مما رُوِيَ عن عليٍّ عليه السلام في آيِ الجهادِ في سَبِيلِ اللهِ

1- قال الله العظيم في كتابه: ﴿ انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [التوبة:41].

روى الكليني في الفروع من الكافي بإسناده عن الأصبغ بن نباتة(253) قال: قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: ﴿ كَتَبَ اللَّهُ الْجِهَادَ عَلَى الرِّجَالِ والنِّسَاءِ فَجِهَادُ الرَّجُلِ بَذْلُ مَالِهِ ونَفْسِهِ حَتَّى يُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قال: وَجِهَادُ الْمَرْأَةِ حُسْنُ التَّبَعُّل ﴾ (254).

وروى الكليني عن مالك بن أعين قال: حرض أمير المؤمنين عليه السلام الناس بصفين فقال (مشيراً إلى ما جاء في سورة الصف) إن الله عز وجل دلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم وتشفي بكم على الخير الإيمان بالله والجهاد في سبيل الله وجعل ثوابه مغفرةً للذنب ومساكن طيبةً في جنات عدن. وقال عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ ﴾ فسووا صفوفكم كالبنيان المرصوص...

(إلى قوله) ولا تمثلوا بقتيل وإذا وصلتم إلى رجال القوم فلا تهتكوا ستراً ولا تدخلوا داراً ولا تأخذوا شيئاً من أموالهم إلا ما وجدتم في عسكرهم، ولا تهيجوا امرأةً بأذًى، وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم وصلحاءكم، فإنهن ضعاف القوى والأنفس والعقول، وقد كنا نؤمر بالكف عنهن وهن مشركات وإن كان الرجل ليتناول المرأة فيعير بها وعقبه من بعده.

و اعلموا أن أهل الحفاظ هم الذين يحفون براياتهم ويكتنفونها ويصيرون حفافيها ووراءها وأمامها ولا يضيعونها لا يتأخرون عنها فيسلموها ولا يتقدمون عليها فيفردوها رحم الله امرأً واسى أخاه بنفسه ولم يكل قرنه إلى أخيه فيجتمع قرنه وقرن أخيه فيكتسب بذلك اللائمة ويأتي بدناءة وكيف لا يكون كذلك وهو يقاتل الاثنين وهذا ممسك يده قد خلى قرنه على أخيه هارباً منه ينظر إليه وهذا فمن يفعله يمقته الله فلا تعرضوا لمقت الله عز وجل فإنما ممركم إلى الله وقد قال الله عز وجل ﴿ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلا قَلِيلاً ﴾. وأيم الله لئن فررتم من سيوف العاجلة لا تسلمون من سيوف الآجلة، فاستعينوا بالصبر والصدق فإنما ينزل النصر بعد الصبر فجاهدوا في الله حق جهاده، ولا قوة إلا بالله... الحديث(255).

وروى الكليني في الفروع من الكافي أيضاً عن عقيل الخزاعي قال: إن أمير المؤمنين علي عليه السلام كان إذا حضر الحرب يوصي المسلمين بكلمات (منها): ثم إن الجهاد أشرف الأعمال بعد الإسلام وهو قوام الدين والأجر فيه عظيم مع العزة والمنعة، وهو الكرة فيه الحسنات والبشرى بالجنة بعد الشهادة وبالرزق غداً عند الرب والكرامة. يقول الله عز وجل: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً.. الآية ثم إن الرعب والخوف من جهاد المستحق للجهاد والمتوازرين على الضلال، ضلال في الدين وسلب للدنيا، مع الذل والصغار، وفيه استيجاب النار بالفرار من الزحف عند حضرة القتال. يقول الله عز وجل: ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبارَ ﴾ فحافظوا على أمر الله عز وجل في هذه المواطن التي الصبر عليها كرم وسعادة ونجاة في الدنيا والآخرة من فظيع الهول والمخافة. فإن الله عز وجل لا يعبأ بما العباد مقترفون ليلهم ونهارهم. لطف به علماً، وكل ذلك في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى. فاصبروا وصابروا واسألوا النصر ووطنوا أنفسكم على القتال. واتقوا الله عز وجل فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون(256).

2- ويقول الله سبحانه يقول في كتابه: ﴿ وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ [البقرة:190].

وقد بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه معنى الاعتداء ومصاديقه فقال: ...فلا تقتلوا وليداً ولا طفلاً ولا امرأةً ولا شيخاً كبيراً لا يطيق قتالكم، ولا تغوروا عيناً، ولا تقطعوا شجراً إلا شجراً يضركم، ولا تمثلوا بآدمي ولا بهيمة، ولا تغلوا ولا تغدروا (ولا تظلموا ولا تعتدوا)، وأيما رجل منكم من أقصاكم أو أدناكم، من أحراركم أو عبيدكم، أعطى رجلاً منهم أماناً، أو أشار إليه بيده فأقبل إليه بإشارته، فله الأمان حتى يسمع كلام الله، أي كتاب الله، فإن قبل فأخوكم في دينكم، وأن أبى فردوه إلى مأمنه واستعينوا بالله عليه(257). كما رواه علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم.

واتبع علي عليه السلام ابن عمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حروبه شبراً بشبر، كما روى الكليني بإسناده عن أبي حمزة الثمالي(258) قال قلت لعلي بن الحسين صلوات الله عليهما: إن علياً عليه السلام سار في أهل القبلة بخلاف سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أهل الشرك! قال: فغضب ثم جلس وقال: سار والله فيهم بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الفتح. إن علياً كتب إلى مالك وهو على مقدمته يوم البصرة بأن لا يطعن في غير مقبل ولا يقتل مدبراً ولا يجيز على جريح، ومن أغلق بابه فهو آمن(259).

وعهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أمراء جنده يوم فتح مكة: أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم (كما قال الله عز وجل: وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)، وكذلك قال علي عليه السلام لمعقل بن قيس أمير جيشه: ﴿ لا تُقاتِلَنَّ إلاّ مَنْ قَاتَلَكَ ﴾ (260)

و روى البلاذري في كتابه "أنساب الأشراف" قال: وقال أبو مخنف وغيره وأمر علي أصحابه أن لا يقاتلوا حتى يبدؤا، وأن لا يجهزوا على جريح، ولا يمثلوا، ولا يدخلوا داراً بغير إذن، ولا يشتموا أحداً، ولا يهيجوا امرأةً، ولا يأخذوا إلا ما في عسكرهم(261).

وفي حديث عبد الرحمن بن جندب عن أبيه أن أمير المؤمنين علياً صلوات الله عليه كان يأمر في كل موطن لقينا فيه عدواً فيقول: لا تقاتلوا القوم حتى يبدءوكم فإنكم بحمد الله على حجة وترككم إياهم حتى يبدءوكم حجة لكم أخرى فإذا هزمتموهم فلا تقتلوا مدبراً ولا تجهزوا على جريح ولا تكشفوا عورةً ولا تمثلوا بقتيل(262).

 

الهوامش:

(253) قال العلامة ابن الطهر الحلي: الأصبغ بن نباتة كان من خاصة أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، عمر بعده، وهو مشكور (خلاصة الأقوال، ص:77).

(254) الفروع من الكافي، (ج:5) (كتاب الجهاد)، (ص:9).

(255) الفروع من الكافي، ج5، باب ما كان يوصي أمير المؤمنين عليه السلام به، (ص:39).

(256) الفروع من الكافي، (5/37-38).

(257) مسند الإمام زيد، (ص:351)، وتيسير المطالب في أمالي أبي طالب، (ص:290)، (وقد جمعت في الرواية أعلاه بين ألفاظهما المختلفة يسيراً)، ودرر الأحاديث النبوية بالأسانيد اليحيوية، (ص:181-182). ووسائل الشيعة، (11/43)، ومن كتب أهل اسنة انظر إلى: "التاج الجامع للأصول" لابن الأثير، (4/367).

(258) هو ثابت بن دينار وكنيته أبو حمزة الثمالي، روى عن علي بن الحسين السجاد عليه السلام، وكان ثقةً ثبتاً وكان له أربعة أبناء قتلوا مع زيد بن علي عليه السلام.

(259) الفروع من الكافي، (5/33).

(260) أنساب الأشراف،البلاذري، (ص:240).

(261) راجع أنساب الأشراف للبلاذري، (2/479).

(262) الفروع من الكافي، (5/38).