ما رُوِيَ عن عليٍّ عليه السلام في تفسير فاتحة الكتاب

سورة الفاتحة أول سورة مكية أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما وجدناه في رواية الإمام علي عليه السلام حيث قال: أول ما أنزل عليه صلى اله عليه وآله وسلم في مكة فاتحة الكتاب(75).

وإليك ما روي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام في شأن هذه السورة المباركة:

1- أخرج الدارقطني والبيهقي في السنن بسند صحيح عن عبد خير قال سئل علي رضي الله عنه عن السبع المثانى فقال: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾، فقيل له إنما هي ست آيات! فقال: بسم الله الرحمن الرحيم آية(76).

أقول: يؤيد هذا القول ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إذا قرأتم الحمد فاقرؤا ﴿ بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثانى وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها ﴾ أخرجه الدارقطني وصححه، والبيهقي في السنن(77).

ومن طريق الإمامية روى محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي بإسناده عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إن الله عز وجل قال لي: يا محمد! ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ﴾ (78)، فأفرد الامتنان علي بفاتحة الكتاب، وجعلها بإزاء القرآن العظيم، وإن فاتحة الكتاب أشرف ما في كنوز العرش(79).

قلت ويؤيد ذلك أيضا جهر علي عليه السلام بالبسملة في الفاتحة وفي كل سورة كما رواه السيوطي في الدر المنثور فقال:

وأخرج البزار والدارقطني والبيهقي في شعب الإيمان من طريق أبي الطفيل قال: سمعت علي بن أبي طالب، وعمار يقولان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجهر في المكتوبات بـ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ في فاتحة الكتاب.

وأخرج الدارقطني عن علي بن أبي طالب قال: "كان النبي يجهر ب ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ في السورتين جميعا. وأخرج الدارقطني عن علي بن أبي طالب قال: قال النبي"كيف تقرأ إذا قمت إلى الصلاة؟ قلت ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ قال: قل ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ (80).

وروى ابن بابويه القمي في كتاب "التوحيد" أن رجلاً سأل علي بن الحسين عليهما السلام عن معنى " ﴿ بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾؟ فقال: حدثني أبي عن أخيه الحسن عليه السلام عن أبيه أمير المؤمنين عليه السلام أن رجلاً قام إليه فقال يا أمير المؤمنين أخبرني عن بسم الله الرحمن الرحيم ما معناه؟ فقال: إن قولك الله أعظم اسم من أسماء الله عز وجل، وهو الاسم الذي لا ينبغي أن يسمى به غير الله، ولم يتسم به مخلوق ﴾. فقال الرجل: فما تفسير قوله الله؟ قال: ﴿ هو الذي يتأله إليه عند الحوائج والشدائد كل مخلوق عند انقطاع الرجاء من جميع من هو دونه وتقطع الأسباب من كل من سواه، وذلك أن كل مترئس في هذه الدنيا ومتعظم فيها وإن عظم غناؤه وطغيانه وكثرت حوائج من دونه إليه فإنهم سيحتاجون حوائج لا يقدر عليها هذا المتعاظم وكذلك هذا المتعاظم يحتاج حوائج لا يقدر عليها فينقطع إلى الله عند ضرورته وفاقته حتى إذا كفى همه عاد إلى شركه أما تسمع الله عز وجل يقول: ﴿ قُلْ أرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ ﴾، فقال الله عز وجل لعباده أيها الفقراء إلى رحمتي إني قد ألزمتكم الحاجة إلي في كل حال وذلة العبودية في كل وقت فإلي فافزعوا في كل أمر تأخذون فيه وترجون تمامه وبلوغ غايته فإني إن أردت أن أعطيكم لم يقدر غيري على منعكم وإن أردت أن أمنعكم لم يقدر غيري على إعطائكم فأنا أحق من سئل وأولى من تضرع إليه فقولوا عند افتتاح كل أمر صغير أو عظيم بسم الله الرحمن الرحيم أي أستعين على هذا الأمر بالله الذي لا يحق العبادة لغيره، المغيث إذا استغيث، المجيب إذا دعي، الرحمن الذي يرحم ببسط الرزق علينا، الرحيم بنا في أدياننا ودنيانا وآخرتنا، خفف علينا الدين وجعله سهلاً خفيفاً، وهو يرحمنا بتميزنا من أعدائه. ثم قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من حزنه أمر تعاطاه فقال بسم الله الرحمن الرحيم وهو مخلص لله يقبل بقلبه إليه لم ينفك من إحدى اثنتين إما بلوغ حاجته في الدنيا وإما يعد له عند ربه يدخر لديه وما عند الله خير وأبقى للمؤمنين(81).

 أقول: الرحمن والرحيم كلمتان مأخوذتان من الرحمة، والرحيم أرق من الرحمن، كما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "فالرحيم أرق من الرحمن وكلاهما رفيقان(82)". وهذا المعنى بين في كلام الإمام عليه السلام، حيث حمل معنى الرحمن على الذي يرحمنا ببسط الرزق علينا، والرحيم على من يرحمنا في أدياننا ودنيانا وآخرتنا بالتسهيل علينا والتخفيف عنا، كما قال الله عز وجل في كتابه: ﴿ يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا ﴾ [النساء:28].

ولا يخفى أن الرقة من صفات الخلق ولا يوصف بها الخالق فالمراد بالرقة في الحديث: آثارها من الإنعام والتخفيف والعفو كما قال الإمام علي عليه السلام في شأنه سبحانه: بصير لا يوصف بالحاسة، رحيم لا يوصف بالرقة(83).

2- روي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال: الرحمن الرحيم ينفي بهما القنوط عن خلقه(84).

3- وأخرج البيهقي عن علي قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سريةً من أهله فقال: اللهم لك علي إن رددتهم سالمين أن أشكرك حق شكرك. فما لبثوا أن جاؤا سالمين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحمد لله على سابغ نعم الله. فقلت: يا رسول الله! ألم تقل إن ردهم الله أن أشكره حق شكره، فقال: أو لم أفعله؟!.

أقول: المراد من "الحمد" الشكر الكامل تارةً، والثناء التام تارةً أخرى، كما روي أيضاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ليس شيء أحب إلى الله تعالى من الحمد ولذلك أثنى على نفسه فقال: الحمد لله(85).

4- قال أبو الفضل بن الحسن الطبرسي في تفسير قوله تعالى: ﴿ اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ ﴾ (رووا عن أمير المؤمنين عليه السلام أن معناه: ثبتنا(86).

5- وقال الطبرسي: قيل في معنى "الصراط المستقيم" وجوه:

أحدها: أنه "كتاب الله" وهو المروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم(87).

أقول: أشار الشيخ أبو علي إلى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في رواية علي عليه السلام حيث قال: ..كتاب الله فيه نبأ ما كان قبلكم، وخبر ما بعدكم، (إلى قوله):...وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم(88).

ويؤيده قوله تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ [الإسراء:9]

﴿ وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا ﴾ [الأنعام:126]

﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ﴾ [الأنعام:153].

وقد فسر "الصراط المستقيم"، في كتاب الله عز وجل، بالعبودية الخالصة كما قال سبحانه: ﴿ وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ﴾ [يس:61]. ولما قال إبليس لعنه الله: ﴿ ..لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾ كان جواب الله تعالى له: ﴿ قَالَ: هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ. إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ [الحجر:39-42]، ولا شك أن هذه النعمة السامية والدرجة الرفيعة هي التي أنعم الله عز وجل بها على أنبيائه المقربين، وعباده الصالحين ولذلك قال تعالى: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ ﴾ [الفاتحة:7].

6- روى محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي في كتابه "معاني الأخبار" بإسناده عن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام في قول الله عز وجل: ﴿ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾: أي قولوا اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم بالتوفيق لدينك وطاعتك، وهم الذين قال الله عز وجل فيهم: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ﴾ [النساء:69]، وحكي هذا بعينه عن أمير المؤمنين عليه السلام.

7- و روي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال: ﴿ إن الله أمر عباده أن يسألوه طريق المنعم عليهم وهم [النبيون] والصديقون والشهداء والصالحون، وأن يستعيذوا من طريق المغضوب عليهم، وهم اليهود الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ﴾ [المائدة:60]. وأن يستعيذوا أيضاً من طريق الضالين وهم الذين قال الله فيهم: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ ﴾ [المائدة:77] وهم النصارى. وقال عليه السلام: كل من كفر بالله فهو مغضوب عليه، وضال عن سبيل الله(89).

أقول: ذكر اليهود والنصارى في تفسير المغضوب عليهم والضالين جاء من باب تعيين المصاديق وتطبيق الموارد ولا شك "إن المورد لا يخصص الوارد".

8- و روي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قال الله عن وجل: قسمت فاتحة الكتاب بيني وبين عبدي نصفين. فنصفها لي ونصفها لعبدي. ولعبدي ما سأل. إذا قال العبد: "بسم الله الرحمن الرحيم"، قال جل جلاله: بدأ عبدي باسمي وحق علي أن أتمم له أموره وأبارك له في أحواله. فإذا قال العبد: "الحمد لله رب العالمين". قال الله جل جلاله: حمدني عبدي وعلم أن النعم التي له من عندي، وأن البلايا التي دفعت عنه بطولي أشهدكم أني أضيف له إلى نعم الدنيا نعم الآخرة وأدفع عنه بلايا الآخرة كما دفعت عنه بلايا الدنيا. فإذا قال "الرحمن الرحيم" قال الله جل جلاله: شهد لي عبدي أني الرحمن الرحيم أشهدكم لأوفرن من رحمتي حظه ولأجزلن من عطائي نصيبه. فإذا قال "مالك يوم الدين" قال الله جل جلاله: أشهدكم كما اعترف أني أنا مالك يوم الدين لأسهلن يوم الحساب حسابه ولأتجاوزن عن سيئاته. فإذا قال: "إياك نعبد" قال الله عز وجل: صدق عبدي إياي يعبد أشهدكم لأثيبنه على عبادته ثواباً يغبطه كل من خالفه في عبادته لي، فإذا قال: "وإياك نستعين" قال الله عز وجل: بي استعان عبدي والتجأ إلي أشهدكم لأعيننه على أمره ولأغيثنه في شدائده، ولآخذن بيده يوم نوائبه، فإذا قال: "اهدنا الصراط المستقيم إلى آخر السورة"، قال الله عز وجل: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل فقد استجبت لعبدي وأعطيته ما أمل وآمنته مما منه وجل(90).

 

الهوامش:

(75) المشهور بين المفسرين أن فاتحة الكتاب أنزلت بعد نزول خمس آيات من سورة العلق.

(76) الدر المنثور في التفسير بالمأثور، للسيوطي، (1/3).

(77) المصدر السابق.

(78) سورة الحجر: (87).

(79) انظر "عيون أخبار الرضا"، لابن بابويه القمي، (ص:167).

(80) تفسير "الدر المنثور" للسيوطي، ذيل تفسيره لسورة الفاتحة.

(81) كتاب "التوحيد" لمحمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، (ص:231-231).

(82) تفسير الدر المنثور، للسيوطي، (1/9).

(83) انظر نهج البلاغة، الخطبة (177).

(84) انظر تفسير كشف الأسرار وعدة الأبرار، لأبي الفضل الميبدي، (1/13).

(85) انظر تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لأبي جعفر بن جرير الطبري، (1/60).

(86) تفسر جوامع الجامع لأبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي، (1/9).

(87) تفسير مجمع البيان للطبرسي، (1/58).

(88) سبق تخريج الحديث قبل صفحات حيث أخرجه من أهل السنة: الترمذي والدرامي في سننهما، وأخرجه من الإمامية: العياشي في تفسيره.

(89) راجع: البرهان في تفسير القرآن، للمحدث البحراني، (1/52).

(90) انظر عيون أخبار الرضا، لابن بابويه القمي، (ص:166-167). هذا وقد روى نحوه من أهل السنة-بلفظ أقل وأكثر اختصاراً بكثير-مسلم في صحيحه، وأصحاب السنن الأربعة أبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجة، وأحمد في مسنده.