كلامُ عليٍّ عليه السلام في ذَمِّ تفسير القرآن بالرَّأيِ

قسم الإمام علي عليه السلام العباد في كلامه إلى فئتين، فئة قامعة لهواها، تابعة لكلام ربها تحل حيث حل القرآن، فالقرآن إمامها وقائدها. وأخرى من أهل الزيغ والهوى، وتحميل الرأي على القرآن، كأنهم أئمة الكتاب وليس الكتاب إمامهم! فقال في وصف رجل من الفئة الأولى:

قد ألزم نفسه العدل، فكان أول عدله نفي الهوى عن نفسه، يصف الحق ويعمل به، لا يدع للخير غايةً إلا أمها ولا مظنةً إلا قصدها قد أمكن الكتاب من زمامه فهو قائده وإمامه يحل حيث حل ثقله وينزل حيث كان منزله(49).

 ثم وصف عليه السلام رجلاً آخر من الفئة الثانية فقال: و آخر قد تسمى عالماً وليس به، فاقتبس جهائل من جهال وأضاليل من ضلال ونصب للناس أشراكاً من حبائل غرور وقول زور قد حمل الكتاب على آرائه وعطف الحق على أهوائه(50).

وقال عليه السلام أيضاً: و إنه سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس فيه شي‏ء أخفى من الحق ولا أظهر من الباطل، ولا أكثر من الكذب على الله ورسوله، وليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته، ولا أنفق منه إذا حرف عن مواضعه! ولا في البلاد شي‏ء أنكر من المعروف، ولا أعرف من المنكر، فقد نبذ الكتاب حملته وتناساه حفظته، فالكتاب يومئذ وأهله طريدان منفيان وصاحبان مصطحبان في طريق واحد لا يؤويهما مؤو. فالكتاب وأهله في ذلك الزمان في الناس وليسا فيهم، ومعهم وليسا معهم، لأن الضلالة لا توافق الهدى وإن اجتمعا، فاجتمع القوم على الفرقة وافترقوا على الجماعة، كأنهم أئمة الكتاب وليس الكتاب إمامهم، فلم يبق عندهم منه إلا اسمه ولا يعرفون إلا خطه وزبره، ومن قبل ما مثلوا بالصالحين كل مثلة وسموا صدقهم على الله فريةً وجعلوا في الحسنة عقوبة السيئة(51).

أقول: أصل هذا الكلام مروي عن رسول الله فأخذ أمير المؤمنين عليه السلام شطراً منه وبينه بأفضل بيان وتفصيل. روى الكليني في الروضة من الكافي بسنده عن أبي عبد الله الصادق قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: سيأتي على الناس زمان لا يبقى من القرآن إلا رسمه ومن الإسلام إلا اسمه، يسمون به وهم أبعد الناس منه، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى، فقهاء ذلك الزمان شر فقهاء تحت ظل السماء، منهم خرجت الفتنة وإليهم تعود(52).

وقال عليه السلام أيضا في النهي عن تفسير القرآن بالرأي: فإنه ينادي مناد يوم القيامة: ألا إن كل حارث مبتلًى في حرثه وعاقبة عمله غير حرثة القرآن فكونوا من حرثته وأتباعه واستدلوه على ربكم واستنصحوه على أنفسكم واتهموا عليه آراءكم واستغشوا فيه أهواءكم(53).

أقول: لا ريب أن القرآن الكريم نزل من عند الله رب العالمين ليتدبر الناس آياته وليهتدوا به، فالمراد من التفسير بالرأي المنهي عنه في كلام أمير المؤمنين عليه السلام، تحميل الرأي المتخذ من المسالك المختلفة على القرآن كما هو معمول به عند أرباب المذاهب:

فكلٌّ يدَّعي وصلاً بليلى           وليلى لا تُقِرُّ لهم بذاكا

وأما من ترك تأويلات الصوفية ونسي الآراء الفلسفية وأعرض عن الأقوال الكلامية وأمثالها وتمسك بحبل القرآن وطلب حل مشكل القرآن من نفسه وفسر آيةً منه بآية أخرى، أو بسنة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد هدي إلى صراط مستقيم. هذا هو المنهج الحق في تفسير القرآن المبين وقد أشار إليه أمير المؤمنين عليه السلام في كلامه فقال:

كتاب الله تبصرون به وتنطقون به وتسمعون به، وينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض ولا يختلف في الله، ولا يخالف بصاحبه عن الله(54)

وقال عليه السلام: و اردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب ويشتبه عليك من الأمور فقد قال الله تعالى لقوم أحب إرشادهم: ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ والرَّسُولِ ﴾: فالرد إلى الله الأخذ بمحكم كتابه والرد إلى الرسول الأخذ بسنته الجامعة غير المفرقة(55).

فعلى المفسر أن يسير إلى ما يتجه إليه القرآن ويسكت فيما سكت الله عنه فلا يتكلف نفسه في صرف مدلولات الآيات عن ظواهرها، ولا يجاوز حدود الله سبحانه في كلامه كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن الله فرض عليكم فرائض فلا تضيعوها وحد لكم حدوداً فلا تعتدوها ونهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها وسكت لكم عن أشياء ولم يدعها نسياناً فلا تتكلفوها(56).

وذلك هو المنهج العلوي في تفسير الذكر الحكيم.

 

الهوامش:

(49) نهج‏البلاغة، خطبة (87).

(50) نهج البلاغة، خطبة (87).

(51) نهج البلاغة، خطبة (147).

(52) الروضة من الكافي، للكليني (حديث الفقهاء والعلماء) ح رقم (3).

(53) نهج البلاغة، خطبة (176).

(54) نهج البلاغة، خطبة (133).

(55) نهج البلاغة، الكتاب (53) (عهده للأشتر النخعي).

(56) نهج البلاغة، الحكمة (105)، (ص:487).