تَرْتِيْبُ سُوَرِ القُرْآنِ في مُصْحَفِ عليٍّ عليه السلام

ترتيب الآيات في كل سورة من القرآن كان بتعيين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتوقيفه، ولم يكن مجالاً للرأي والاجتهاد فيه، وأما ترتيب السور على ما هو عليه الآن، فلم يكن توقيفياً كله، بل كان كثير منه باجتهاد من الصحابة، يدل عليه أن مصاحف الصحابة مثل مصحف أبي بن كعب رضي الله عنه ومصحف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ومصحف علي بن أبي طالب عليه السلام كانت مختلفة في ترتيب السور. والمصاحف تكتب لأجل تلاوتها فكما يجوز أن تتلى السور في المصاحف على غير ترتيب نزولها فكذلك جائز كتابتها على غير ذلك الترتيب.

ومع هذا فإن احترام ترتيب السور على النمط الذي نراه اليوم أمر واجب لأنه وقع عن إجماع الصحابة، ووافقهم على ذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.

فأما مصحف علي عليه السلام الذي كتبه بخطه فقد رآه من المصنفين الإمام الهادي يحيى بن الحسين بن قاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام من أئمة الزيدية، الذي توفى سنة 298 من الهجرة, فذكر في كتابه المسمى بـ"الأحكام" أنه وجد مصحف علي عليه السلام عند عجوز من آل الحسن (سبط النبي صلى الله عليه وآله وسلم) عليه السلام فكان على ما في أيدي الناس(64). وفي المائة الرابعة قد رأى محمد بن إسحاق النديم أيضاً مصحفاً بخط علي بن أبي طالب عليه السلام عند أبي يعلى الحسني وأخبر بذلك في كتابه المسمى بـ"الفهرست" فقال:

"ورأيت أنا في زماننا عند أبي يعلى حمزة الحسني رحمه الله مصحفاً قد سقط منه أوراق بخط علي بن أبي طالب يتوارثه بنو حسن على مر الزمان وهذا ترتيب السور من ذلك المصحف(65)..".

ومما يستدعي الأسف فقدان ذكر ذلك الترتيب من كتاب "الفهرست" في جميع النسخ التي وصلت إلينا ومع هذا يوجد ترتيب نزول السور برواية أمير المؤمنين علي عليه السلام في آثار المتأخرين من العلماء كما جاء في تفسير "مجمع البيان" لأبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي (من علماء الإمامة في القرن السادس) وفي تفسير "مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار" لمحمد بن عبد الكريم الشهرستاني (من أعلام المائة السادسة) وفي كتب غيرها على اختلاف في ترتيب بعض السور.

و نحن نرجح الترتيب الذي روي عن علي عليه السلام في الجزء الأول من كتاب "مقدمتان من علوم القرآن" على غيره لأن مصنفه قد أورد رواية الإمام عليه السلام من دون تقطيعها، بخلاف الشيخ أبي علي الطبرسي، فإنه ذكر شطراً منها وحذف الباقي(66). وأما رواية الشهرستاني عن مقاتل بن سليمان عن علي عليه السلام ففيها أخطاء كثيرة تمنعنا عن الاعتماد عليها.

فالمصنف المشار إليه (وهو أحد علماء المغاربة) روى بإسناده عن سعيد بن المسيب عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ثواب القرآن فأخبرني بثواب كل سورة على نحو ما أنزلت من السماء وبأن أول ما أنزل عليه بمكة فاتحة الكتاب, ثم: إقراء باسم ربك, ثم: ن والقلم, ثم: يا أيها المدثر, ثم: يا أيها المزمل, ثم: إذا الشمس, ثم: سبح اسم ربك, ثم: والليل, ثم: والفجر, ثم: والضحى, ثم: ألم نشرح, ثم والعصر, ثم: والعاديات, ثم: الكوثر, ثم: ألهاكم, ثم: أرأيت, ثم: الكافرون, ثم ألم(67)، ثم: الفلق, ثم: الناس, ثم: الإخلاص, ثم: عبس, ثم: إنا أنزلناه, ثم: والشمس, ثم: البروج, ثم: والتين, ثم: لإيلاف, ثم: القارعة, ثم: القيامة, ثم: همزة, ثم: المرسلات, ثم: البلد, ثم: الطارق, ثم: الساعة, ثم: ص, ثم: المص, ثم: قل أوحى, ثم: يس, ثم: الفرقان, ثم: الملائكة, ثم: كهيعص, ثم: طه, ثم: الواقعة, ثم: الشعراء, ثم: النمل, ثم: القصص, ثم: سبحان, ثم: يونس, ثم: هود, ثم: يوسف, ثم: الحجر, ثم: الأنعام, ثم: الصافات, ثم: لقمان, ثم: سبأ, ثم: الزمر, ثم: الحواميمات يتبع بعضها بعضاً, ثم: الذاريات, ثم: الغاشية, ثم: الكهف, ثم: النخل, ثم: إنا أرسلنا, ثم: إبراهيم, ثم: الأنبياء, ثم: المؤمنون, ثم: الم السجدة, ثم: والطور, ثم: الملك, ثم: الحاقة, ثم: سأل سائل, ثم: عم يتساءلون, ثم: النازعات, ثم: انفطرت, ثم: الروم, ثم: العنكبوت, ثم: المطففين, ثم: انشقت.

وما أنزل بالمدينة أول سورة: البقرة, ثم: الأنفال, ثم: آل عمران, ثم: الأحزاب, ثم: الممتحنة, ثم: النساء, ثم: إذا زلزلت, ثم: الحديد, ثم: سورة محمد صلى الله عليه وآله وسلم, ثم: الرعد, ثم: الرحمن, ثم: هل أتى, ثم: الطلاق, ثم: لم يكن, ثم: الحشر, ثم: إذا جاء نصر الله, ثم: النور, ثم: الحج, ثم: المنافقون, ثم: المجادلة, ثم: الحجرات, ثم: التحريم, ثم: الجمعة, ثم: التغابن, ثم: الفتح, ثم: المائدة, ثم: التوبة, ثم: النجم, فهذا ما أنزل بالمدينة(68) الحديث(69).

أقول: إن هذه الرواية من أهم الروايات في ترتيب السور القرآنية كما أنزلت من السماء، ومع الأسف قد وقع فيها نقص وخلل، حيث لا يوجد فيها سورة المسد (ومكانها بعد المزمل)(70) وسورة الصف (وموضعها بعد التغابن) (71) ووضعت سورة "النجم" في آخرها وهي مكية نزلت بعد سورة الإخلاص كما روي في مجمع البيان(72) وغيره عن ابن عباس رضي الله عنه وقد نزلت سورة هود أيضاً قبل سورة يونس كما يشهد عن ذلك بعض آياتهما(73).

وفي ظني أن أمير المؤمنين علياً عليه السلام جمع القرآن مرتين، مرة جمعه على ترتيب نزوله وأخرى على النمط الذي نراه اليوم في المصاحف كما شهد عليه الهادي يحيى بن الحسين في المائة الثالثة وقال كان مصحفه عليه السلام على ما في أيدي الناس.

وروى اليعقوبي جمعاً ثالثاً لأمير المؤمنين عليه السلام جزء فيه القرآن على سبعة أجزاء(74). والله تعالى أعلم.

 

الهوامش:

(64) انظر: كتاب "الحاكم الجشيمي ومنهجه في تفسير القرآن" ص416.

(65) انظر كتاب "الفهرست" لمحمد بن إسحاق النديم, (ص:48) باب "ترتيب سور القرآن في مصحف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه".

(66) انظر: تفسير "مجمع البيان" للطبرسي, عند تفسير سورة الإنسان.

(67) أي سورة الفيل.

(68) انظر: مقدمتان في علوم القرآن, ص14و15.

(69) انظر ذيل الحديث في (ص:8) من كتابنا هذا.

(70) راجع: رواية ابن عباس في مجمع البيان للطبرسي، عند تفسير سورة الإنسان.

(71) المصدر السابق.

(72) المصدر السابق.

(73) قارن: بين سورة هود: (13) وسورة يونس: (38) وراجع: قول "مجاهد" من قدماء المفسرين في كتاب الفهرست (لمحمد بن اسحق) حيث قدم سورة هود على سورة يونس.

(74) راجع: تاريخ اليعقوبي، المجلد الثاني، (ص:135).