في تفسيره قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ (146)

روى الشريف الرضي في "نهج البلاغة" أن الإمام علياً عليه السلام خطب يوماً من أيام خلافته خطبةً أومأ بها إلى وصف الأتراك (أي المغول) وأخبر عن فتنتهم(147) وكان فيما قاله: كأني أراهم قوماً كأن وجوههم المجان المطرقة، يلبسون السرق والديباج ويعتقبون الخيل العتاق، ويكون هناك استحرار قتل حتى يمشي المجروح على المقتول ويكون المفلت أقل من المأسور.

فقال له بعض أصحابه: لقد أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب!

فضحك عليه السلام وقال للرجل - وكان كلبياً -: يا أخا كلب! ليس هو بعلم غيب وإنما هو تعلم من ذي علم. وإنما علم الغيب علم الساعة وما عدده الله سبحانه بقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ويُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ الآيَةَ ﴾ (148)، فيعلم الله سبحانه ما في الأرحام من ذكر أو أنثى وقبيح أو جميل وسخي أو بخيل وشقي أو سعيد، ومن يكون في النار حطباً أو في الجنان للنبيين مرافقاً. فهذا علم الغيب الذي لا يعلمه أحد إلا الله وما سوى ذلك فعلم علمه الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فعلمنيه ودعا لي بأن يعيه صدري(149).

أقول: إن ما فسره أمير المؤمنين عليه السلام من الآية الكريمة، تفسير واسع يوافق سعة علم الله تعالى. أما من تأول الآية بأن الله يعلم ما في الأرحام "من ذكر وأنثى" فقد ضيق معنى الآية من غير دليل، وعلم الله - جل ذكره - أوسع من ذلك ﴿ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللّهِ مِن شَيْءٍ فَي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء ﴾ [إبراهيم:38].

وما روي عن علي عليه السلام فيما يختص بالله سبحانه من علم الغيب فذلك مثل ما روي عن رسول اللهص في هذا الأمر كما أخرجه أحمد في مسنده عن رسول اللهص أنه قال: خمس لا يعلمهن إلا الله (ثم قرأ): ﴿ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ويُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الأَرْحامِ.. الآية ﴾ (150).

 

الهوامش:

(147) الإخبار عن فتنة الأتراك من أعلام النبوة، فقد رواه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير واحد من الصحابة، وأثبته البخاري في صحيحه قبل أن تحدث فتنة الأتراك في التاريخ (انظر صحيح البخاري: كتاب الجهاد، باب قتال الترك، (ص:52).

(148) سورة لقمان: (34).

(149) نهج البلاغة، الخطبة (128).

(150) مسند الإمام أحمد بن حنبل، (5/353).