تفسير عليٍّ لقوله تعالى: ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ )

مما نزل في سورة الحديد قوله العزيز: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [الحديد:4]، وقد أخرج إبراهيم ابن محمد الثقفي الكوفي في كتاب "الغارات" عن الحارث ابن عبد الله الأعور(128): أن علياً عليه السلام دخل يوماً (من أيام خلافته) السوق فقال: يا معشر اللحامين من نفخ منكم في اللحم فليس منا فإذا هو برجل موليه ظهره فقال كلا والذي احتجب بالسبع فضربه علي عليه السلام على ظهره ثم قال: يا لحام! ومن الذي احتجب بالسبع؟؟ قال: رب العالمين يا أمير المؤمنين! فقال له: أخطأت ثكلتك أمك(129) إن الله ليس بينه وبين خلقه حجاب لأنه معهم أينما كانوا. فقال الرجل: ما كفارة ما قلت يا أمير المؤمنين؟ قال: أن تعلم أن الله معك حيث كنت. قال (اللحام): أطعم المساكين؟ قال (علي): لا إنما حلفت بغير ربك!(130).

ثم إن علياً عليه السلام فسر للمسلمين معية الله تعالى في خطبه الجليلة فقال: مع كل شي‏ء لا بمقارنة وغير كل شي‏ء لا بمزايلة(131).

وقال عليه السلام: لم يحلل في الأشياء فيقال هو كائن ولم ينأ عنها فيقال هو منها بائن(132)

وقال عليه السلام: قريب من الأشياء غير ملابس، بعيد منها غير مباين(133)

وقال عليه السلام: ليس في الأشياء بوالج ولا عنها بخارج(134)

وقال عليه السلام: لم يقرب من الأشياء بالتصاق ولم يبعد عنها بافتراق(135).

أقول: كل هذه التعبيرات عن معية الله سبحانه تنبئنا عن كمال إحاطته بكل شيء، من دون قياس وتشبيه بالخلق، كما قال عليه السلام في بعض خطبه: "له الإحاطة بكل شي‏ء والغلبة لكل شي‏ء والقوة على كل شيء"(136).

وقال عليه السلام أيضاً: "لا يشبهه صورة ولا يحس بالحواس ولا يقاس بالناس. قريب في بعده بعيد في قربه. فوق كل شي‏ء ولا يقال شي‏ء فوقه. أمام كل شي‏ء ولا يقال له أمام. داخل في الأشياء لا كشي‏ء داخل في شي‏ء، وخارج من الأشياء لا كشي‏ء خارج من شي‏ء، سبحان من هو هكذا ولا هكذا غيره... الحديث"(137).

هكذا كان مذهب أهل البيت عليهم السلام في صفات الله عز وجل ومذهب سلف الأمة رضي الله تعالى عنهم.

 

الهوامش:

(128) الحارث ابن عبد الله الأعور الهمداني، كان من ثقات أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، نص على توثيقه علماء الشيعة في كتب رجالهم ووثقه بعض العلماء من أهل السنة كابن معين وغيره.

(129) جاء في رواية الطبرسي في كتابه "الاحتجاج" (ص:110) عبارة "يا ويلك!" مكان "ثكلتك أمك" وهذا أليق بكلام علي عليه السلام وخلقه.

(130) الغارات للثقفي، (1/111).

(131) نهج البلاغة، الخطبة (1).

(132) نهج البلاغة، الخطبة (65).

(133) نهج البلاغة، الخطبة (179).

(134) نهج البلاغة، الخطبة (186).

(135) نهج البلاغة، الخطبة (163).

(136) نهج البلاغة، الخطبة (86).

(137) الأصول من الكافي، (1/86)، وقريباً منه ذكره السيد أبو طالب من أئمة الزيدية في أماليه. (ص:190).