ما رُوِيَ عَنْ عليٍّ عليه السلام في تفسِيْرِ سُورةِ التَّوْحِيْدِ

كان علي عليه السلام يحب ذكر وحدانية الله حباً شديداً فجعل هذا الذكر فاتحة كلامه وغاية مرامه، ولأجل ذلك كان يقرأ في أكثر صلواته سورة التوحيد أو الإخلاص. فقد أخرج علي بن الحسين بن بابويه القمي في كتاب "التوحيد" بإسناده عن عمران بن حصين(115) أن النبي ص بعث سريةً واستعمل عليها علياً عليه السلام فلما رجعوا سألهم فقالوا: كل خير غير أنه قرأ بنا في كل صلاة بقل هو الله أحد! فقال (رسول الله): يا علي! لم فعلت هذا؟؟ فقال: لحبي لقل هو الله أحد. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما أحببتها حتى أحبك الله عز وجل(116).

ثم فسر أمير المؤمنين (ع) هذه السورة للمسلمين لما سألوه عنها، كما روي في تفسير "مجمع البيان" عن عبد خير، قال: سأل رجل علياً عليه السلام عن تفسير هذه السورة، فقال: قل هو الله أحد: بلا تأويل عدد. الله الصمد: بلا تبعيض بدد. لم يلد: فيكون موروثاً هالكاً. ولم يولد: فيكون إلهاً مشاركاً. ولم يكن له كفوًا من خلقه أحد(117).

وبين عليه السلام أيضا مفهوم وحدانية الله الذي جاء في هذه السورة الكريمة، كما روى ابن بابويه القمي في كتابه "معاني الأخبار" وكتابه "التوحيد" بإسناده عن المقدام بن شريح الهانئ عن أبيه(118)، قال: إن أعرابياً قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال يا أمير المؤمنين أتقول إن الله واحد؟ قال فحمل الناس عليه، قالوا يا أعرابي أما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسم القلب؟! فقال أمير المؤمنين عليه السلام: دعوه فإن الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم، ثم قال: يا أعرابي إن القول في أن الله واحد على أربعة أقسام: فوجهان منها لا يجوزان على الله عز وجل، ووجهان يثبتان فيه. فأما اللذان لا يجوزان عليه: فقول القائل واحد يقصد به باب الأعداد، فهذا ما لا يجوز لأن ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد أما ترى أنه كفر من قال ثالث ثلاثة، وقول القائل هو واحد من الناس يريد به النوع من الجنس فهذا ما لا يجوز عليه لأنه تشبيه وجل ربنا عن ذلك وتعالى. وأما الوجهان اللذان يثبتان فيه: فقول القائل هو واحد ليس له في الأشياء شبه كذلك ربنا، وقول القائل إنه عز وجل أحدي المعنى يعني به أنه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم كذلك ربنا عز وجل(119).

وقال عليه السلام في بعض خطبه: ولا صمده من أشار إليه وتوهمه(120). أي ما قصد الله تعالى من أشار إليه بإشارة حسية أو وهمية. والصمد هو الذي يقصد إليه عند الحوائج.

و روي عن علي عليه السلام أيضاً أنه قال: الصمد الذي ليس فوقه أحد(121). ولا منافاة بين الأمرين، فالصمد: هو المقصود إليه في الحوائج الذي ليس فوقه أحد، جل ذكره تعالى.

 

الهوامش:

(115) عمران بن حصين بن عبيد بن خلف الخزاعي من أفاضل الصحابة، أسلم عام خيبر وكان فاضلاً، وكان من أصحاب أمير المؤمنين علي عليه السلام توفي بالبصرة سنة (52هـ).

(116) ورواه من أهل السنة مسلم في صحيحه ولم يذكر اسم أميرهم: ولفظ روايته بسنده عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث رجلاً على سرية. وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بـ﴿ قل هو الله أحد ﴾. فلما رجعوا ذكر ذلك لرسول الله صل. فقال: "سلوه. لأي شيء يصنع ذلك؟". فسألوه. فقال: لأنها صفة الرحمن. فأنا أحب أن أقرأ بها. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أخبروه أن الله يحبه".

(117) راجع مجمع البيان للطبرسي، الجزء الثلاثون، (ص:232)، وكتاب: "معاني الأخبار" لابن بابويه القمي، (ص:5).

(118) شريح بن هانئ بن يزيد الحارثي، كان من خلص أصحاب علي عليه السلام (تنقيح المقال: (2/83).

(119) كتاب "التوحيد" لابن بابويه، (ص:83).

(120) نهج البلاغة، الخطبة (184).

(121) راجع كشف الأسرار وعدة الأبرار، للميبدي، (10/662).