في تفسيره قوله تعالى: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾(143)

روى محمد بن يعقوب الكليني في الكافي عن الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق قال: بينا أمير المؤمنين عليه السلام يخطب على منبر الكوفة إذ قام إليه رجل يقال له ذعلب ذو لسان بليغ في الخطب شجاع القلب فقال: يا أمير المؤمنين هل رأيت ربك؟؟ قال: ويلك يا ذعلب ما كنت أعبد رباً لم أره! فقال: يا أمير المؤمنين! كيف رأيته؟! قال: ويلك يا ذعلب لم تره العيون بمشاهدة الأبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان...

ثم بين له علي عليه السلام شطراً مما رأى عقله المنير وقلبه الطاهر من صفات ربه - جل وعلا - ومن جملته أن قال: ..وبمضادته بين الأشياء عرف أن لا ضد له، وبمقارنته بين الأشياء عرف أن لا قرين له، ضاد النور بالظلمة واليبس بالبلل والخشن باللين والصرد بالحرور، مؤلف بين متعادياتها ومفرق بين متدانياتها، دالةً بتفريقها على مفرقها وبتأليفها على مؤلفها، وذلك قوله تعالى ﴿ وَمِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [الذاريات:49] ففرق بين قبل وبعد ليعلم أن لا قبل له ولا بعد له. شاهدة بغرائزها أن لا غريزة لمغرزها، مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقتها، حجب بعضها عن بعض ليعلم أن لا حجاب بينه وبين خلقه.. الخبر(144).

أقول: وسع عليه السلام في كلامه معنى ما خلق الله من الزوجين (حيثما ضيقه بعض المفسرين!)(145) ليشمل كل شيء! وهذا من دقيق تفسيره وحسن تقريره. واستدل بزوجية الأشياء على أن الله سبحانه لا ضد له ولا مثيل، وفاقاً للآية الكريمة التي قال تعالى في ذيلها: "لعلكم تذكرون": أي خلقنا الأزواج كلها لتتذكروا فتعرفوا خالقها بالوحدانية وتعبدوه بالإخلاص له، كما قال عزوجل: ﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ. وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ [الذاريات:50 و51].

 

الهوامش:

(144) أصول الكافي، (1/138-139)، وارن بينه وبين ما في نهج البلاغة، الخطبتين: (179-186).

(145) راجع: تفسير الكشاف للزمخشري-رحمة الله-حيث يقول: (ومن كل شيء) أي: من كل شيء من الحيوان (خلقنا زوجين) ذكراً وأنثى!