ممَّا روي عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام فيما يَتَعَلَّقٌ بصلوة الجُمُعَةِ

إنما فرض الله تعالى على المسلمين في كل جمعة صلوةً واحدةً في جماعة وهي صلوة الجمعة. يقول الله عز وجل في كتابه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ. فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الجمعة:9 -10].

ظاهر الآيات يدل على وجوب صلوة الجمعة على كل من آمن بالله ورسوله، إلا من أخرجه دليل شرعي، ولذلك قال أمير المؤمنين علي عليه السلام:

الجمعة واجبة على كل مؤمن إلا على الصبي والمريض والمجنون والشيخ الكبير والأعمى والمسافر والمرأة والعبد المملوك ومن كان على رأس فرسخين. رواه ابن بابوية في كتاب "من لا يحضره الفقيه"(208).

فإذا شهد الجمعة من لا تجب عليه، فإنها تجزئة عن صلوة الظهر كما روي عن علي عليه السلام أنه قال: إذا شهدت المرأة والعبد الجمعة أجزأت عنهما يعنى من صلوة الظهر(209).

ويكره السفر في يوم الجمعة قبل أداء الصلوة إلا لضرورة كما روي في "نهج البلاغة" عن علي عليه السلام قال: لا تسافر في يوم جمعة حتى تشهد الصلاة إلا فاصلاً في سبيل الله أو في أمر تعذر به(210).

ووقت صلوة الجمعة، ساعة زوال الشمس كما قال الإمام عليه السلام: تصلى الجمعة وقت الزوال(211).

وصلوة الجمعة خطبتان وركعتان كما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: إنما جعلت الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين جعلتا مكان الركعتين الأخيرتين(212).

ومن آداب صلوة الجمعة، تسليم الإمام على المأمون إذا صعد المنبر، كما جاء في رواية محمد بن الحسن الطوسي بإسناده عن علي عليه السلام قال: من السنة إذا صعد الإمام المنبر أن يسلم إذا استقبل الناس(213).

وعلى الناس أن يستمعوا للإمام وينصتوا حين خطبته، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا كلام والإمام يخطب ولا التفات إلا كما يحل في الصلاة(214).

ودونك خطبةً من خطبه الغراء في إحدى الجمع، قال عليه السلام: الحمد لله ذي القدرة والسلطان والرأفة والامتنان، أحمده على تتابع النعم، وأعوذ به من العذاب والنقم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مخالفة للجاحدين ومعاندة للمبطلين وإقرارا بأنه رب العالمين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله قفى به المرسلين وختم به النبيين، وبعثه رحمة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله أجمعين.

أوصيكم عباد الله بتقوى الله الذي هو ولي ثوابكم وإليه مردكم ومآبكم فبادروا بذلك قبل الموت الذي لا ينجيكم منه حصن منيع ولا هرب سريع، فإنه وارد نازل وواقع عاجل، وإن تطاول الأجل وامتد المهل، وكل ما هو آت قريب، ومن مهد لنفسه فهو المصيب. فتزودوا رحمكم الله اليوم ليوم الممات واحذروا أليم هول البيات، فإن عقاب الله عظيم وعذابه أليم، نار تلهب، ونفس تعذب، وشراب من صديد، ومقامع من حديد، أعاذنا الله وإياكم من النار ورزقنا وإياكم مرافقة الأبرار وغفر لنا ولكم جميعا إنه هو الغفور الرحيم.

إن أحسن الحديث وأبلغ الموعظة كتاب الله. (ثم تعوذ بالله، وقرأ سورة العصر، ثم قال): جعلنا الله وإياكم ممن تسعهم رحمته ويشملهم عفوه ورأفته، وأستغفر الله لي ولكم.

(ثم جلس يسيراً، ثم قام، فقال): الحمد لله الذي دنا في علوه وعلا في دنوه وتواضع كل شيء لجلاله واستسلم كل شيء لعزته وخضع كل شيء لقدرته، وأحمده مقصرا عن كنه شكره وأومن به إذعاناً لربوبيته وأستعينه طالباً لعصمته وأتوكل عليه مفوضاً إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلهاً واحداً أحداً فرداً صمداً وتراً لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً، وأشهد أن محمداً عبده المصطفى ورسوله المجتبى وأمينه المرتضى أرسله بالحق بشيراً ونذيراً وداعياً إليه بإذنه وسراجاً منيراً فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وعبد الله حتى أتاه اليقين فصلى الله عليه في الأولين وصلى الله عليه في الآخرين وصلى الله عليه يوم الدين.

أوصيكم عباد الله بتقوى الله والعمل بطاعته واجتناب معصيته فإنه من يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً بعيداً وخسر خسراناً مبيناً(215).

ومن السنة أن يقرأ الإمام في الركعة الأولى من صلوة الجمعة، سورة الجمعة وفي الركعة الثانية، سورة المنافقين كما روي عن ابن رافع(216): أن أمير المؤمنين علياً عليه السلام كان يقرأ في الجمعة في الأولى الجمعة وفي الثانية المنافقين(217).

أقول: كل ما ذكرت في هذا الفصل من بيان أحكام الجمعة، إنما أخذته من كتب الشيعة ومداركهم، وأنت تجد أكثره في كتب أهل السنة ومآخذهم، فالحمد لله على الوفاق.

 

الهوامش:

(208) راجع: من لا يحضره الفقيه، (1/431).

(209) انظر: دعائم الإسلام، للقاضي النعمان بن محمد، (1/181).

(210) راجع: نهج البلاغة، ك (69).

(211) انظر: دعائم الإسلام، (1/140).

(212) راجع: ومن لا يحضره الفقيه، (1/417).

(213) انظر: وسائل الشيعة، (5/43).

(214) كتاب: من لا يحضره ‏الفقيه، لابن بابويه القمي، (1/417).

(215) مستدرك نهج البلاغة، لكاشف الغطاء، (ص:67-68). والخطبة موجودة في كتاب "مصباح المتهجد" للشيخ أبي جعفر الطوسي: (ص:384-386)، برواية جابر الجعفي عن أبي جعفر الباقر عن علي بن أبي طالب عليهم السلام.

(216) هو عبيد الله بن أبي رافع كان كاتباً لعلي عليه السلام ومن خواصه له كتاب "قضايا أمير المؤمنين عليه السلام".  انظر: جامع الرواة للأردبيلي، (1/527).

(217) راجع: وسائل الشيعة، (4/816).