مما روي عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام فيما يتعلَّق بآي الحجّ

1- قال الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ. فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران:96-97].

أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره بسنده عن خالد بن عرعرة: أن رجلاً قام إلى علي فقال: ألا تخبرني عن البيت؟ أهو أول بيت وضع في الأرض؟ فقال (علي): لا ولكن هو أول بيت وضع في البركة، مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنًا... الحديث(240).

وفي رواية أخرى للطبري أيضاً: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك، قال: سمعت خالد ابن عرعرة قال: سمعت علياً، وقيل له: إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة هو أول بيت كان في الأرض؟ قال: لا! فأين كان قوم نوح؟ وأين كان قوم هود؟ قال: ولكنه أول بيت وضع للناس مباركاً وهدىً(241).

أقول: مراده عليه السلام: كان البيت أول مسجد وضع للناس كما رواه أبو ذر - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: قلت يا رسول الله!، أي مسجد وضع أول؟ قال: المسجد الحرام. قال: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى.. الحديث(242).

وأخرج أيضاً ابن جرير الطبري بإسناده عن الحارث عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من ملك زاداً وراحلةً تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً وذلك أن الله يقول في كتابه: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين(243). والحديث أخرجه الترمذي في سننه أيضاً بسنده عن الحارث عن علي(244).

أقول: (من كفر) أي من جحد فرضه، وأنكر وجوبه فمات، فهو كاليهود والنصارى الذين ماتوا على غير ملة الإسلام، لأن إنكار الضروري كفر.

2- وفي مسند زيد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده عن علي أمير المؤمنين عليهم السلام في قول الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة:158]، قال: كان عليهما أصنام فتحرج المسلمون من الطواف بينهما لأجل الأصنام فأنزل الله عز وجل لئلا يكون عليهم حرج في الطواف من أجل الأصنام(245).

أقول: إن الطواف بين الصفا والمروة من أركان الحج وواجباته، ومع ذلك قال تعالى: ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ﴾ فبين الإمام عليه السلام سبب ورود هذا التعبير في كلامه الله سبحانه.

3- وفي مسند زيد بن علي عن أمير المؤمنين علي عليهم السلام أنه قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿ وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ قام رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله! الحج واجب علينا في كل سنة؟ أو مرةً واحدةً في الدهر؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: بل مرةً واحدةً ولو قلت في كل سنة لوجب..الحديث(246).

أقول: أخرج هذا الحديث عدة من أهل السنة أيضاً منهم النسائي في سننه بسنده عن أبي هريرة قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال: إن الله عز وجل قد فرض عليكم الحج فقال رجل: في كل عام؟ فسكت عنه حتى أعاده ثلاثا! فقال: لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما قمتم بها. ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بالشيء فخذوا به ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه(247).

و روي أيضاً في مسند زيد بن علي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال: قال رجل: يا رسول الله! فالعمرة واجبة مثل الحج؟ قال لا، ولكن إن اعتمرت خيراً لك(248).

أقول: فإن قيل فإن الله تعالى يقول: ﴿ وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ.. الآية ﴾ [البقرة:196]، فأمر الله عز وجل بالعمرة وأمر الله يدل على الوجوب! قلت: إنما أمر سبحانه بالإتمام ولم يأمر بالابتداء والإنشاء، كما في قول الله عز وجل: ﴿ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ.. الآية ﴾ [الإنسان:7] حيث أوجب سبحانه الإيفاء ولم يوجب إنشاء النذر.

ويؤيده ما رواه الترمذي عن جابر - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم سئل عن العمرة أواجبة هي؟ فقال: لا وأن تعتمروا هو أفضل(249).

وأخرج الطبري في تفسيره بسنده عن أبي صالح الحنفي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الحج جهاد، والعمرة تطوع(250).

4- وقال الله تعالى: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ... الآية ﴾ [البقرة.:197]:

روي في كتاب "الاعتصام بحبل الله" عن علي عليه السلام أنه قال: إن أشهر الحج شوال وذو القعدة، والعشر الأول من ذي الحجة(251).

5- وقال الله عز وجل: ﴿ وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ.. الآية ﴾ [التوبة:3].

وقد تظاهرت الأخبار عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أن يوم الحج الأكبر هو يوم النحر كما رواها ابن جرير الطبري في تفسيره، وهو المروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن مرة الهمدان، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: قام فينا رسول الله على ناقة حمراء مخضرمة، فقال: أتدرون أي يوم يومكم؟ قالوا: يوم النحر، قال: صدقتم يوم الحج الأكبر(252).

6- وقال الله عز وجل: ﴿ ..فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ.. الآية ﴾ [البقرة:196]

روى السيوطي في الدر المنثور قال: أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن علي بن أبي طالب ﴿ فصيام ثلاثة أيام في الحج ﴾ قال: قبل التروية يوم، ويوم التروية، ويوم عرفة، فإن فاتته صامهن أيام التشريق.

 

الهوامش:

(240) تفسير الطبري (جامع البيان): (3/8).

(241) المصدر السابق.

(242) المصدر السابق.

(243) المصدر السابق: (3/17).

(244) الجامع الصحيح للترمذي، (3/176).

(245) مسند الإمام زيد، (ص:226).

(246) المصدر السابق: (ص:222-223).

(247) سنن النسائي، كتاب مناسك الحج، باب وجوب الحج، (3/110-111).

(248) مسند الإمام زيد، (ص:223).

(249) الجامع الصحيح للترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء في العمرة، (3/270).، وقال أبو عيسى (الترمذي): هذا حديث حسن صحيح، وهو قول بعض أهل العلم قالوا العمرة ليست بواجبة وكان يقال هما حجان: الحج الأكبر يوم النحر والحج الأصغر العمرة. وقال الشافعي العمرة سنة..الخ.

(250) تفسير الطبري، (3/212).

(251) الاعتصام بحبل الله، للقاسم بن محمد (من أئمة الشيعة الزيدية)، (3/23).

(252) انظر تفسير الطبري: (10/73).