مع مراعاة الاختصار:

(الغُلاة): [هم الذين غالوا في حق أئمتهم حتى أخرجوهم من حدود الخليقية، وحكموا فيهم بأحكام الإلهية؛ فربما شبَّهوا واحداً من الأئمة بالإله،و ربما شبَّهوا الإله بالخلق. وهم على طرفي الغلوّ والتقصير. وإنما نشأت شبهاتهم من مذاهب الحلولية، ومذاهب التناسخية، ومذاهب اليهود والنصارى؛ إذ اليهود شبَّهت الخالق بالخلق، والنصارى شبَّهت الخلق بالخالق. فَسَرَت هذه الشبهات في أذهان الشيعة الغلاة؛ حتى حكمت بأحكام الإلهية في حق بعض الأئمة. وكان التشبيه بالأصل والوضع في الشيعة وإنما عادت إلى بعض أهل السنة بعد ذلك، وتمكّن الاعتزال فيهم؛ لما رأوا أن ذلك أقرب إلى المعقول، وأبعد من التشبيه والحلول. وبدع الغلاة محصورة في أربع: التشبيه، والبداء، والرجعة، والتناسخ](90).

وينقسم الغلاة إلى أصناف أولهم -كما يقول الشهرستاني-:

السبئية» أصحاب عبد الله بن سبأ؛ الذي قال لعليٍّ كرَّم الله وجهه: أنت أنت يعني: أنت الإله!؛ فنفاه إلى المدائن. زعموا: أنه كان يهودياً فأسلم؛ وكان في اليهودية يقول في يوشع بن نون وصيُّ موسى عليهما السلام مثل ما قال في علي رضي الله عنه. وهو أوّل من أظهر القول بالنص بإمامة عليٍّ رضي الله عنه. ومنه انشعبت أصناف الغلاة. وزعم أن علياً حي لم يمت؛ ففيه الجزء الإلهي؛ ولا يجوز أن يستولي عليه، وهو الذي يجيء في السحاب، والرعد صوته، والبرق تبسمه: وأنه سينزل إلى الأرض بعد ذلك؛ فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً. وإنما أظهر ابن سبأ هذه المقالة بعد انتقال علي رضي الله عنه.](91).

ويقول «أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي» -وهو من كبار متكلِّمي الشيعة الإمامية- في كتابه «فِرَق الشيعة»: [وحكى جماعة من أهل العالم: أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم ووالى علياً، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصي موسى بهذه المقالة، فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) في عليٍّ بمثل ذلك.](92).

والخلاصة بقي عبد الله بن سبأ هذا ينشر دعوته مدة من الزمن في البصرة والكوفة ومصر واجتمعت عليه جماعة عُرفوا باسم «السـبئية» كانوا - كما يقول الشهرستاني: [..أول فرقة قالت بالتوقف، والغيبة، والرجعة؛ وقالت بتناسخ الجزء الإلهي في الأئمة بعد علي رضي الله عنه](93).

العلبائية» أصحاب: العلباء بن ذراع الدوسي؛ وقال قوم: هو الأسدي. وكان يفضل علياً على النبي صلى الله عليه وسلم، وزعم أنه الذي بعث محمداً؛ يعني علياً، وسماه إلهاً. وكان يقول بذم محمد، وزعم أنه بعث ليدعو إلى علي فدعا إلى نفسه. ويسمون هذه الفرقة: الذمية.

ومنهم من قال بإلهيتهما جميعاً ويقدمون علياً في أحكام إلهية، ويسمونهم: العينية.

ومنهم من قال: بإلهيتهما جميعاً، ويفضلون محمداً في الإلهية ويسمونهم: الميمية.

ومنهم من قال بالإلهية لجملة أشخاص أصحاب الكساء: محمد، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين. وقالوا خمستهم شيء واحد، والروح حالة فيهم بالسوية، لا فضل لواحد منهم على الآخر؛ وكرهوا أن يقولوا: فاطمة بالتأنيث؛ بل قالوا: فاطم؛ بلا هاء](94)

«الكيسانية» وهم عدة فرق يُنْسَبون جميعاً - بشكل عام - إلى المختار بن أبي عبيدة الثقفي الذي كان يلقَّب بـ«كيسان». ويقول «النوبختي» في وصف فرقهم ومقالاتهم:

[وفرقةٌ (أي من الكيسانية) قالت أنَّ محمَّدَ بن الحنفية حيٌّ لم يَمُتْ، وأنه مقيم بجبال رضوي بين مكة والمدنية تغذوه الآرام تغدو عليه وتروح فيشرب من ألبانها ويأكل من لحومها وعن يمينه أسد وعن يساره أسد، يحفظانه إلى أوان خروجه ومجيئه وقيامه، وقال بعضهم: عن يمنيه أسد وعن يساره نمر، وهو عندهم الإمام المنتظر الذي بشر به النبي صلى الله عليه وآله أنه يملأ الأرض عدلاً وقسطاً فثبتوا على ذلك حتى فنوا وانقرضوا إلا قليلاً من أبنائهم وهم إحدى فرق الكيسانية](95).

[وقالت «الكيسانية» يرجع الناس في أجسامهم التي كانوا فيها ويرجع محمد صلى الله عليه وآله وجميع النبيين فيؤمنون به ويرجع علي بن أبي طالب فيقتل معاوية بن أبي سفيان وآل أبي سفيان ويهدم دمشق ويغرق البصرة](96).

[وفرقةٌ (أي من الكيسانية) قالت أن محمد بن الحنفية هو المهدي سماه علي عليه السلام مهدياً لم يمت ولا يموت ولا يجوز ذلك ولكنه غاب ولا يدري أين هو وسيرجع ويملك الأرض ولا إمام بعد غيبته إلى رجوعه وهم أصحاب «ابن كرب» ويسمون «الكربية» وكان «حمزة بن عمارة البربري»(97) منهم، وكان من أهل المدينة ففارقهم وادّعى أنه نبيٌّ وأن محمد بن الحنفية هو الله عز وجل -تعالى عن ذلك علواً كبيراً - وأن حمزة هو الإمام وأنه ينزل عليه سبعة أسباب من السماء فيفتح بهن الأرض ويملكها، فتبعه على ذلك ناس من أهل المدينة وأهل الكوفة فلعنه أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين عليه السلام وبرئ من كذبه وبرئت منه الشيعة فاتّبعه على رأيه رجلان من نهد يقال لأحدهما (صائد) (98) وللآخر (بيان) (99) فكان بيان تبّاناً يتبن التبن بالكوفة ثم ادّعى أن محمّد بن علي بن الحسين أوصى إليه، وأخذه خالد بن عبد الله القسري هو وخمسة عشر رجلاً من أصحابه فشدهم بأطنان القضيب وصبَّ عليهم النفط في مسجد الكوفة وألهب فيهم النار فافلت منهم رجل فخرج بنفسه ثم التفت فرأى أصحابه تأخذهم النار فكرَّ راجعاً إلى أن ألقى نفسه في النار فاحترق معهم!، وكان حمزة بن عمارة نكح ابنته وأحل جميع المحارم وقال من عرف الإمام فليصنع ما شاء فلا إثم عليه، فأصحاب «بن كرب» أصحاب «صائد» وأصحاب «بيان» ينتظرون رجوعهم ورجوع أصحابه ويزعمون أن محمد بن الحنفية يظهر بنفسه بعد الاستتار عن خلقه،ينزل إلى الدنيا ويكون أمير المؤمنين وهذه آخرتهم](100).

وكما يقول «السيد مرتضى» في كتابه «تبصرة العوام في معرفة مقالات الأنام»: [كل فرق الكيسانية كافرة في نظر الإمامية](101).

«الخطابية»: [أصحاب: أبي الخطاب محمد بن أبي زينب الأسدي الأجدع مولى بني أسد، وهو الذي عزا نفسه إلى أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه، فلما وقف الصادق على غلوه الباطل في حقه: تبرأ منه ولعنه، وأمر أصحابه بالبراءة منه، وشدد القول في ذلكن وبالغ في التبري منه، واللعن إليه؛ فلما اعتزل عنه ادعى الإمامة لنفسه.

زعم أبو الخطاب: أن الأئمة أنبياء ثم آلهة، وقال بإلهية جعفر بن محمد وإلهية آبائه رضي الله عنهم؛ وهم أبناء الله وأحباؤه. والإلهية نور في النبوة، والنبوة نور في الأمانة، ولا يخلو العالم من هذه الآثار والأنوار وزعم أن جعفراً هو الإله في زمانه، وليس هو المحسوس الذي يرونه؛ ولكن لما نزل إلى هذا العالم: لبس تلك الصورة فرآه الناس فيها.](102)

وقال «النوبختي» واصفاً مقالات أصحاب «أبي الخطاب»(103):

[وأما أصحاب «أبي الخطاب محمد بن أبي زينب الأجدع الأسدي» ومن قال بقولهم فإنهم افترقوا لما بلغهم أن أبا عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام لعنه وبريء منه ومن أصحابه فصاروا أربع فرق وكان (أبو الخطاب) يدّعى أن أبا عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام جعله قيّمه ووصيّه من بعده وعلّمه اسم الله الأعظم ثم ترقى إلى أن أدعى النبوة ثم أدعى الرسالة ثم أدعى أنه من الملائكة وأنه رسول الله إلى أهل الأرض والحجة عليهم.

(ففرقة) منهم قالت أن أبا عبد الله جعفر بن محمد هو الله عز وجل وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً - وأن (الخطاب) نبي مرسل أرسله جعفر وأمر بطاعته وأحلُّوا المحارم من الزنا والسرقة وشرب الخمر وتركوا الزكاة والصلاة والصيام والحج وأباحوا الشهوات بعضهم لبعض وقالوا من سأله أخوه ليشهد له على مخالفيه فليصدقه ويشهد له فإن ذلك فرض عليه واجب، وجعلوا الفرائض رجالاً سموهم والفواحش والمعاصي رجالاً وتأولوا على ما استحلوا قول الله عز وجل: ﴿ يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ﴾ [النساء:28] وقالوا خفف عنا بأبي الخطاب ووضع عنا الأغلال يعنون الصلاة والزكاة والصيام والحج فمن عرف الرسول النبي الإمام فليصنع ما أحبّ](104).

وقد تتعجب أيها القارئ العزيز كيف أمكن لمثل ذلك الوضع أن يسود بين المسلمين وبين الشيعة بالذات؟! فلا تتعجب من ذلك لأنك لو تأملت قليلاً لرأيت أن شبيه تلك المقالات بل عينها منتشرة بيننا أيضاً وتوجد في كتبنا كذلك.

ففي كتاب «زاد المعاد» (للمجلسي) رواية مضمونها أن القلم يُرفع عن شيعة علي في ثلاث ليال من ربيع الأول (عيد الزهراء!) أي يمكنهم ارتكاب كل منكر في تلك الليالي!

وفي كتاب «بحار الأنوار» حديثٌ معروفٌ باسم «النورانية» فسّر آية ﴿ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ ﴾ [الحج:41]، بأن الصلاة والزكاة عليٌّ عليه السلام!، وفسّر آية ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ﴾ [البقرة:45]، بأن الصبر هنا هو رسول الله! والصلاة هنا أمير المؤمنين!، وفسّر آية ﴿ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ [العنكبوت:45]، بأن الصلاةَ هنا عليٌّ والفحشاءَ والمنكرَ الشيخان!

أليس مفاد هذه الرواية ورواية: [نحن الصلوة ونحن الزكوة ونحن صوم شهر رمضان] المروية في كتاب «بصائر الدرجات»(105) عن الإمام الصادق هو بذاته مفاد تلك المقالات الباطلة الفاسدة لأبي الخطاب الذي كان يقول أن ما جاء في القرآن من واجب وحلال أو حرام إنما هو أسماء أشخاص؟ ألم تلاحظوا كيف أنه في كتاب «آيات الولاية»(106) أُوِّلَت سدس آيات القرآن تقريباً -ألف آية- استناداً إلى عدة أحاديث موضوعة أو تأويلات باردة جداً، بولاية وفضائل أمير المؤمنين؟ وبمقتضى تلك الروايات اعتُبر البعوض والنحل والجَمَل أيضاً من ألقاب ذاته المقدسة؟! ألم تشاهدوا ذلك في تفسير آية ﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾ [البقرة:26]، وآية: ﴿ أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾ [الغاشية:17]، بأن المقصود من البعوضة والإبل فيها -استناداً إلى عدد من الروايات- عليّ عليه السلام؟! أولم تعلموا على أيِّ أساس أُلِّفَ كتاب «فصل الخطاب في تحريف الكتاب»؟ أليس أنه لما أراد مؤلفه أن يُثبت فضائل لعليّ والأئمة الأطهار، جَمَد على مجموعة من الروايات الموضوعة وقام، بشكل أعمى، بزلزلة أركان الإسلام وتلطيخ مقام القرآن الكريم؟!!! سبحان الله! هل كان عليٌّ وأولاده عليهم السلام مجهولي الحال إلى تلك الدرجة حتى يتوسل الإنسان إلى التعريف بهم بمثل تلك الوسائل الفاضحة؟ أليس من المخجل التشبُّث بمثل تلك الروايات التي لا تؤدّي إلا إلى إضعاف وإهانة تلك الذوات المقدسة وزلزلة مقام القرآن الكريم لأجل إثبات ولايتهم وفضائلهم؟!

ولكن رغم ذلك يمكننا القول إن الأشخاص الذين دوّنوا ونشروا أمثال تلك الروايات والأحاديث ليس عليهم ذنب كبير، فماذا يفعلون؟ من جهة كان منهجهم وعادتهم أن لا يدقِّقُوا في الروايات كثيراً إلا إذا كانت تتعلق بالفرائض وما هو واجب أو محرّم! ومن جهة أخرى كانت تلك الأخبار بشكل عام توافق عواطفهم، والخروج من تحت تأثير العاطفة صعبٌ جداً عادةً، كما أن مقتضيات بيئتهم وعصرهم كانت تفرض إشاعة مثل تلك الأخبار، لذا مع أخذ تلك الأمور بعين الاعتبار لا ينبغي الاعتراض عليهم إذا قاموا بجمع وتدوين مثل تلك الأحاديث.

 إذن أصبح معلوماً أن أساس ومرتكز عقائد تلك الفرق الغالية هو: [التشبيه والتناسخ والرجعة]، وأما سائر عقائد فرق «الغُلاة» فيخرج شرحها عن مهمة هذا الكتاب ومن أراد الاطلاع الكامل على عقائد جميع فرق «الغُلاة» من الشيعة فليرجع إلى كتاب «فِرَق الشيعة» للنوبختي.

إذن أصبح معلوماً الآن أن «الرجعة» من عقائد «الغُلاة». فلنر الآن هل كان لدى الشيعة الاثني عشرية مثل تلك العقيدة أم لا؟ لأنه من الممكن أن تشترك فرق الغلاة مع الشيعة الاثني عشرية في هذه العقيدة، كما هو حال أغلب فرق ومذاهب العالم التي مهما اختلفت لا بد أن تشترك في موضوع أو أكثر من الموضوعات.

ونقول في الإجابة عن ذلك: إن فرقة الاثني عشرية كانت في البداية مبرّاة ومنزّهة تماماً عن القول بمثل هذه المقالة، لأن جميع كتّاب كتب الملل والنحل الذين سجّلوا ووثّقوا عقائد جميع فرق الإسلام بكل حياديّة، اعتبروا جميعاً عقيدة «الرجعة» من عقائد «الغلاة»، في حين أنهم عندما يصلون إلى شرح عقائد فرقة الاثني عشرية ويبيّنون جميع اعتقاداتهم ما كانوا يذكرون «الرجعةَ» من ضمنها، فمثلاً عبد الكريم الشهرستاني (المتوفى سنة 548هـ) في كتابه «الملل والنحل»، وابن حزم الأندلسي (المتوفى سنة 456هـ) في كتابه «الفِصَل في الملل والأهواء والنحل»، اعتبرا «الرجعة» من عقائد الغلاة -والأمر ذاته يُستفاد من الأخبار المنقولة في كتاب بحار الأنوار-، ولمّا وصلا إلى بيان جميع عقائد «الاثني عشرية» لم يذكرا من ضمنها أبداً شيئاً اسمه «الرجعة».

وكذلك اعتبر عبد الرحمن بن الجوزي (المتوفى 597هـ) في (ص22) من كتابه «تلبيس إبليس»: «الرجعيَّةَ» فرقةً خاصّةً من فرق الشيعة الغلاة وقال: [..والرجعية زعموا أن علياً وأصحابه يرجعون إلى الدنيا وينتقمون من أعدائهم]، ولكنه لما وصل لذكر عقائد فرقة الشيعة الاثني عشرية لم يتعرض لذكر «الرجعة» أبداً من ضمن عقائدهم.

كما اعتبر «أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري» المتوفى سنة (324هـ) في كتابه «مقالات الإسلاميين واختلاف المصليين» «الرجعةَ» من عقائد قسم من الروافض، ولكنه عندما وصل إلى بيان عقائد الإمامية لم يتعرض لذكر عقيدة «الرجعة»(107).

كما أن «أبا محمد الحسن بن موسى النوبختي» الذي يُعَدّ من كبار متكلمي الشيعة الاثني عشرية في أوائل القرن الهجري الثالث والذي أثنى عليه وعدّله كثير من علماء الإمامية الكبار(108) ذكر في كتابه «فِرَق الشيعة» خلال شرحه لعقائد فرق الغلاة عقيدة «الرجعة» كما هي اليوم شائعة بين الشيعة في عداد عقائد فرق «الكيسانية»، «المختارية»، «البيدنية»، «الخرمدينية»، و«الواقفة»، لكنه لما وصل إلى بيان عقائد الاثني عشرية في آخر كتابه لم يأت على «الرجعة» بذكر، هذا مع أنه بذاته من الإمامية الاثني عشرية وكان يهدف إلى بيان جميع عقائدهم ورغم ذلك لم يتعرّض أبداً إلى ذكر «الرجعة».

واعتبر «السيد المرتضى» الذي يُعَدُّ من مفاخر علماء الشيعة الإمامية الاثني عشرية في كتابه الموسوم بـ«تبصرة العوام في معرفة مقالات الأنام» خلال نقله لآراء ومقالات فرق الشيعة المختلفة «الرجعةَ» من عقائد فرقة «البترية»: أصحاب «كثير النواء الأبتر»، ولكنه عندما وصل إلى بيان عقائد الاثني عشرية لم يشر إلى «الرجعة» بشيء.

وخلافاً لكتّاب كتب الملل والنحل لم يكن هدف المرحوم «السيد المرتضى» في كتابه المذكور مجرد نقل وذكر عقائد فرق الإسلام المختلفة وغيرها، بل كان غرضه إبطال جميع الأديان والفرق الهامة وإثبات حقية فرقة الاثني عشرية ولذلك تعرّض في هذا المجال إلى جميع تفاصيل عقائدها حتى الأمور الجزئية مثل قضية فدك وغيرها، ومع كل ذلك لم يتعرّض أبداً إلى «الرَّجْعَة» التي جعلها بعض أصحاب النظر القاصر اليوم في عداد «ضروريات» مذهب الشيعة الإمامية.

ورغم أن عدم تعرّض المرحوم النوبختي والسيد المرتضى إلى موضوع «الرَّجْعَة» كجزء من عقائد الشيعة الاثني عشرية رغم كونهما إماميين اثني عشريين وأن هدفهما كان شرح عقائد الشيعة الاثني عشرية، دليل كبير على إثبات مدعانا، إلا أن الأهم منه أيضاً هو عدم تعرّض مخالفي الإمامية كالشهرستاني وابن حزم وابن الجوزي وأبي الحسن الأشعري إلى ذلك، لأن هؤلاء - بسبب تعصّبهم ضد الشيعة- لم يكونوا يوفِّرون أي طعنٍ ونقدٍ يمكن توجيهه إلى جميع فرق الشيعة وخاصة «الاثني عشرية» منهم، ومع ذلك ورغم أنَّهم كانوا يعتبرون القول بالرجعة من المطاعن الكبيرة بحق فرق الغلاة، توسّلوا للطعن في الاثني عشرية بأمور أخرى ولم يطعنوا فيهم لقولهم «بالرجعة» أصلاً، ولا شك أنهم لو احتملوا ولو احتمالاً بعيداً أن تكون «الرجعة» من عقائد الشيعة الاثني عشرية لجعلوها على رأس قائمة مطاعنهم فيها.

إذن اتَّضَح تماماً مما ذُكر أن «الرجعة» كانت في الأساس جزءاً من عقائد فرق «الغُلاة»، ولم تكن من عقائد الشيعة الإمامية الاثني عشرية وبالتالي فإنَّ الخطبة المذكورة وسائر الأحاديث المتضمنة للرجعة هي من موضوعات «الغُلاة» ومفترياتهم.

2- التعصُّب:

يعتقد علماء الاجتماع أن عظمة كل شعب رهينةٌ بوجود روح عامة مشتركة تربط بين أفراده، وطالما كانت تلك الروح قوية استمرت عظمة ذلك الشعب ودامت عزّته ومَنَعَته، وكلما ضعفت تلك الروح أو تلاشت انفرط معها عقد المجتمع ومُحيت هويته من صفحة الوجود، ويكفي لإثبات ذلك المعنى أن نلقي نظرةً على تاريخ الإسلام: فتلك الجماعة القليلة من أهل البادية الذين التفُّوا حول نبيِّ الإسلام استطاعوا في مرحلة زمنية قصيرة، رغم ما كان في صدورهم من قَبْل ومِنْ أمدٍ بعيدٍ من رعب وهيبة من عظمة أكاسرة الفرس وقياصرة الروم إذْ كانوا ينظرون إليهم دائماً بعين التعظيم والاحترام، ورغم افتقادهم لكلِّ الوسائل الماديَّة، استطاعوا بسيوفهم المكسورة التي كانوا يشدُّونها إلى خصورهم بأحزمةٍ من ألياف النخيل أن يحدثوا ثورة في حضارة العالم آنذاك وأن يأخذوا زمام أمور تينك الإمبراطوريتين العظيمتين (إمبراطورية الفرس والروم)، وأثبتوا في النهاية بكل إجلال عظمةَ أمتهم وقومهم للعالم وأهل الدنيا، وعلة ذلك هي تلك الروح العامة المشتركة أي عقيدة «التوحيد» التي ربطت بينهم ووحَّدَتْهم وأزالت من بينهم جميع العصبيات والاختلافات وجعلتهم إخوة متحدين، رغم أنهم كانوا حتى عهد قريب يقتلون أولادهم خشية الفقر والجوع ويئدون بناتهم حيّات، ولكنهم أصبحوا في ظل تعاليم الإسلام المقدّسة يصمدون أمام أكبر شدائد الدنيا بقلوب يملؤها حبّ ذلك الدين والاعتزاز به، ولم تكن تؤثّر فيهم أية مصائب وأحزان، بل كانوا جميعاً أصحاب شهامة وشجاعة وأصحاب إيمان كامل وعزم راسخ وإرادة حديديَّة، وباختصار كانوا في كامل الوحدة والاتحاد تحت راية الإسلام متَّبعين بكل نيّة صافية وعقيدة خالصة تعاليمَ رسول الله مستسلمين لأحكام الإسلام وتشريعاته، إلى أن ارتحل حضرة صاحب المرتبة الخاتمة، ورغم بروز اختلاف حول خلافته كما ذكرنا إلا أن ذلك لم يؤد إلى تفرّق المسلمين وذهاب وحدتهم الأممية والاجتماعية، ولكن لما ولي أمر الخلافة معاوية وسائر خلفاء بني أمية وحوّلوا الخلافة إلى ملك جائر عضوض، وضحُّوا بمصالح الإسلام في سبيل شهواتهم وظلمهم وتعصبهم، وكفَّروا أول مجاهد في الإسلام (أي عليّ) ولعنوه علناً وتبرؤوا منه على منابر المسلمين، وشدَّدُوا الخناق على أصحابه، ومارسوا التمييز والأذى ضد المسلمين من غير العرب - لِـمَا كان في قلوبهم منذ سنوات متمادية من تعصُّب وكره لغير العرب- فعذّبوهم وضغطوا عليهم، وباختصار أعادوا عادات عصر الجاهلية وأبعدوا الإسلام عن صورته الأولى الناصعة. وبذلك بدأ المسلمون تدريجياً يفقدون تلك الأخلاق والآداب الإسلامية لاسيما ذلك الاتحاد وتلك الوحدة والإخوّة التي كانت تجمع بينهم وتفرّقوا عن بعضهم في ظل العصبيات الجاهلية وصاروا أحزاباً مُـمَزّقين.

[قال أحد كبار علماء الألمان في الآستانة (اسطنبول) لبعض المسلمين وفيهم أحد شرفاء مكة: إنه ينبغي لنا أن نقيم تمثالاً من الذهب لمعاوية بن أبي سفيان في ميدان كذا من عاصمتنا (برلين)! قيل له: لماذا؟ قال: لأنه هو الذي حوَّل نظام الحكم الإسلامي عن قاعدته الديمقراطية إلى عصبية الغلب، ولولا ذلك لعَمَّ الإسلامُ العالمَ كلَّه ولَكُنَّا نحن الألمان وسائر شعوب أوروبة عرباً مسلمين](109).

والحاصل أن أكبر ضربة وُجِّهَت إلى عالم الإسلام وحالت دون تقدُّم الإسلام السريع كانت تعصُّب الخلفاء الأمويين الجاهلي، حيث عادت في عصرهم من جديد تلك العصبية التي كانت زمن الجاهلية وكانت أهم سبب لتفرّق العرب وتمزقهم وانحطاطهم عندما كانت قبائل العرب تتفاخر بأنسابها على بعضها وعلى غير العرب وكان لا شغل لها سوى مدح الذات وهجاء الآخرين كما يظهر ذلك واضحاً في أشعار ذلك العصر، حيث نلاحظ بشكل خاص تعصب العرب ضد المسلمين من غير العرب لاسيما الإيرانيين منهم فلم يكونوا يؤمنون بأي شأن وفضل لهم وليس هذا فحسب بل كانوا يهضمون حقوقهم المشروعة ولا يألون جهداً في تحقيرهم وإهانتهم حتى كانوا يحرمونهم من الكنية والألقاب الشريفة ويطلقون عليهم اسم «الموالي» (جمع المولى أي العبد)، ولا يسمحون لهم بالدخول إلى مجالسهم، ولا يمشون معهم في صف واحد، وكانوا يُهينون جنائزهم أيضاً، فمثلاً إذا مرَّت جنازة عربي فإن قيل قرشي أو عربي صاحوا متأثرين وا قوماه، وا بلدتاه، ولكن إن قيل من الموالي قالوا بلهجة لا تخلو من تحقير: [كان عبداً مملوكاً لِـلَّهِ ولِـلَّهِ أن يأخذ من يشاء وأن يترك من يشاء]، علاوة على أنهم كانوا يهجون الأعاجم بأشعارهم وقصائدهم، ووضعوا أحاديث كثيرة في فضل العرب ومذمة الفرس وفي ما يلي نذكر بعض تلك الأحاديث:

[في المقاصد [أحبوا العرب لثلاث لأني عربي والقرآن عربي وكلام أهل الجنة عربي] وروي [أنا عربي والقرآن وكلام أهل الجنة عربي].. وفي الوجيز [أحبوا العرب لثلاث]..الخ..

في اللآلئ [كلام أهل الجنة بالعربية وكلام أهل السماء وكلام أهل الموقف بين يدي الله بالعربية].

في الذيل [خير الناس العرب وخير العرب قريش وخير قريش بنو هاشم]

وفي اللآلئ أبو هريرة [أبغض الكلام إلى الله تعالى الفارسية وكلام الشيطان الخوزية وكلام أهل النار البخارية وكلام أهل الجنة العربية]

عن أبي هريرة [إن الله تعالى إذا رضي أنزل الوحي بالعربية وإذا غضب أنزل الوحي بالفارسية].

عن طلحة بن زيد [من تكلم بالفارسية زادت في خسته ونقصت من مروءته] [من أحسن منكم أن يتكلم بالعربية فلا يتكلمن بالفارسية فإنه يورث النفاق]

في المقاصد [قال عمر: إياكم وزيّ الأعاجم] واعتمده مالك حيث قال: [أميتوا سنة العجم وأحيوا سنة العرب](110).

ومنها أيضاً: [من غَشَّ العرب لم يَدْخل في شفاعتي ولم تَنَلْه مَوَدَّتي](111)، ومثل [إذا اختلف الناس فالحق في مُضَر]، ومثل [أحِبُّوا العربَ لثلاث لأني عربي، والقرآن عربي، ولسان أهل الجنة في الجنة عربي]، ومن ألطف ذلك أنهم رووا حديثاً للنبي صلى الله عليه وسلم مع سلمان الفارسي نفسه، ذلك أن رسول الله قال: يا سلمان لا تُبْغِضْني فتفارقَ دينك، قال: قلت: يا رسول الله! كيف أبْغضك وبك هداني الله! قال لا تبغض العربَ فتبغضني](112)الخ.

وكذلك وضعوا أحاديث كثيرة في فضل مدنهم مثل:

[في الملاحم [إن الناس يمصرون أمصاراً وإن مصراً منها يقال له البصرة فإن أنت مررت] الخ... وفي المقاصد [الشام صفوة الله من بلاده يجتبي إليه صفوته من خلقه].. [مصر أطيب الأراضين تراباً وعجمها أكرم العجم أنساباً].. [الحيرة روضة من رياض الجنة ومصر خزائن الله في أرضه]](113). وكذلك وضعوا أحاديث كثيرة حول فضائل الشام وسائر البلاد العربية نُعْرِض عن ذكرها رعاية للاختصار.

وفي المقابل عارض المسلمون من غير العرب تلك الأحاديث بوضع أحاديث مناقضة لها، وكانوا يطعنون في العرب ويذمونهم، سراً في عهد الأمويين، وعلناً وبوسائل متعددة في عهد بني العباس، من جملتها أنهم كتبوا كتباً كثيرةً في فضيلة العجم وذمّ العرب، فمن ذلك أن «سعيد بن حميد بختگان» الذي كان يعتبر نفسه من أمراء ملوك إيران ألّف كتاباً تحت عنوان «انتصاف العجم من العرب»، وكتاباً آخر باسم «فضل العجم على العرب وافتخارها»(114).

وألَّف «أبو عبيدة معمر بن المثنى»الذي كان من يهود فارس، كتباً باسم «أدعياء العرب» و«لصوص العرب» و«فضائل الفرس»، كما ألَّف «الهيثم بن عدى» كتباً في معايب العرب وفي ذمِّهم مثل: (كتاب المثالب الصغير). (كتاب المثالب الكبير). (كتاب مثالب ربيعة). (كتاب من تزوج من الموالى في العرب). (كتاب أسماء بغايا قريش في الجاهلية وأسماء من ولدن)(115).

و عَمِلَ «علانٌ الشعوبىُّ»، وأصله من الفرس، كتاب «الميدان في المثالب» الذي هتك فيه العرب وأظهر مثالبها(116)، حتى أن «سهل بن هارون» الذي كان - كما وصفه ابن النديم في الفهرس- حكيماً فصيحاً شاعراً، فارسي الأصل، شعوبي المذهب، شديد العصبية على العرب؛ لما وجد أن العرب في ذلك الزمن مشهورون بالكرم والسخاء ألّف - نكايةً بالعرب - كتاباً يمدح فيه «البُخل» ويرغِّب فيه ويعتبره من الملكات الفاضلة ويذمّ الكرم والسخاء ويعتبره من الصفات الرذيلة!.

إضافة إلى ذلك وضعوا أحاديث كثيرة في فضائل أعراقهم وبلادهم، ومن ذلك ما اخترعه شعوبية النبط من حديث نسبوه إلى علي بن أبي طالب فقد رووا أن رجلاً سأله فقال: أخبرني يا أمير المؤمنين عن أصلكم معاشر قريش؟ فقال: [نحن قوم من نبط كُوثَى!](117).

ومن ذلك: [لا تَسبُّوا فارساً فما سبَّه أحدٌ إلا انْتُقِمَِ منه عاجلاً أو آجلاً](118).

و رَوَوْا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تلا هذه الآية: ﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾ [محمد:38] فقالوا من يستبدل بنا؟ فضرب صلى الله عليه وسلم على مَنكِب سلمان: ثم قال: [هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطاً بالثريّا لناله رجالٌ من فارس](119).

و رَوَوْا [[إنَّ لِـلَّهِ في السماء جنوداً وفي الأرض جنوداً، فجُنْدُه في السماء الملائكة وجُنْدُه في الأرض أهل خراسان]، و[بابان مفتوحان في الجنة للدنيا عبادان وقزوين وأول بقعة آمنت بمحمد عبادان وأول بقعة آمنت بعيسى بن مريم قزوين]. و[لولا أن الله أقسم بيمينه وعهد أن لا يبعث بعدي نبياً لبعث من قزوين ألف نبيٍّ]، و[يكون لأمتي مدينة يقال لها قزوين الساكن بها أفضل من الساكن بالحرمين]، و[من بات بالري ليلة واحدة صلى فيها وصام فكأنما بات في غيره ألف ليلة صامها وقامها وخير خراسان نيسابور وهرات ثم بلخ..](120).

ووضعوا أحاديث كثيرة أيضاً في فضائل «قم» و«ساوه» و«أصفهان» و«خوزستان» و..... نُعْرِض عن ذكرها لأن أكثرها معروف وفي متناول الجميع.

***

هذه الروايات وأمثالها التي تفضِّل العرب على العجم أو العكس أو تثبت فضيلة للقبيلة الفلانية أو مزية لأهل المدينة الفلانية كلها من آثار العهد الأموي المنحوس ومن موضوعات الشعوبية، وهي تخالف تعاليم الإسلام لأن الإسلام دعا الناس بصراحة إلى الأخوّة والمؤاخاة فقال: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات:10]، وألغى التفاخر بالعرق وسائر العناوين البشرية فقال: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [الحجرات:13]. واعتبر العلمَ مقياساً للفضيلة فقال: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾ [الزمر:9].

وبالإجمال هل يمكن أن نتصور أن يفضّلَ الإسلامُ، الذي هو دين الأخوّة والمساواة بين جميع أبناء البشر، جماعةً ليس إلا لكونهم عرباً أو عجماً أو من أهل المدينة الفلانية أو البلد الفلاني على الآخرين؟! وهل من الممكن للنبيِّ الذي قال: [إنَّ الناسَ من آدم إلى يومنا هذا مثل أسنان المشط، لا فضل للعربيِّ على العجميِّ ولا للأحمر على الأسود إلا بالتقوى](121) وأبلغ أمَّته في خطبة حجة الوداع بكل صراحة فقال: (..يَا أيُّهَا الناسُ، إنّ اللهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ نَخْوَةَ الجَاهِلِيّةِ وفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ، كُلُّكُمْ مِنْ آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ لَيْسَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ فَضْلٌ إلا بِالتَّقْوَى)(122)، أن يُثبت لمجموعات من الناس بمثل تلك العناوين العرقية أو القبلية الموهومة فضيلةً ومزيّةً على الآخرين؟!

أجل كما كتبتُ إجمالاً، كان المسلمون من غير العرب سواء كانوا من الفرس أم من غيرهم يعيشون في جوٍّ من التمييز والظلم ضدهم خلال فترة الخلفاء الأمويين، ومن الجهة الأخرى لما كان حضرة علي أمير المؤمنين وأولاده، يعاملون جميع المسلمين، كما كان يفعل النبي الأكرم صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، بالعدل والمساواة طبقاً لتعاليم الإسلام، ولم يكونوا يرجحون أحداً على آخر إطلاقاً إلا بالعلم والتقوى، لذا وقع في قلوب المسلمين من غير العرب منذ ذلك الزمن بغض بني أمية وترسّخت فيهم محبة آل علي عليه السلام، فكانوا عندما ينعمون بنعمة الحرية يقومون بوسائل مختلفة ببيان فضائل آل علي ومفاسد أخلاق بني أمية، وأفرط بعضهم في هذا الأمر فاندفع إلى وضع وإشاعة أحاديث ظاهرها إثبات فضائل لأولاد علي عليهم السلام لكنها في الحقيقة لا تليق بمقامهم، كما وضع أحاديث تتضمن مطالب فاسدة في مذمّة بني أمية لم تكن لائقة بهم ونسب تلك المطالب الباطلة والفاسدة إلى الأئمة الأطهار ونشرها عنهم!.

من هنا يمكننا أن نستنبط أن قصةً مثل «الرجعة» من ناحية كونها تشعر بفضلٍ لآلِ عليٍّ وذمٍّ لبني أميَّة كانت في تلك الفترة تلقى ترحيباً كاملاً وكانت الأوضاع السائدة تساعد على القول بها لأن الناس في تلك الفترة، كما قلنا، كانوا مستعدين نفسياً لمدح عليٍّ وسائر الأئمَّة، وذمِّ بني أمية والطعن بهم وعدم توفير أي جهد في هذا الأمر، فكانوا يتمسَّكون بكلِّ جِدِّيَّةٍ حتى بأبسط وسيلة لتحقيق ذلك الغرض، لذا والأمر كذلك فإنه يبدو من البعيد جداً أن يصرفوا النظر عن قضية «الرجعة» التي نشرها الغلاة في زمن علي بن أبي طالب نفسه والتي تتضمن من أولها إلى آخرها موضوع انتصار وسلطنة وسيادة آل عليٍّ وذمّ بني أمية وغلبهم وهزيمتهم، وأن لا يستفيدوا منها في هذا المجال.

وخلاصة الكلام أننا عندما ندقِّق النظر في تاريخ العهد الأموي والعباسي لاسيما تاريخ ظهور الشعوبية ووضع الفرس في ذلك العصر، يتضح لنا أن القول بالرجعة الذي طُرح أساسه في زمن علي عليه السلام من قبل الغلاة، بلغ في ذلك العصر درجة الاستحكام بسبب وجود مؤيدين كثيرين له أقدموا على توسعته وزخرفته، هذا إضافة إلى أن هذا الموضوع يتضمن قضايا توافق بشكل عام العاطفة، وعامة الناس (إلا قليلاً من العقلانيين) يستسلمون عادةً للعاطفة، ولا ريب أن مثل ذلك الحب والبغض خاصة عندما يعود إلى آل عليٍّ وبني أمية يجد له آذاناً صاغية وقلوباً مستعدَّةً لقبوله مما يساعد على تثبيته وتأييده بشكل كامل.

3- اختلاط المسلمين بالأجانب ودخول الفلسفة إلى الإسلام:

من جملة دواعي وضع الحديث ومزج تعاليم الإسلام بخرافات سُرِّبَتْ إليه بصورة أحاديث موضوعة، اختلاط المسلمين بالملل المجاورة من يهود ونصارى وهندوس و....، فبعد أن دخل كثيرٌ من أبناء تلك الطوائف المتنوِّعة في الإسلام على إثر الفتوحات الإسلامية، أو لم يدخلوا في الإسلام ولكنهم خضعوا لسلطان الإسلام وحمايته، اختلط بهم المسلمون حُكْماً، وسَرَتْ بعضُ عقائدهم وعاداتهم إلى المسلمين نتيجةَ هذا الاحتكاك، وقام بعض اليهود والنصارى في هذا المجال بنقل بعض خرافاتهم بوسائل مختلفة، لاسيما عن طريق وضع الحديث، إلى المسلمين، لاسيما أن بعض أولئك الأقوام، خاصة يهود اليمن، صاروا بعد دخولهم في الإسلام من الصحابة أو التابعين وفي عداد القرّاء والمحدِّثين، وبالتالي أصبحوا في النهاية محلاً لثقة المسلمين بهم وتقبّل أقوالهم التي كثيراً ما :تسرَّبَتْ بصورة أحاديث وأخبار، خاصَّةً الأحاديث المتعلقة بتفسير قصص القرآن والآيات التي تتكلم عن أسرار الكون والخلق، وكما يقول ابن خلدون: [والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية. فإذا تشوَّقوا إلى معرفة شيء مما تتشوّق إليه النفوس البشريّة في أسباب المكونات، وبدء الخليقة، وأسرار الوجود، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى. وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ! بادية مثلهم، ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامّة من أهل الكتاب، ومعظمهم من حِمْيَر الذين أخذوا بدين اليهودية. فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم، مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها، مثل أخبار بدء الخليقة وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك. وهؤلاء مثل «كعب الأحبار» و«وهب بن منبه» و«عبد الله بن سلام» وأمثالهم. فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم، في أمثال هذه الأغراض، أخباراً موقوفة عليهم، وليست مما يرجع إلى الأحكام فيُتَحرَّى في الصحَّة التي يجب بها العمل. وتساهل المفسِّرون في مثل ذلك وملؤوا كتب التفسير بهذه المنقولات، وأصلها كما قلناه عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية، ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك، إلا أنهم لِبُعْد صيتهم وعظمت أقدارهم لما كانوا عليه من المقامات في الدين والملة، فتُلُقِّيَتْ بالقبول من يومئذ] (123)، مثل قصّة آدم وحواء بتفصيلاتها كالكلام عن أنّ الجنّة كانت في مكان كذا وكذا وأنّ الشجرة المنهي عنها كانت كذا وأن الملائكة أكلت من ثمرتها لأجل الخلود في الجنّة وذهاب الشيطان في جوف حيّة وأن الحيّة كان لها أقدام وأرجل و... و... (124). وكذلك سائر ما ذُكر من الأساطير والأخبار في تفسير قصة هاروت وماروت وقصص الأنبياء مثل قصة عيسى ومريم وهابيل وقابيل وزكريا ويحيى، والتي أوردتها التفاسير تحت اسم الحديث والأخبار الواردة في تفسير الآيات والتي هي في الواقع جميعاً من الإسرائيليات المأخوذة من التوراة أو الإنجيل، ونجد بشكل خاص أن الطبري قد نقل في تفسيره لأغلب تلك القصص خاصة قصة آدم وحواء وعيسى بن مريم المذكورة في التوراة والإنجيل أقاويل «أسباط» و«السُدِّيّ» و«ابن جُرَيْج» و«وهب بن منبه» الذي كان فارسيَّ الأصل ثم صار يهودياً وفي النهاية أصبح من محدِّثي الإسلام.

إضافةً إلى ما ذُكر، فقد سَرَتْ بعضُ آراء تلك الملل ومقالاتهم اللاهوتيّة والفلسفيّة إلى المسلمين وأدَّت تدريجيّاً إلى ظهور مذاهب متعدِّدة تحت عناوين مختلفة في الإسلام، وتفصيل ذلك [أن كثيراً ممّن دخلوا في الإسلام بعد الفتح كانوا من ديانات مختلفة: يهودية ونصرانية ومانوية وزردشتية وبراهمة وصابئة ودهريين الخ، وكانوا قد نشؤوا على تعاليم هذه الديانات، فلما اطمأنّوا وهدأت نفوسهم واستقرَّت على الدّين الجديد وهو الإسلام، أخذوا يفكِّرون في تعاليم دينهم القديم، ويثيرون مسائل من مسائله ويُلْبِسُونها لباس الإسلام، وهذا ما يعلِّل ما نرى في كتب الفرق من أقوال بعيدة كلَّ البعد عن الإسلام؛ فنرى أحمد بن حائط رأس فرقة «الحائطية» مثلاً يقول في التناسخ شبه ما يقول البراهمة، ويقول في المسيح (عليه السلام) قولاً يشبه قول النصارى](125).

(فلما انشغل المسلمون في عهد الخلفاء العباسيين، لاسيّما عهد الخليفة «المأمون»، بترجمة كتب العلوم والفلسفة اليونانية والإيرانية والهندية و... ووقفوا على آرائهم ومقالاتهم، بدأ البحث في تلك المسائل، وأسسوا نتيجةً لذلك علماً باسم «علم الكلام»، واشتدَّ بذلك ساعد «الاعتزال» الذي كان قد نشأ في أواخر القرن الهجري الأول، وازدهر أمره، أي أن «المعتزلة» تلقوا تلك الفلسفة تلقي الظمآن لموارد الماء وأقبلوا على تصفُّحها والتبحُّر فيها للاستعانة بها في تأييد مذهبهم، وإحكام أسسه وتقوية استدلالاتهم، خاصة عندما تظاهر «المأمون» بالاعتزال وقال بخلق القرآن وعمل على تأييد مقولات المعتزلة وحمايتها فازدهر بذلك مذهب «الاعتزال» وبلغ أوجه، بحيث أنهم أصبحوا يظهرون علنا مقولاتهم كالقول بـ«خلق القرآن وحدوثه» التي لم يكونوا يجرؤون من قبل على الإعلان بها خوفاً من الفقهاء..)(126).

[وفي هذا العصر تفرّق الناس إلى شيع وأحزاب ومذاهب... وكل طائفة تَفَرّع منها فروع يصعب عدها، فقد انقسم المعتزلة إلى نحو ثلاث عشرة فرقة، والخوارج إلى نحو عشرين، والشيعة إلى نحو ثلاثين، والمرجئة إلى نحو سبع.](127)، وكل واحد منها كان يعتبر نفسه حامي الإسلام ومتِّبعاً للقرآن ويعتبر الآخرين ضالين أو مرتدين! وكانوا يُؤَوِّلُون آيات القرآن والأحاديث لتنطبق على أقاويلهم، وأحياناً يضعون الأحاديث لتأييد أقاويلهم ويبثُّونها بين الناس! مع أنه لم تكن في صدر الإسلام أيٌّ من تلك العناوين والأسماء وعلى قول المرحوم الشيخ الصدوق عليه الرحمة: [كان أصحاب رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) اثني عشر ألفاً، ثمانية آلاف من المدينة وألفان من مكة وألفان من الطلقاء، ولم يُرَ فيهم قدريٌّ ولا مرجئ ولا حروريٌّ ولا معتزليٌّ ولا صاحب رأي](128).

من هنا نفهم منبع الأحاديث التي تتحدَّث عن حقيقة مراتب النفس وأرباب الأنواع وغيرها من الأفكار الفلسفية المنسوبة إلى النبيّ الأكرم وإلى عليٍّ أمير المؤمنين، ولا شك أن القارئ الكريم صادف مثل هذه الأحاديث في الكتب الفلسفية والصوفية، فهي أحاديث وُضِعَت كلُّها في ذلك العصر، لأنه قبل حضرة الإمام الرضا عليه السلام لم تكن الفلسفة قد دخلت إلى عالم الإسلام بعد، ولذلك ما كان لعامَّة المسلمين أيُّ معرفةٍ بمصطلحاتها ومطالبها فضلاً عن أن يقوم النبي الأكرم أو عليٌّ أمير المؤمنين ببيان مثل تلك المصطلحات والأفكار التي ليس فيها أيّ فائدة دينيّة ولا دنيويّة، والحاصل أن الأحاديث المنسوبة إلى النبيّ الأكرم والأئمّة قبل الإمام الرضا إذا كانت تتضمن مطالب ومصطلحات فلسفية فهي بلا شك من الموضوعات المخْتَلَقة في العهد العباسي.

وخلاصة الكلام، إن اختلاط المسلمين بأبناء الملل الأجنبية ومعاشرتهم لهم وترجمتهم لكتبهم العلمية والفلسفية أدَّى إلى تسرّب كثير من المقالات الفلسفية والمطالب اللاهوتية الكَنَسِيَّة وخرافات اليهود إلى الإسلام، مما أوقع اختلافات كثيرة بين المسلمين وأوجد فرقاً لا حصر لها يخرج شرحها عن عهدة هذا الكتاب، ونحن نشير فيما يلي على نحو الاختصار إلى جزء من تلك المطالب والمسائل:

1- تناسخ الأرواح:

يقول أبو ريحان البيروني في كتابه الموسوم بـ: «تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة» عن عقيدة «تناسخ الأرواح»: [كما أنَّ الشهادةَ بكلمة الإخلاص شعارُ إيمان المسلمين، والتثليثَ علامةُ النصرانيّة، والإِسباتَ علامةُ اليهوديّة، كذلك التناسخ عَلَمُ النِّحلة الهندية، فمن لم ينتحله لم يكُ منها، ولم يُعدَّ من جملتها](129).

ويقول أحمد أمين: [وقد لعبت نظرية التناسخ درواً هاماً في الفلسفة اليونانية وفي الديانة المانوية، وفي المذاهب الإسلامية وفي التصوف وفي النصرانية. فقد قال «فيثاغورث» بنظرية التناسخ، ويرجِّح كثيرون من مؤرخي الفلسفة اليونانية أنها مأخوذة -في الأصل- من الفلسفة الهندية، ثم أخذها عن فيثاغورس، إمْبدُكلِيس، وأفلاطون. وقد كان فيثاغورس يرى تناسخ الأرواح بين الإنسان والحيوان أن تحرير النفس بترقِّيها في دورة الحياة، وذلك بالشعائر الدينية وبالفكر والتأمل والفلسفة](130).

وقد حكى «البيروني» أن «ماني» نُفِيَ من بلاد فارس فدخل أرضَ الهند، ونقل التناسخ منهم إلى نِحْلَـتِه(131).

وقبل هؤلاء روى «السبئِيَّةُ»، أصحابُ عبد الله بن سبأ، عنه أنه قال لعليّ: أنت أنت! أي أنت الإلـه! وتبعته فرقته فقالت بتناسخ الجزء الإلـهي في الأئمّة بعد عليّ، وبمثل ذلك قال الغالية من الشيعة.

وبعد هؤلاء كان النصيرية يعتقدون أن مرتكبي الآثام يعودون إلى الدنيا يهوداً أو نصارى أو مسلمين سُنِّـيِّين، أما من لم يؤمن بعليّ فيعودون جِمالاً أو بغالاً أو حميراً أو كلاباً أو نحو ذلك من أصناف الحيوان، وبمثل ذلك يقول عوام الدروز(132).

وبعد هؤلاء قال «أحمد بن حائط» (أو أحمد بن خابط) رأس فرقة الحائطية وتلميذه «أحمد بن نانوس» و«أبو مسلم الخراساني» رأس طائفة «المسلمية»، و«القرامطة»، و«محمد بن زكريا الرازي» قالوا جميعاً بالتناسخ وجعلوه أساس مذهبهم؛ فقالوا إن الأرواح بعد مفارقتها للأجساد تنتقل إلى أجساد جديدة (حتى لو لم تكن من نوع الأجساد الأولى نَفْسِه)، كل ما في الأمر أن أرواح الأشخاص المسيئين والفجّار تنتقل إلى أجساد بهائم خبيثة.

وبناء على ذلك فإن جميع الأحاديث والخطب التي تشعر بالتناسخ إنما هي من موضوعات أتباع تلك الطوائف والفرق.

2- مسألة خلود وأبديّة عذاب جهنّم

يذكر «فون كريمر» أن هذه المسألة كانت من المسائل التي تجادلت فيها الكنائس النصرانية أي مسألة خلود العذاب، فقد ذهب آباء الكنيسة اليونانية إلى إنكار أبدية عذاب النار(133)، ويبيِّنُ القرآن الكريم بصراحة أن ذلك القول كان من مقالات أهل الكتاب فيقول: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ [آل عمران:23-24].

والحاصل أن النقاش والبحث في هذه المسألة لم يحصل في صدر الإسلام لأنه لا يوجد ما يُرشد إليه من نصوص القرآن أو من مسلمات عقيدة المسلمين، وكما يقول ابن حَزْم [اتفقت فرق الأمة كلّها على أنه لا فناء للجنة ولا لنعيمها ولا للنار ولا لعذابها إلا جُهَم بن صفوان وأبا الهذيل العلاف وقوماً من الروافض فأمَّا جُهَم فقال: إنَّ الجنَّة والنّار يفنيان ويفنى أهلهما](134). ومع الأسف سرت هذه الفكرة إلى بعض أقطاب التصوّف في الإسلام الذين أنكروا خلود العذاب لأنه في رأيهم يتنافى مع مبدأ الخير المحض!!! وأوَّلُوا جميع الآيات التي تدل على خلود العذاب وأبديته، كما قاموا بوضع بعض الأحاديث التي تثبت عقيدتهم.

3- مسألة قِدَم وحُدُوث كلام الله:

أي البحث في كلام الله هل هو مخلوق وحادث أم قديم وغير مخلوق؟

شَغَلَتْ هذه المسألة حَيِّزاً من مباحث علم الكلام، بل كانت من أهم عوامل إيجاد ذلك العلم. ولو رجعنا إلى التاريخ لعلمنا أن هذه الفكرة ليس لها أي سابقة في الإسلام، بل هي من المباحث اللاهوتية لعلماء اليهود، كما يشير إلى ذلك ابن الأثير الجزري (في كتابه الكامل في التاريخ) عند حديثه عن عقائد القاضي أحمد بن أبي داود المعتزلي فيقول:

[...القاضي أبوعبد الله (أحمد) بن أبي دؤاد (المعتزلي)..وكان داعيةً إلى القول بخلق القرآن وغيره من مذاهب المعتزلة، وأخذ ذلك عن بشر المريسي(135)، وأخذه بشر من الجهم بن صفوان، وأخذه جهم من الجعد بن درهم، وأخذه الجعد من أبان بن سمعان، وأخذه أبان من طالوت ابن أخت لبيد الأعصم وختنه، وأخذه طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم وكان لبيد يقول بخلق التوراة، وأول من صنف في ذلك طالوت](136).

فالخلاصة أن هذه المسألة التي أصبحت من مسائل علم الكلام المهمة وجزءاً من عقائد المعتزلة هي من جملة الإسرائيليات وتُحَف اليهود.

4- مسألة القدر (الجبر والتفويض) والبحث في صفات الله:

كل من له اطلاع بسيط على تاريخ الكنيسة يعلمُ جيداً أن مثل هذه المباحث هي في الواقع من مسائل علم اللاهوت الخاص بالكنيسة، والتي كانت مثاراً لكثير من الجدل والقيل والقال بين قساوسة النصارى الذين كانوا طفيليين على المجتمع ولم يكن لهم عمل أو شغل فأخذوا يتناقشون في مثل هذه القضايا ويصرفون في بحثها أوقاتاً جمّةً، حتى أن بعض علماء الغرب لما عرف أنَّ ثمَّةَ فرقةً في الإسلام باسم المعتزلة بَحَثَتْ تلك المسائل حكم يقيناً بأن تلك الفرقة نشأت من النصرانية، إذْ رأى رأي العين أنها بحثت في ذات المسائل التي كانت الكنيسة تتنازع فيها، ورأى من الجهة الأخرى أن مسلمي الصدر الأول لم يتباحثوا إطلاقاً في مثل تلك القضايا. ومن الغربيين الذين قالوا بذلك الرأي الأستاذ «فون كريمر» الذي يذهب إلى [أن فرقة المعتزلة نشأت من النصرانية لأن آباء الكنائس كانوا يتجادلون في حرية الإرادة وأن الإنسان مجبور أو مختار، وبعبارة أخرى في مسألة القدر، كما كانوا يتجادلون في صفات الله وقد تسرَّبَت هذه العقائد إلى المعتزلة من طريق النصارى بعد فتح المسلمين للشام، ومن أشهر من احتكَّ بالمسلمين في ذلك العصر الأموي: «يحيى الدمشقي» و«ثيودور أبوكارا»(137).

والحاصل أن المعتزلة علاوة على تأويلهم آيات القرآن لتنطبق على مذاهبهم وأقوالهم، وضع بعضهم أحاديثَ كثيرةً خاصّةً في باب الجبر والتفويض، نعرض عن ذكرها تجنباً لإطالة الكلام.

5- البحث في كيفية المعراج:

هذا الموضوع أيضاً من الموضوعات التي اختلف فيها المسلمون وفرَّقتهم، كما صار في الوقت ذاته وسيلةً يُظْهر عددٌ من المتفلسفين بها فضلَهم وأصبح رأسمال حانوت جماعةٍ آخرين، وللأسف كان ذلك أيضاً من صادرات دكان خرافات تثليث الكنيسة!

لا بدَّ أنك سمعتَ أيها القارئ المحترم بقصَّة قساوسة مسجد «أيا صوفيا» -الذي كان في الأساس كنيسةً-: لمّا حاصر السلطان محمد الفاتح مدينة القسطنطينية (اسطنبول الحالية)، حيث كان أولئك القسيسون، طلّابُ الدّعة والراحة، يهيمون في وادٍ آخر إذْ كانوا يبحثون عن كيفيّة عروج عيسى إلى السماء: هل عرج ببدنه العنصري أم ببدنه المثالي؟ ولم يدروا أن المسلمين أصبحوا على أبواب عاصمة مملكتهم وأنهم عن قريب سيبدّلون كنيستهم تلك ذاتها ومركز تثليثهم إلى مسجد ومحلٍّ للتوحيد!

على أيّ حال لا يظهر من أيّ تاريخ من التواريخ أن هذه المسالة كانت مداراً للجدل في صدر الإسلام بل كان المسلمون يتقبّلون ما جاء في القرآن حول هذا الموضوع وما أخبرهم به النبي الأكرم صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ دون بحث في التفاصيل، إلى أن جاء جماعة فيما بعد وأخذوا يتعمّقون في هذه المسألة مع أنه ليس في بحثها أيّ فائدة دينية أو دنيوية، وأخذوا يجادلون فيها ويجعلونها موضوعاً لخطبهم!

وما أريد قوله أنه ما لنا ولمثل هذه القضية التي هي من خصائص صاحب المرتبة الختميَّة صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ حتى نتدخَّل فيها؟ وكيف يمكن أن نتصوَّر أن بإمكاننا أن نقف على خصوصيّات هذه القضية ونطَّلع على كيفيَّاتها مع كونها من الأحوال الشخصيّة الخاصّة بحضرة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ ؟ إن الذي لم يصل في عمره أبداً إلى مرحلة العشق، ولا خَبَرَ له عن مزايا العشق والحبّ، هل يمكنه أن يدرك خصوصيّات ليلة وصل العاشقين مهما شرحناها له؟

فعلينا أن نعتقد بهذه المعجزة كما شهد بها القرآن وأخبرنا بها حضرة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ وما عدا ذلك فهو خارج عن حدود وظيفتنا.

وتوجد حول هذا الموضوع أحاديث عديدة يشعر بعضها بالتشبيه والتجسيم وُضِعت وتسللت إلى كتب الحديث.

وخلاصة الأمر أنه بالرجوع إلى تاريخ الإسلام والكنيسة يتضح أن هذه المسائل التي شكّلت أساس علم الكلام لم يكن لها سابقة في الإسلام ولم يبحثها المسلمون الأوائل أبداً، بل جميعها من المباحث الكنسية اللاهوتيّة التي شاعت بين المسلمين تدريجياً بعد الفتوحات الإسلامية وأدّت فيما بعد إلى تشكيل عدد من الفرق في الإسلام!

وفضلاً عن أن البحث والجدل في تلك القضايا والمسائل كان ضربةً قويّةً وُجِّهَت لاتِّحاد الأمة ولوحدة مجتمع المسلمين وسبباً لوقوع التفرقة بينهم، فإنها شغلت للأسف أفكار مفكري الإسلام الذين كان من الواجب أن يهتمّوا بدلاً من ذلك بإصلاح المفاسد الأخلاقية والاجتماعية للمجتمع الإسلامي لكنهم اشتغلوا بمثل تلك المقولات فأصبح وجودهم كعدمه إذْ خاضوا في مسائل لا تُقَدّم ولا تُأَخّر!

إن راقم هذه السطور يعتقد أن أهم عامل مؤثر في انحطاط عالم الإسلام وأقوى سبب لتخلفنا عن ركب التطور والرقيّ هو أن كثيراً من علمائنا بدلاً من بذل مساعيهم في طريق نشر حقائق الإسلام واهتمامهم بإصلاح المفاسد الاجتماعية والأخلاقية للمجتمع، صرفوا أعمارهم في دراسة وبحث مثل تلك المسائل التي لا طائل تحتها وفي النهاية حكموا على أنفسهم وعالمهم بالشقاء!!.

6- الرجعة:

 يذكر الشهرستاني في كتابه «الملل والنحل» أن «الرجعة» من عقائد اليهود القديمة وأن منشأ تلك العقيدة بينهم هو قصة عزير المعروفة وخاصة قضية هارون ويقول في هذا الصدد:

[وأما جواز الرجعة: فإنما وقع لهم من أمرين: أحدهما حديث عزير عليه السلام؛ إذ أماته الله مائة عام ثم بعثه، والثاني حديث هارون عليه السلام؛ إذ مات في التيه، وقد نسبوا موسى إلى قتله بألواحه قالوا: حسده؛ لأن اليهود كانوا أميل إليه (أي إلى هارون) منهم إلى موسى. واختلفوا في حال موته: فمنهم من قال: إنه مات وسيرجع، ومنهم من قال: غاب وسيرجع](138)، ولذلك بقوا ينتظرون عودته.

أما في الإسلام فليس لهذه المسألة أي ذكر في الإسلام، وهي -كما سيظهر عن قريب- تخالف نصوص القرآن، إلى أن قام عبد الله بن سبأ اليهودي كما ذكرنا مراراً بنشر هذه القضية بين المسلمين، ثم أصبحت من أسس مذهب فرقة «السبئية» وسائر فرق الغلاة كما بيناه فيما سبق، وقد وُضعت أخبارٌ عديدةٌ في هذه العقيدة ونُشرت بين المسلمين سنبيِّنُها إن شاء الله في مبحث أحاديث «الرَّجْعَة» عن قريب.

وهذه المسألة فضلاً عن أنها لعبت دوراً في تفريخ عددٍ من المذاهب والفرق، وسبَّبت تشكيل فرقٍ كـ«البابية» و«البهائية» و«الأزلية» وألقت بكثير من المسلمين المساكين في أودية الضلالة والشقاء، وجَّهت أيضاً لطمةً كبيرةً لأساس التشيّع وجعلت هذا المذهب رغم كل مبانيه المتقنة وأسسه المحكمة التي اختصَّ بها هدفاً لهجمات عنيفة مِن قِبَلِ بقيَّة طوائف المسلمين وغيرهم، وفي الوقت ذاته عرّفت مذهب التشيُّع وكأنَّه مذهبٌ موهومٌ عديم الأصل، كما هي نَظْرةُ جماعةٍ من علماء أهل السنة والجماعة وكُتَّابهم المتقدّمين، مثل شيخ الإسلام ابن تيمية، والمعاصرين مثل السيد محمد رشيد رضا صاحب «المنار»، وشكيب أرسلان، ومؤلف ضحى الإسلام وفجر الإسلام، وحتى عدد من علماء الغرب مثل «رينان» الفرنسي، و«ستيوارت» الأمريكي، الذين اعتبروا الشيعة بشكل كلِّيٍّ حزباً سياسياً انشق عن اليهود استناداً إلى هذا الموضوع بالذات وسائر مقالات فرق «الغُلاة» من الشيعة، وكتبوا في مؤلفاتهم بصراحة أن اليهود اتخذوا شكل الشيعة لكي يقوموا بتخريب الإسلام، وأنَّ العجم أيَّدوا، من الجهة الأخرى، ذلك المذهب بسبب عداوتهم للعرب وبالتالي شكلوا مذهب «الشيعة» الحالي!

7- مسألة التشبيه:

أي تشبيه الخالق بالخلق والذي هو باتفاق جميع علماء الملل والنحل من خصائص ملّة اليهود، (لا في كلِّهم، بل في القرّائين منهم)؛ كما أن التثليث وتشبيه الخلق بالخالق من مختصّات أتباع المسيح. ومنشأ شبهة التشبيه لدى اليهود - كما يقول الشهرستاني - أنهم وجدوا في التوراة ألفاظاً كثيرة تدلّ على ذلك(139) ويقول: [وزادوا في الأخبار أكاذيب وضعوها ونسبوها إلى النبي عليه السلام، وأكثرها مقتبسة من اليهود؛ فإن التشبيه فيهم طباع، حتى قالوا: اشتكت عيناه فعادته الملائكة، وبكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه، وإن العرش ليئط من تحته كأطيط الحل الجديد، وإنه ليفضل من كل جانب أربع أصابع] (140)، ونحوها من الأساطير التي أدخلها اليهود مع الأسف في الإسلام وبالنتيجة صارت من العقائد المهمة لفرق الغلاة. فنحن إذا طالعنا مقالات الغلاة في كتب الملل والنحل وجدنا أن قسماً مهماً من مقالاتهم يدور حول هذه المسألة، وقد سبق أن نقلنا قول الشهرستاني أن بدع الغلاة محصورة في أربع: التشبيه، والبداء، والرجعة، والتناسخ.

وفضلاً عما ذُكر فإن هذا الموضع أيضاً لعب بدوره دوراً في تفرقة المسلمين وإيجاد فرقٍ باسم «المشبِّهة» و«المجسِّمة» في الإسلام، وانقسم المشبهة إلى فرق عدة من جملتها «الهشامية» و«الحشوية»، وشرح عقائدهم يطول ويخرج عن موضوع بحثنا.

والخلاصة أن هؤلاء بشكل عام يشبِّهون الخالق بالإنسان بكل معنى الكلمة حتى أنهم يثبتون لِـلَّهِ الحواس الخمسة والأطراف أي الأيدي والأقدام والعين والأنف و...الخ. وهؤلاء، علاوة على تفسيرهم آيات القرآن طبقاً لمقالاتهم، وضعوا أحاديث كثيرة في هذا الباب نسبوها للنبي الأكرم والأئمة مثل روايتهم عن النبيّ عليه السلام أنه قال: [لقيني ربِّي؛ فصافحني، وكافحني، ووضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله](141). ومنها ما رووا عن النبيّ عليه السلام أنه قال: [ينادي الله تعالى يوم القيامة بصوت يسمعه الأولون والآخرون](142).

و[رُويَ في اللآلئ عن ابن عباس رفعه [رأيت ربي في صورة شاب له وفرة]، وروي [في صورة شاب أمرد]. وفي الذيل [رأيت ربِّي بِمِنَى يوم النَّفْر على جمل أوْرِق عليه جُبَّة صوف أمام الناس]، ورُوِيَ [إذا أراد الله أن ينزل إلى السماء الدنيا نزل عن عرشه بذاته]] (143). ولدينا في كتب الأخبار لاسيما مجلدات «بحار الأنوار» أحاديث كثيرة تتضمن تشبيهاً وتجسيماً.

ومن المعلوم أن هؤلاء السادة المشبّهة والمجسّمة كان لهم باعٌ في موضوع الرجعة، لأن بعض أحاديثها يذكر أنه تعقيباً على حرب الشيطان مع حضرة الأمير ينزل الجبّار (أي الله تعالى) إلى الأرض و... مما سننقله لاحقاً إن شاء الله ومما هو صريح في التشبيه.

8- تحريف كتاب الله:

يذكر علماء الملل والنحل أن مما اختصّ به اليهود تحريفهم لكتاب الله -أي التوراة-، إذ كانوا يحذفون أشياء من التوراة إذا اقتضت مصلحتهم أو يضيفون أشياء إليها، حتى تشكّلت التوراة الحالية(144).

وقد أخبرنا القرآن في عدة مواضع بشكلٍ إجماليٍّ عن هذا العمل القبيح لليهود، فقال تعالى مثلاً: ﴿ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة:75]، وقال تعالى: ﴿ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾ [النساء:46]، وقال: ﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ﴾ [المائدة:41].

فهذا العمل الذي كان طبقاً لصريح القرآن واتفاق علماء الملل والنحل من أوصاف اليهود، سرى للأسف إلى المسلمين أي إلى فرق «الغلاة» الذين ارتكبوا بدورهم جناية كبيرة بحق عالم الإسلام!.

كل ما في الأمر أن اليهود نجحوا في مسعاهم، واستطاعوا أن ينقصوا ويزيدوا في التوراة ويوجدوا «التوراة الحالية»، أما القرآن الكريم فلمّا أخذ الله على نفسه العهدَ بحفظه وحراسته؛ حَفِظَهُ من كلِّ تبديل وتغيير، لذا فإن الآيات التي حرّفها أو وضعها الغلاة بقيت حبيسةَ حفنةٍ من الكتب المغبرّة ولم تستطع أن تلوث صفحات القرآن الجميلة.

وعلى كل حال لقد كانت فرق «الغلاة» التي تنبع جميع مقالاتها من خرافات اليهود عاراً على العالم الإسلامي، وقد قام هؤلاء «الغلاة» باتباع اليهود في نشرهم لمقالات طفولية، أي نشرهم لعقائدهم في قالب ألفاظ يخرجونها بشكل آيات قرآنية مُدَّعين أنَّ ثمَّةَ سورة كذا قد أُسقطت من القرآن ووضعوا أحاديث تفيد أن تلك الجملة أو تلك السورة حُذفت من القرآن ونسبوا تلك الأحاديث إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ والأئمّة عليهم السلام.

وقد مرّ معنا كيف أوَّلَتْ فرقة «الخطابية» أسماء جميع العبادات والمحرّمات بأسماء أشخاص، وأجاز أتباعُها وطءَ المحارم واستندوا في مقالاتهم تلك إلى تحريفهم لمعنى آية ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ﴾ [النساء:28] فقالوا لقد خُفِّفَ عنَّا بأبي الخطاب ووضع عنا الأغلال: يعنون الصلاة والزكاة والصيام والحج فمن عرف الرسول النبي الإمام فليصنع ما أحبّ!!. ووضعوا أحاديث مكذوبة افتروها في ذلك الأمر! كما قام سائر فرق «الغلاة» بصياغة كلمات تتضمَّن فضائل لأمير المؤمنين وسائر الأئمة عليهم السلام وغير ذلك من مقالاتهم بشكل سور قرآنية وأحاديث موضوعة وبثّوها بين الناس، وللأسف جَمَد بعض محدِّثينا على تلك الروايات الموضوعة وأوردوها في كتبهم دون أن يتأمّلوا ولو قليلاً في مضمونها ويحقّقوا في مصدرها! ويا ليتهم اكتفوا بذلك فقط ولم يقم أحدهم بتأليف كتابٍ على حدة جمع فيه جميع ذلك النوع من الروايات!

أجل لقد قام أحدهم لأجل إثبات تحريف كتاب الله بتأليف كتابٍ خاصٍّ خلّفه ذكرى باقية له! وقدَّم بهذا عوناً كبيراً لأعداء الإسلام لاسيما المنصِّرِين من رجال الكنيسة فأعطاهم بأيديهم حربةً قويّةً يطعنون بها الإسلام! وقام بعض عديمي العقل في عصرنا بأخذ تلك الحربة بتقليد أعمى وأخذوا يجرحون بها جسد الإسلام دون أن يدروا ماذا يفعلون!!

للوهلة الأولى يبدو أن هؤلاء لم يقرؤوا قوله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر:9]، ولكن عندما ندقق قليلاً، نرى أن علة الأمر أن أتباع القرآن أولئك (!) لم يعرفوا القرآن بوصفه كتاباً سماوياً عَمَليّاً، بل كل ما يفعلونه مع القرآن هو أنهم يقرؤونه كالببغاوات كفَّارةً لذنوبهم، أو يجعلونه رواق مجالس العزاء والترحّم على الأموات، أو سلاحاً لمحاربة الجن أو وسيلة للاستجداء، ولم يعرفوا له مقاماً ومنزلة غير ذلك! ويعتبرونه وكأنه مكتوب بلغة هندية خارجة عن حدود إدراكهم ويحيلون فهمه إلى الوجود المقدّس لحضرة وليّ العصر عجّل الله فرجه! فلا شك أنه بمثل هذا الوضع يمكنهم أن يضحُّوا بالقرآن فداءً لكل خبر لا أصل له أو حديثٍ مكذوب موضوع!!

أجل إن موضوع إثبات عدم تحريف الكتاب في غاية الأهمية وهو في الحقيقة من المسائل الحياتية للمجتمع الإسلامي، وهو من المواضيع التي يجب أن تُكتب حولها كتب وأبحاث عديدة، وأن تُلقى فيه خطبٌ كثيرةٌ، وفي النهاية يجب إفهام العالم بكل وسيلة ممكنة أن دين الإسلام منزه تماماً من هذه النقيصة وأن كتاب الإسلام مبرأ تماماً من تلك التهمة.

ونحن نأسف أن وضع هذا الكتاب المختصر لا يسمح لنا أن نطيل البحث في هذا الموضوع ونشرح كل ما يتعلق حوله، ولكن حتى لا نترك هذا الأمر دون توضيح كلياً، ننقل فيما يلي -باختصار- آراء ونظريات علماء الإسلام الكبار في هذا الشأن:

يقول المرحوم الشيخ الصدوق (محمد بن علي بن بابويه القمي) في كتابه «الاعتقادات»: [اعتقادنا: أن القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) هو ما بين الدفتين وهو ما في أيدي الناس، ليس بأكثر من ذلك. ومبلغ سوره عند الناس مائة وأربع عشر سورة... ومن نسب إلينا أنا نقول: إنه أكثر من ذلك فهو كاذب](145).

 ويقول المرحوم الشيخ الطَبرسي في تفسيره «مجمع البيان في تفسير القرآن»:

[فقد روىٰ جماعةٌ من أصحابنا وقومٌ من حشوية العامة أن في القرآن تغييراً ونقصاناً، والصحيح من مذهبنا خلافه وهو الذي نصره المرتضى(146) قدس الله روحه واستوفى الكلام فيه غاية الاستيفاء في جواب المسائل الطرابلسيّات. وذكر في مواضع أن العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والوقائع العظيمة والكتب المشهورة، وأشعار العرب المسطورة. فإن العناية اشتدَّت والدواعي توفَّرت على نقله وحراسته وبلغت إلى حدٍّ لم يبلغه فيما ذكرناه، لأن القرآن معجزة النبوة ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينية وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية حتى عرفوا كل شيء اختلف فيه من إعرابه، وقراءته، وحروفه، وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيراً أو منقوصاً، مع العناية الصادقة، والضبط الشديد؟!. وقال أيضاً قدّس الله روحه: إن العلم بتفسير القرآن وأبعاضه في صحّة نقله، كالعلم بجملته، وجرى ذلك مجرى ما علم ضرورة من الكتب المصنفة ككتاب سيبويه والمزنيّ(147)، فإن أهل العناية بهذا الشأن يعلمون من تفصيلها ما يعلمون من جملتها حتى لو أنَّ مُدْخِلاً أدخل في كتاب سيبويه باباً من النحو ليس من الكتاب لَعُرِفَ ومُيِّزَ وعُلِمَ أنه ملحق وليس من أصل الكتاب وكذلك القول في المزنِيّ ومعلومٌ أن العناية بنقل القرآن وضبطه أضبط(148) من العناية بضبط كتاب سيبويه ودواوين الشعراء. وذكر أيضاً رضي الله عنه أن القرآن كان على عهد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مجموعاً مؤلَّفَاً على ما هو عليه الآن واستدلَّ على ذلك بأن القرآن كان يُدرَّس ويُحفَظ جميعه في ذلك الزمان حتى عيّن على جماعة من الصحابة في حفظهم له، وأنه كان يُعرض على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ويُتْلى عليه وأن جماعةً من الصحابة مثل عبد الله بن مسعود وأبى بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عدّة ختمات وكل ذلك يدل بأدنى تأمّل على أنه كان مجموعاً مرتّباً غير مبتور ولا مبثوث. وذكر أن من خالف في ذلك من الإمامية والحشوية لا يُعْتَدُّ بخلافهم فإن الخلاف في ذلك مضاف إلى قومٍ من أصحاب الحديث نقلوا أخباراً صحيحةً ظنّوا صحتها لا يُرْجَع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحّته](149).

وقال المرحوم الشيخ «المفيد» في أواخر فصل الخطاب من كتابه «أوائل المقالات»: [وقد قال جماعة من أهل الإمامة إنه لم ينقص من كلمة ولا من آية ولا من سورة ولكن حذف ما كان مثبتاً في مصحف أمير المؤمنين عليه السلام من تأويله وتفسير معانيه على حقيقة تنزيله، وذلك كان ثابتاً منزَّلاً وإن لم يكن من جملة كلام الله تعالى الذي هو القرآن المعجِز.. وعندي أن هذا القول أشبه من مقال من ادَّعى نقصان كَلِمٍ من نفس القرآن على الحقيقة دون التأويل، وإليه أميل](150).

وقال «الشيخ البهائي» قُدّس سرّه(151): [الصحيح أنّ القرآن العظيم محفوظٌ عن التحريف، زيادةً كان أو نقصاناً، ويدلّ عليه قوله تعالى: [وإنّا لَهُ لَحَافِظُونَ] وما اشتهر بين الناس من إسقاط اسم أمير المؤمنين عليه السلام منه في بعض المواضع، مثل قوله تعالى: [يا أيُّها الرسولُ بَلّغ ما أُنْزِل إليكَ - في عليّ -] وغير ذلك، فهو غير معتبرٍ عند العلماء](152).

وعن المقدّس البغداديّ في «شرح الوافية»: [وإنما الكلام في النقيصة والمعروف بين أصحابنا، حتى حُكِيَ عليه الإجماع، عدمُ النقيصة أيضاً

وعنه أيضاً عن الشيخ «علي بن عبد العال الكركي»(153) أنّه صنَّف في نفى النقيصة رسالةً مستقلّةً وذكر كلام الصدوق المتقدِّم ثم اعترض بما يدلُّ على النقيصة من الأحاديث وأجاب [بأن الحديث إذا جاء على خلاف الدليل من الكتاب والسنة المتواترة أو الإجماع ولم يمكن تأويله ولا حمله على بعض الوجوه وجب طرحه](154).

وقال القاضي «نور الله الشوشتري»(155) في كتابه «مصائب النواصب»: [ما نسب إلى الشيعة الإمامية بوقوع التغيير في القرآن ليس مما قال به جمهور الإمامية إنما قال به شرذمةٌ قليلةٌ منهم لا اعتداد بهم فيما بينهم](156).

وقال المرحوم الشيخ جعفر كاشف العطاء(157)في كتابه «كشف الغطاء» (ص 299) ما نصه: [المبحث السابع في زيادته: لا زيادة فيه من سورة ولا آيةٍ من بسملة وغيرها لا كلمة ولا حرف وجميع ما بين الدفتين مما يتلى، كلام الله تعالى بالضرورة من المذهب بل الدين وإجماع المسلمين، المبحث الثامن في نقصه: لا ريب في أنه محفوظ من النقصان بحفظ الملك الديّان كما دلّ صريح القرآن وإجماع العلماء في جميع الأزمان].(158)

وقال العالم المعاصر فريد وجدي في «دائرة معارف القرن العشرين» تحت عنوان «سلامة القرآن من التحريف»: [لغط بعض المشاغبين بأن القرآن قد لا يسلم من التحريف فإن اختلاف الناس في قراءته قد تكون سبباً لزيادة بعض كلمات فيه أو نقصها منه، وهذا ظن لا يجول إلا في خيال من يريد إنكار الحس.

فقد قلنا إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستكتب القرآن عشرات من القراء وكان قد حفظه هو نفسه عن ظهر قلب وحفظه معه عشرات من الناس وكانوا يتعبّدون بتلاوته في صلواتهم ويفصلون بآياته في أقضيتهم فكيف يعقل أن يقع فيه التحريف مع هذه العناية كلها؟!.

لم يكن القرآن كغيرة من الكتب التي سبقته محتكراً في يد طائفة من الطوائف حتى يسبق إلى الذهن ظنٌّ في احتمال طروء التحريف إليه قصداً أو عفواً بل كان عاماً شائعاً بين أيدي المسلمين أُمِرُوا أن يتعبَّدوا بتلاوته وأن يَحكموا به فكيف يُتَصَوَّر أن يقع فيه تحريف ولا يدري به جمهورهم وهم إذ ذاك جاعلوه دستورهم في كل محاولاتهم الدينية والدنيوية والاجتماعية؟! وهل يعقل أن يقع فيه تحريف أو تبديل ولم يأتنا خبر ذلك مع علمك بأن الصحابة كانوا يتنافسون في ضبط ألفاظ الأحاديث وصغريات الأمور المتعلقة بالدين؟ هل يُتَصَوَّر أن يقع مثل هذا الأمر الجلل ولا يرفعون به رأساً وهم كانوا على ما علمت من العناية والاهتمام بشأنه؟.

ثم إن القرآن جُمِعَ على عهد رسول الله وعلى عهد أبي بكر وكان الكثيرون من جامعيه في مصاحف يتلونَه في بيوتهم، ولما جمعه عثمان أخيراً كان كتَّابه وحفَّاظه لا يزالون على قيد الحياة فكيف يعقل أن يتطرق إليه التحريف والحال كما رأيت؟.

إن شأن المسلمين في الأحاديث وتحرّيهم للصادق منها، ونبذهم ما لم يبلغ سنده غاية القوة أمر معلوم مشهور، لم تقم على مثله أمة من أمم المعمور، وقد كُذِب على رسول الله في حياته حتى اضطرَّ لأن يخطب الناس ويقول: [مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ] ولكنه لم يقل في يوم من الأيام: مَنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ مُتَعَمِّدًا فليتبوأ مقعده من النار، لأن ذلك كان مستحيلاً لحفظ القرآن بالكتابة كما قدمنا](159)

4- تخريب الإسلام وترويج المذاهب الباطلة:

من جملة أسباب وضع الحديث قيام جماعة من الزنادقة المتظاهرين بالإسلام بنشر سلسلة من الأوهام والخرافات بصورة أحاديث موضوعة لأجل إفساد تعاليم الإسلام والترويج لمذاهبهم الباطلة، ومن أولـئك الزنادقة عبد الكريم بن أبي العوجاء وبيان بن سمعان ومحمد بن سعيد الشامي وغلاة الشيعة كأمثال أبي الخطاب، ويونس بن ظبيان، ويزيد الصائغ، وأضرابهم، الذين قاموا بوضع جملة من الحديث ليفسدوا به الإسلام، وينصروا به مذهبهم.

وقد قُتل عبد الكريم بن أبي العوجاء بسبب زندقته وصُلب في زمان المهدي بن المنصور قال ابن عدي: لما أُخِذَ لتُضْرَبَ عُنُقُه، قال: وضعتُ فيكم أربعة آلاف حديثٍ أُحَرِّمُ فيها الحلال وأحلِّلُ الحرام!.

وكذلك قُتِلَ «بيان بن سمعان» في الزندقة، قتله خالد القسري وأحرقه بالنار.

و روى العقيلي عن حماد بن زيد قال: وَضَعَتْ الزنادقةُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة عشر ألف حديث، وروى عن عبد الله بن زيد المقري، أن رجلاً من الخوارج رجع عن بدعته فجعل يقول: «انظروا هذا الحديث عمن تأخذونه فإنا كنا إذا رأينا رأياً جعلنا له حديثاً!»(160).

وذكر ابن خلِّكان في تاريخه: [... وقال أبو عبد الرحمن النَّسائي: الكذّابون المعروفون بوضع الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعةٌ: ابن أبي يحيى بالمدينة، والواقدي ببغداد، ومقاتل بن سليمان بخراسان، ومحمد بن سعيد ويُعْرَف بالمصلوب بالشام](161).وأضاف ابن الجوزي عليهم أيضاً «أحمد ابن عبد الله الجويبارى» و«محمد بن عكاشة الكرماني» و«محمد بن تميم الفارابى»، وأسند إلى سهل بن السرى الحافظ أنه قال: إن هؤلاء وضعوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من عشرة آلاف حديث (162).

5- التقرّب إلى الخلفاء وإحراز المنزلة والمقام في المجتمع

من جملة دواعي وضع الحديث أن بعض الأشخاص كانوا يتشبّثون بذيل الحديث للتقرّب إلى الخلفاء والنبلاء ونيل الحظوة لديهم فيضعون لهم أحاديث توافق هواهم وذلك مثل «غياث بن إبراهيم» الذي دخل على المهدي بن المنصور وكان يُعجب بالحمام الطيّارة الواردة من الأماكن البعيدة فروى له فوراً حديثاً عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ قال: [لا سبق إلا في خفٍّ أو حافرٍ أو نصلٍ أو جناح] فأمر له المهدي بعشرة آلاف درهم، فلمّا خرج قال المهدي: [أشهد أن قفاه قفا كذّاب على رسول الله، ما قال رسول الله «جناح». ولكن هذا أراد أن يتقرّب إلينا]، وأمر بذبحها وقال: أنا حملته على ذلك(163).

وقد أشار ابن خلدون إلى أنه لما انتشر بين الناس الطرب واللهو واللعب في زمن خلفاء بني العباس تأسيّاً بالخلفاء العباسيين وضعوا أخبار كثيرة بشأن الملاذ والملاهي تقرّباً إلى الخلفاء وأكابر القوم(164).

كما قام فريق من الكسالى وضعيفي الأهلية ممن يبحثون في الوقت ذاته عن الشهرة والمكانة في المجتمع، بوضع أحاديث وإضافتها إلى محفوظاتهم والتحدُّث بها في المجامع، خاصَّةً أنَّ نقل الحديث في تلك الأزمنة كان علامة على الفضل ويُكسب صاحبه أهمية وجاهاً بين الناس.

وباختصار، إذا راجعنا كتب الدراية والتاريخ علمنا أنه منذ بدء اتساع الإسلام تمّ وضع أحاديث كثيرة تقرّباً إلى الخلفاء والأكابر حسب مقتضيات كل عصر وانتشرت بين الناس.

6- الارتزاق:

من موجبات وضع الحديث أن قوماً كانوا يضعون على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث يكتسبون بذلك ويرتزقون به كأبي سعيد المدائني وغيره، وقد ذكر الشهيد الثاني في «الدراية» من هذا الباب ما اتفق لأحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرصافة حيث دخلا المسجد فسمعا قاصَّاً يقول: [أخبرنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن أنس أنه صلى الله عليه وآله قال: من قال: لا إله إلا الله خلق من كل كلمة طيراً منقاره من ذهب وريشه من مرجانة، وأخذ في قصة طويلة، فأنكرا عليه الحديث، فقال: أليس في الدنيا غير كما أحمد ويحيى!!](165).

7- الترغيب والترهيب:

من جملة أسباب وضع الحديث قومٌ يُنْسَبون إلى الزهد والصلاح بغير علم، كانوا يضعون أحاديث حسبةً لِـلَّهِ وتقرُّباً إليه، ليجذبوا بها قلوب الناس إلى الله تعالى بالترهيب والترغيب، فَقَبِلَ الناسُ موضوعاتهم، ثقةً بهم، وركوناً إليهم، لظهور حالهم بالصلاح والزهد، ويظهر لك ذلك من أحوال الأخبار التي وضعها هؤلاء في الوعظ والزهد، وضمنوها أخباراً عنهم، ونسبوا إليهم أقوالاً وأحوالاً خارقة للعادة وكرامات لم يتفق مثلها لأولي العزم من الرسل، بحيث يقطع العقل بكونها موضوعة وإن كانت كرامات الأولياء ممكنة في نفسها.

وقد ذهب الكرّاميّة (أتباع محمد بن كرام السجستاني) وبعض المبتدعة من المتصوِّفة إلى جواز وضع الحديث للترغيب والترهيب ترغيباً للناس في الطاعة وزجراً لهم عن المعصية! قال يحيى بن القطان: [ما رأيتُ الكذبَ في أحد أكثر منه في من ينسب إلى الخير والزهد](166).

ويقول المرحوم الشهيد الثاني في كتابه «الدراية»:

[وأعظمهم (أي واضعي الأحاديث) ضرراً، مَنْ انتسب إلى الزهد والصلاح بغير علم، فاحتسب وضعه حسبةً لِـلَّهِ وتقرُّباً إليه ليجذب بها قلوب الناس إلى الله تعالى بالترغيب والترهيب، فقبل الناس موضوعاتهم، ثقة منهم بهم، وركونا إليهم، لظهور حالهم لصلاح والزهد.

ويظهر لك ذلك من أحوال الأخبار التي وضعها هؤلاء في المواعظ والزهد وضمّنوها أخباراً عنهم، ونسبوا إليهم أفعالاً وأحوالاً، خارقة للعادة وكرامات لم يتفق مثلها لأولى العزم، بحيث يقطع العقل بكونها موضوعة وإن كانت كرامات الأولياء ممكنة في نفسها، ومن ذلك ما رُوِىَ عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم المروزي أنه قيل له: مِنْ أين لك عن عكرمة، عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة، وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟؟ فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي محمد بن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبةً!.