ما رُوِيَ عن عليٍّ عليه السلام من تفسير "وَجْهِ الله"

قد ورد ذكر وجه الله - تعالى شأنه - في عدة من آيات القرآن الكريم كقوله جل ذكره: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ ﴾ [الرحمن:26-27] وقوله العزيز: ﴿ ..لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ ﴾ [القصص:88]، فتوهم بعض الناس ممن لا يعرف إشارات الكلام أن لله سبحانه وجهاً مغايراً لذاته (كوجه الإنسان!) فزلت أقدمهم في طريق معرفة الله وسقطوا في مضيق التشبيه، كأنهم لم يسمعوا قول الله عز وجل: ﴿ ..لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ [الشورى:11].

والإمام علي عليه السلام رد هذا الزعم الباطل، وأبطل ما ذهب إليه أهل التشبيه وبين وجه الحق في معنى هذه الآيات. فقد أخرج محمد بن علي بن الحسين بن بابويه في كتابه "التوحيد" بإسناده عن سلمان الفارسي رحمة الله في حديث طويل يذكر فيه قدوم الجاثليق المدينة مع مائة من النصارى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسؤاله أبا بكر عن مسائل لم يجبه عنها ثم أرشد إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فسأله عنها فأجابه: فكان فيما سأله أن قال له: أخبرني عن وجه الرب تبارك وتعالى؟ فدعا علي عليه السلام بنار وحطب فأضرمه، فلما اشتعلت قال علي عليه السلام: أين وجه هذه النار؟ قال النصراني: هي وجه من جميع حدودها! قال علي عليه السلام: هذه النار مدبرة مصنوعة لا يعرف وجهها وخالقها لا يشبهها ﴿ وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ ﴾ (138) لا يخفى على ربنا خافية... الحديث(139).

و"الوجه" في كلام العرب ربما يستعمل في معنى حقيقة الشيء وذاته كما يقال: "هذا وجه الأمر وذاك وجه الرأي". وقد جاء في كلام أمير المؤمنين علي عليه السلام: "عمي وجه الأمر"(140) أي خفيت حقيقته.

وقال عليه السلام: "رجل سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً (حديثاً) لم يحفظه على وجهه"(141) أي على أصله وحقيقته. وقال عليه السلام: "واستظهر زاداً ليوم رحيله ووجه سبيله" أي جهته وطريقه.

فوجه الله سبحانه وتعالى ذاته الحي الباقي، كما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال في دعائه: أللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء... وبوجهك الباقي بعد فناء كل شيء(142).

هذا وللوجه معان أخر تطلب في مواردها.

 

الهوامش:

(139) كتاب "التوحيد" لابن بابويه القمي، (ص:182).

(140) نهج البلاغة، الخطبة (151).

(141) نهج البلاغة، الخطبة (210).

(142) راجع: مصباح المتهجد, لأبي جعفر الطوسي، (ص:584).