ما رُوِيَ عَنْ عليٍّ عليه السلام في مُتَشابِهاتِ القُرْآن

لا خلاف بين المسلمين أن للقرآن الكريم محكماً ومتشابهاً كما قال الله عز وجل: ﴿ هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ ﴾[آل عمران:7].

واختلف المفسرون من المسلمين في معنى المحكم والمتشابه فاشتهر بينهم أن المحكم في القرآن ما لا يحتمل من المعنى إلا وجهاً واحداً، والمتشابه ما يحتمل وجهين فصاعداً من دون ترجيح أحدهما على غيره! وغفلوا عن ذكر القرائن (المتصلة والمنفصلة) في القرآن النافية عنه التشابه والإبهام! ونسوا أن الكتاب الذي يحتمل وجوهاً من المعاني المتعارضة لا يكون هادياً للناس ولا يرشدهم إلى الصواب بل يوقعهم في التيه والحيرة وذلك ينافي قوله العزيز: ﴿ هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ﴾[آل عمران:138]، وقوله تعالى: ﴿ .. كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾[آل عمران:103] وأمثال هذه الآيات.

وأما أمير المؤمنين علي عليه السلام فإنه ذهب إلى أن المتشابه في القرآن الحكيم هو الذي يبحث عن "الغيب المحجوب" كصفات الرب وأسرار ملكوته (جل وعلا) وما حجب الله تعالى عن العباد علمه(104).

وذهب الإمام عليه السلام أيضا إلى أن الراسخين في العلم يؤمنون بمتشابه القرآن ولا يعلمون تأويله، لأنه مما استأثر الله تعالى بعلمه(105)، كما رواه محمد بن علي ين بابويه القمي في كتابه "التوحيد" والشريف الرضي في "نهج البلاغة". قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة:

روى مسعدة بن صدقة عن الصادق جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: خطب أمير المؤمنين بهذه الخطبة على منبر الكوفة، وذلك أن رجلاً أتاه فقال: يا أمير المؤمنين صف لنا ربنا مثل ما نراه عياناً لنزداد له حباً وبه معرفةً، فغضب ونادى الصلاة جامعةً! فاجتمع إليه الناس حتى غص المسجد بأهله، فصعد المنبر وهو مغضب متغير اللون، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبيص ثم قال: الحمد لله الذي لا يفره المنع والجمود ولا يكديه الإعطاء والجود، إذ كل معط منتقص سواه وكل مانع مذموم ما خلاه، وهو المنان بفوائد النعم وعوائد المزيد والقسم، عياله الخلائق، ضمن أرزاقهم وقدر أقواتهم، ونهج سبيل الراغبين إليه والطالبين ما لديه وليس بما سئل بأجود منه بما لم يسأل، الأول الذي لم يكن له قبل فيكون شي‏ء قبله والآخر الذي لم يكن له بعد فيكون شي‏ء بعده، والرادع أناسي الأبصار عن أن تناله أو تدركه، ما اختلف عليه دهر فيخلف منه الحال ولا كان في مكان فيجوز عليه الانتقال...

(إلى أن وصل إلى قوله):

فانظر أيها السائل فما دلك القرآن عليه من صفته فائتم به واستضئ بنور هدايته، وما كلفك الشيطان علمه مما ليس في الكتاب عليك فرضه ولا في سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة الهدى أثره، فكل علمه إلى الله سبحانه، فإن ذلك منتهى حق الله عليك. واعلم أن الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن اقتحام السدد المضروبة دون الغيوب، الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فمدح الله اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علماً، وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخاً، فاقتصر على ذلك، ولا تقدر عظمة الله سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين(106).

أقول مما يؤيد هذا الكلام المتين والنص الجلي قوله تبارك وتعالى: ﴿ .. فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ ﴾[آل عمران:7] فلو لم يكن تأويل المتشابه مما استأثر الله بعلمه، لما ذم الله سبحانه طائفةً على طلب تأويل المتشابه، واقتصر بذمهم على ابتغائهم الفتنة فحسب(107). وهذا امر دقيق يفهم من كتاب الله(108)، فتدبر واغتنم.

 

الهوامش:

(104) قال عليه السلام عن عجز العقول عن اكتناه علمه وغيبه: ﴿ حار دون ملكوته عميقات مذاهب التفكير، وانقطع دون الرسوخ في علمه جوامع التفسير، وحال دون غيبه المكنون حجب من الغيوب، تاهت في أدنى أدانيها طامحات العقول) (تيسير المطالب في أمالي أبي طالب، (ص:198).

(105) ولسائل أن يسأل: ما الحكمة في إنزال الله سبحانه آيات متشابهات لا يعلم معناها أحد إلا الله نفسه؟! والجواب: ليس فهم معاني الآيات هو المشكل-سواء محكماتها أو متشابهاتها-لأنها لم تخرج عن أساليب كلام العرب لغةً وإعراباً وإنما الإشكال في فهم "تأويل المتشابه منها" أي معرفة حقائقها ومصاديقها، كحقيقة العرش، واللوح المحفوظ، وكتاب الأعمال، وأمثال هذه الأمور الغيبية.

(106) راجع نهج البلاغة، الخطبة (91)، وشرحه لابن أبي الحديد (2/538) وكتاب "التوحيد" لابن بابويه: (ص:55-56)، ورواه أيضاً من أئمة الزيدية السيد أبو طالب في أماليه (ص:202) بإسناده عن زيد بن أسلم مع اختلاف يسير في بعض ألفاظه فلا يوجد فيه: (مما ليس في الكتاب فرضه ولا في سنة النبي ص وأئمة الهدى أثره) وهكذا روى ابن عبد ربه شطراً منه في العقد الفريد.

(107) فبناء على ذلك "الواو" في قوله تعالى: ﴿ والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ﴾للاستئناف وليست عطفاً.

(108) من هنا نفهم وجه غضب الإمام عليه السلام، حين سأله الرجل عما نهاه القرآن أن يخوض فيه.