في تفسيره لقوله العزيز: ﴿..فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ(157)

كتب أمير المؤمنين علي عليه السلام كتاباً جامعاً للأشتر النخعي(158) حين ولاه مصر، رواه الشريف الرضي في "نهج البلاغة"، وابن شعبة الحراني في كتابه "تحف العقول"، وجدنا فيه هذا التفسير المنير:

واردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب ويشتبه عليك من الأمور، فقد قال الله سبحانه لقوم أحب إرشادهم: ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ فالرد إلى الله الأخذ بمحكم كتابه، والرد إلى الرسول، الأخذ بسنته الجامعة غير المفرقة(159).

أقول: إن علياً عليه السلام كان يعمل بهذا العهد في حياته السعيدة، فقد روي أن الخوارج خاصموه في أمر التحكيم فقالوا: إنك جعلت الحكم إلى غيرك وقد كنت عندنا أحكم الناس! ثم ضللت حين حكمت الرجال في دين الله عز وجل! فأجابهم عليه السلام بالكتاب والسنة فقال:

وأما قولكم إني جعلت الحكم إلى غيري وقد كنت عندكم أحكم الناس! فهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد جعل الحكم إلى سعد(160) يوم بني قريظة وقد كان من أحكم الناس، وقد قال الله تعالى: ﴿ لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ (161) فتأسيت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قالوا: وهذه لك بحجتنا.

قال: وأما قولكم إني حكمت في دين الله الرجال، فما حكمت الرجال وإنما حكمت كلام ربي الذي جعله الله حكما ًبين أهله، وقد حكم الله الرجال في طائر فقال: ﴿ وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾ [المائدة:95] فدماء المسلمين أعظم من دم طائر(162)!(163).

فانظر كيف رد ما تنازع فيه القوم إلى محكم كتاب الله العزيز والسنة النبوية فأتم بهذا الرد الحجة عليهم وقطع سبيل عذرهم فلا يبقى لهم مفر، ﴿ وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ ﴾!

 

الهوامش:

(157) جزء من الآية (59)، من سورة النساء.

(158) هو مالك بن الحارث الأشتر النخعي، كان من أشجع أصحاب أمير المؤمنين علي عليه السلام وأبرزهم. روي أن علياً عليه السلام قال فيه بعد موته: لقد كان لي، كما كنت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (راجع خلاصة الأقوال، للعلامة الحلي، (ص:277).

(159) نهج البلاغة، الكتاب (53)، و"تحف العقول"، (ص:130).

(160) هو سعد بن معاذ رضي الله عنه من أجلاء الصحابة الأنصار وزعيم طائفة الأوس، استشهد بعد غزوة الأحزاب سنة خمس للهجرة.

(161) سورة الأحزاب: (21).

(162) إذا قتل المحرم طائراً فجزاؤه أن يقوم مثله ذوا عدل من المسلمين-كما نصت عليه الآية-ثم يشتري بثمنه طعاماً ويتصدق به كفارة لصيده في الإحرام.

(163) انظر كتاب "الاحتجاج" للطبرسي، (ص:100).