ما رُوِيَ عَنْ عليٍّ عليه السلام في تَفْسِيرِ الحُرُوفِ المقَطَّعَة

اختلف المفسرون في تفسير الحروف المقطعة التي جاءت في مفتتح بعض السور وأحسن الأقوال فيها وأصوبها قول أمير المؤمنين علي عليه السلام حيث قال أنها تشير إلى "أسماء الله عز وجل" فكان يدعو الله تعالى بها في حروبه ودعواته كما رواه نصر بن مزاحم المنقري في كتاب "وقعة صفين" عن الأصبغ بن نباتة(92) قال: "ما كان علي عليه السلام في قتال قط إلا نادى: كهيعص"(93).

وأخرج ابن ماجة في تفسيره من طريق نافع عن أبي نعيم القارئ عن فاطمة(94) بنت علي بن أبي طالب عليه السلام أنها سمعت علي بن أبي طالب يقول: "يا كهيعص اغفر لي"(95). رواه ابن جرير الطبري أيضاً بسند آخر في تفسيره(96).

ويؤيد هذا القول ما أخرجه ابن مردويه عن أبي صالح عن أم هانئ (أخت علي بن أبي طالب عليه السلام) عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: "كهيعص" قال: كاف, هاد, أمين(97), عالم, صادق(98).

و من طريق الإمامية روى محمد بن علي بن حسين بن بابويه في كتاب "معاني الأخبار" وكتاب "التوحيد" بإسناده عن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام قال: جاء يهودي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعنده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: ما الفائدة في حروف الهجاء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي أجبه وقال: اللهم وفقه وسدده. فقال علي بن أبي طالب: ما من حرف إلا وهو اسم من أسماء الله عز وجل... الحديث(99).

وقال الميبدي في تفسيره: "كان يحلف بكهيعص أمير المؤمنين علي"(100). والحلف لا يكون إلا بأسماء الله تعالى.

وأما ما حكي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي(101). فإنه لا ينافي تفسيره عليه السلام هذه الحروف, بأسماء الله، لأن الصفوة من كل شيء خالصه ومصطفاه, ومن القرآن الكريم أسماء الله عز وجل التي هي مفتاح معرفته ووسيلة دعائه وعبادته. قال الله تعالى: ﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾[الأعراف:180].

وقد تكلمت العرب بالحروف المقطعة كقول شاعرهم:

قلنا لها قفي, فقالت قاف! لا تحسبني أنا نسينا الإيجاف(102)، والقاف في هذا البيت تدل على كلمة "وفقت" فدلت المرأة بتكلم القاف على تمام مرادها, كذلك كل حرف من الحروف المقطعة في كلام الله يدل على اسم كامل من أسماء الله جل وعلا.

وهذا التفسير أليق بكتاب الله تعالى وأنسب من غيره, وإلى هذا ذهبت جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم, منهم عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما, قالوا: كل حرف من الحروف المقطعة "اشتق من حروف هجاء أسماء الله جل ثناءه", كما رواه الطبري عنهم في تفسيره(103)، وأما سائر الأقوال فهي من الظنون التي لا دليل عليها مثل ما قيل أنها رموز بين الله تعالى ورسوله! ولا محل للرموز في كتاب الله المبين الذي أنزله سبحانه هدى للناس ويسره للذكر وقال: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ؟ ﴾[النساء:82]، وقال: ﴿ .. وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا ﴾[النساء:174].

 

الهوامش:

(92) الأصبغ بن نباتة التميمي كان من أصحاب علي وخاصته.

(93) راجع: وقعة صفين, لنصر بن مزاحم, ص231.

(94) ذكرها محمد بن نعمان المفيد في كتابه "الإرشاد" في عداد أولاد علي بن أبي طالب عليه السلام.

(95) انظر: الاتقان في علوم القرآن, للسيوطي, (4/10).

(96) جامع البيان عن تأويل آي قرآن, للطبري, (16/ص44.

(97) الأمين أي المؤتمن, من أسمال الله تعالى.

(98) انظر: الإتقان, لليسوطي, (2/9).

(99) انظر: معاني الأخبار, لابن بابويه, ص44،و"التوحيد" له أيضاً ص244.

(100) راجع: كشف الأسرار وعدة الأبرار, لأبي الفضل الميـبدي, ص6.

(101) انظر مجمع البيان, للطبرسي, (1/68).

(102) انظر جامع البيان, للطبري, (1/90).

(103) انظر جامع البيان, للطبري, (1/88).