ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام في تفسير آداب الصلوة

قال الله عز وجل في الذكر الحكيم: ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ [المؤمنون:2].

إن الله سبحانه وتعالى مدح عباده المؤمنين في هذه الآية الكريمة لخشوعهم في صلوتهم، فما هو الخشوع؟ وما الفرق بينه وبين الخضوع؟

الخشوع هو التذلل والانكسار ولا فرق بينه وبين الخضوع عند أكثر المفسرين حيث قالوا: إنهما كلمتان مترادفتان. وقال آخرون: بينهما فرق لأن الخشوع عمل الجوارح والخضوع عمل القلب(197). وهذا القول بعيد عن الصواب لقوله تعالى: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [الحديد:16]. فنسب الله سبحانه في هذه الآية الخشوع للقلوب كما نسبه في آية أخرى إلى بعض الجوارح فقال سبحانه: ﴿ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ ﴾ [النازعات:9].

و روى الإمام زيد بن علي بن الحسين عن آبائه عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال: أبصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلاً يعبث بلحيته في الصلوة فقال: أما هذا فلو خشع قلبه لخشعت جوارحه(198).

ففي الحديث ما يدل على أن الخشوع في الصلوة يكون في القلب وفي الجوارح، ولكن أصل هذا الخشوع ينشأ في القلب ومن القلب يسرى إلى الجوارح. فحقيقة الخشوع في القلب: الفزع إلى كبرياء الله تعالى والإعراض عما سواه، وفي الجوارح: ترك الالتفات والعبث كما روي عن علي عليه السلام أنه قال: لا تجاوز بطرفك في الصلوة موضع سجودك(199).

ومن آداب الصلوة قراءة القرآن فيها بالترتيل، قال الله العظيم: ﴿ قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلاً ﴾ إلى أن قال تعالى: ﴿ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً ﴾ [المزمِّل:4].

والترتيل: هو التأني في الكلام والتأنق فيه، قال الله عز وجل: ﴿ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً ﴾ [الفرقان:32] أي: أتينا به شيء بعد شيء بالتأني والتمهل (لتيسير فهمه وحفظه). ولذلك روى الطبرسي في تفسير "جوامع الجامع" عن أمير المؤمنين علي عليه السلام قال في معنى الترتيل:

بينه تبياناً ولا تهذه هذ الشعر ولا تنثره نثر الرمل ولكن أفزعوا قلوبكم القاسية ولا يكن هم أحدكم آخر السورة(200). ورواه أيضاً الكليني في الكافي(201).

و روى الطريحي(202) في كتاب "مجمع البحرين" عن علي عليه السلام أنه قال في معنى ترتيل القرآن هو: حفظ الوقوف وبيان الحروف(203).

أقول: قراءة القرآن في الصلوة تعد ركناً من أركانها، فطوبى لمن حفظ القرآن كله فقرأه في صلواته بالترتيل، فقد روى الإمام زيد بن علي عن آبائه عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال:

من قرأ القرآن وحفظه فظن أن أحداً أوتي أفضل مما أوتي فقد عظم ما حقر الله وحقر ما عظم الله تعالى(204).

وهذا الحديث متفق عليه بين الإمامية والزيدية وأهل السنة(205).

ومن آداب الصلوة، دعاء الاستفتاح في بدء الصلوة بعد تكبيرة الإحرام، كما روي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه كان إذا استفتح صلاته قال: ألله أكبر، وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين. إن صلوتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين(206). وهذا الكلام العظيم مأخوذ من القرآن الكريم(207).

 

الهوامش:

(197) راجع: فروق اللغات، للجزائري، (ص:94).

(198) مسند الإمام زيد، ص119و رواه أيضاً الطبرسي في مجمع البيان (18/135) والسيوطي (من أهل السنة) في الجامع الصغير (2/165).

(199) راجع: وسائل الشيعة، للحر العاملي، (4/، ص709.

(200) راجع: جوامع الجامع، للطبرسي، (4/، ص383.

(201) انظر: الأصول من الكافي، (2/614).

(202) هو الشيخ فخر الدين الطريحي النجفي من علماء الإمامية له كتاب "مجمع البحرين ومطلع النيرين" في تفسير غريب القرآن والحديث.

(203) راجع: مجمع البحرين (في مادة: رتل).

(204) انظر: مسند الإمام زيد، ص387.

(205) رواه من الإمامية الكلينى (الأصول (2/604) ومن أهل السنة السيوطي (الجامع الصغير، (2/165).

(206) راجع: مسند الإمام زيد، (ص:103) وسنن النسائي (2/130)بإسناده عن علي مرفوعاً.

(207) انظر: سورة الأنعام، (79،162و163).