مما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام في تفسير آيِ النِّكاحِ والطَّلاقِ

1- قال تعالى: ﴿ وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾ [النساء:129].

روي في مسند الإمام زيد بن علي عن أبيه عن جده عن أمير المؤمنين علي عليه السلام في قول الله عز وجل: ﴿ وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ ﴾ قال: هذا في الحب والجماع وأما النفقة والكسوة والبيتوتة فلا بد من العدل في ذلك(266)

2- وقال الله عز وجل: ﴿ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ.. الآية ﴾ [المائدة:5].

روي من طريق عبيد الله بن عمر بن علي عن جده أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال: لا ينكح اليهودي ولا النصراني المسلمة، وينكح المسلم اليهودية والنصرانية(267)

أقول: يستنبط هذا الحكم مما أحل الله تعالى في كتابه للمسلم أن ينكح امرأةً كتابية ولم يأذن للمسلمة أن ينكحها رجل من أهل الكتاب. أما قوله قوله تعالى: ﴿ لا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ﴾ [الممتحنة:10] فإنه نزل في الكفار الوثنيين والمسلمات المهاجرات.

3- وروي في مسند الإمام زيد بن علي عن علي عليه السلام في الرجل تأتي امرأته بولد فينفيه، قال:

يلاعن الإمام بينهما يبدأ بالرجل فيشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين. ثم تشهد المرأة أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. فإذا فعلا ذلك فرق الإمام بينهما ولم يجتمعا أبداً. وألحق الولد بأمه(268).

أقول: هذا تفسير ما جاء في سورة النور من أمر اللعان(269).

4- وروي فيه أيضاً أن علياً عليه السلام قال: الإيلاء هو القسم، وهو الحلف، وإذا حلف الرجل لا يقرب امرأته أربعة أشهر أو أكثر من ذلك فهو مول، وإن كان دون الأربعة أشهر فليس بمول. أقول: هذا تفسير قوله العزيز: ﴿ لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة:226-227].

5- قال الله عز وجل: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ.. الآية ﴾ [البقرة:228].

أقول: القروء جمع قرء، واختلف المفسرون في معنى القرء، فقالت طائفة منهم أن المراد بالقرء هو فترة الطهر، وقالت طائفة أخرى القرء هو الحيض، ورووا ذلك عن أمير المؤمنين علي عليه السلام(270). وبه قال ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما، وغيرهما من الصحابة.

والصواب أن القرء يطلق على الحيض والطهر لغةً ولكن الأقرب أن المراد هنا في الشرع هو: الحيض، كما روي عن الإمام عليه السلام، والوجه في ذلك أن الله تعالى قال: ﴿ وَاللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ... الآية ﴾ [الطلاق:4]، فأقام الله سبحانه الأشهر مقام الحيض دون الأطهار. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لفاطمة بنت أبي حبيش: دعي الصلوة أيام أقرائك، أي أيام حيضك(271).

وقال علي عليه السلام في قوله عز شأنه في بقية الآية المذكورة من سورة البقرة أي: ﴿ ..وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحًا ﴾ [البقرة:228]: تحل لزوجها الرجعة عليها حتى تغتسل من الحيضة الثالثة، وتحل للأزواج(272).

ومع ذلك كله فإن الأمر اختلافي، والإمامية رووا عن أمير المؤمنين علي عليه السلام رأياً غير ذلك(273) والله تعالى أعلم.

6- ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة:241]

قال السيوطي في الدر المنثور: أخرج ابن المنذر عن علي بن أبي طالب قال: لكل مؤمنة طلقت حرةً أو أمةً، متعة، وقرأ ﴿ وللمطلَّقَاتِ مَتَاعٌ بالمعْرُوفِ حَقَّاً عَلَى المتَّقِينَ ﴾. وأخرج البيهقي عن جابر بن عبد الله قال: لما طلق حفص بن المغيرة امرأته فاطمة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لزوجها. متعها. قال: لا أجد ما أمتعها. قال: فإنه لا بد من المتاع، متعها ولو نصف صاع من تمر.

7- قال الله عز وجل: ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [البقرة:237].

أخرج محمد ابن جرير الطبري عن عيسى بن عاصم الأسدي: أن علياً سأل شريحاً عن الذي بيده عقدة النكاح، فقال: هو الولي. فقال علي: لا، ولكنه الزوج(274).

أقول: ومعنى ذلك إن شاءت المرأة عفت فتركت نصف الصداق، وإن شاء زوجها يتم لها الصداق. ومن قال إن المراد من الذي بيده عقدة النكاح هو الولي، فقوله غير مستقيم لأن الولي لا حق له في صداق المرأة حتى يعفو أو لا يعفو عن صداقها! والولي ليست بيده عقدة النكاح، ولكن بيده "عقد" النكاح! والذي بيده عقدة النكاح فيمسكها أو يحلها هو الزوج!

8- وقال تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ﴾ [النساء:35].

روى العياشي (محمد بن مسعود) عن محمد بن سيرين عن عبيدة قال أتى علي بن أبي طالب عليه السلام رجل وامرأة، مع كل واحد منهما فئام(275) من الناس. فقال عليه السلام: ﴿ ابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها، ثم قال للحكمين: هل تدريان ما عليكما؟ عليكما إن رأيتما أن يُجْمَعَا جَمَعْتُمَا، وان رأيتما أن يُفَرَّقَا فَرَّقْتُمَا، فقالت المرأة: رضيتُ بكتابِ اللهِ عليَّ وليٌّ، فقال الرجل: أمَّا في الفرقة فلا، فقال عليٌ عليه السلام: ما تبرح حَتَّى تُقِرَّ بما أقرَّتْ به ﴾ (276).

أقول: حق الإصلاح والتفريق من شؤون الحكمية فإذا أمر الله تعالى باتخاذ الحكمين في قوله عز وجل: ﴿ فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا ﴾ فقد فوض حق الإصلاح والتفريق إليهما.

9 - وقال الله عز وجل: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [البقرة:234]. وقال سبحانه: ﴿ وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾ [الطلاق:4].

ذهب أمير المؤمنين علي عليه السلام إلى أن الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد بأبعد الأجلين: وضع الحمل أو الأربعة أشهر وعشرا. وفيما يلي ما نقله السيوطي في الدر المنثور من روايات عن أمير المؤمنين في هذا الأمر، قال:

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة عن علي بن أبي طالب في الحامل إذا وضعت بعد وفاة زوجها قال: "تعتد أربعة أشهر وعشراً".

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب أن عمر استشار علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت (أي في المرأة الحامل التي وضعت حملها بعد أن توفي عنها زوجها)، قال زيد: قد حلت، وقال علي بن أبي طالب: أربعة أشهر وعشرا. قال زيد: أرأيت إن كانت آيساً؟ قال علي: فآخر الأجلين.

وأخرج ابن المنذر عن مغيرة قال: قلت للشعبي: ما أصدق أن علي بن أبي طالب، كان يقول: عدة المتوفي عنها زوجها آخر الأجلين، قال: بلى، فصدق به كأشد ما صدقت بشيء، كان علي يقول: إنما قوله: ﴿ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن في المطلقة ﴾ انتهى من الدر المنثور.

 

الهوامش:

(266) مسند الإمام زيد، (ص:312).

(267) مسند الإمام زيد، (ص:312).

(268) مسند الإمام زيد، (ص:332).

(269) راجع سورة النور: الآيات: (6-9).

(270) انظر مجمع البيان، للطبرسي، (2/227)، ومسند الإمام زيد، (ص:323).

(271) انظر تفسير الطبري، (2/444)، وهذا الحديث أخرجه أيضاً الإمام أحمد في مسنده، المجلد السادس، مسند عائشة.

(272) الدر المنثور في التفسير بالمأثور، ذيل تفسيره لقوله تعالى: ﴿ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ﴾ البقرة: (228) ، قال: أخرج الشافعي وعبد الرزاق وعبد بن حميد والبيهقي عن علي بن أبي طالب قال: الحديث.

(273) راجع الفروع من الكافي، (9/89)[باب معنى الإقراء].

(274) انظر تفسير الطبري، (2/545).

(275) الفئام: الجماعة من الناس، ولا واحد له من لفظه.

(276) تفسير العياشي، لمحمد بن مسعود العياشي، (1/241).