ما رُوِيَ عَنْ عليٍّ في تفْسِير تَكْليمِ اللهِ تَعَالى

إن الله عز وجل كلم من اصطفى من عباده على وجوه مختلفة، منها على صورة الإلهام أو الوحي في النوم أو اليقظة، ويسمى هذا "وحي القلوب". ومنها على وجه النداء والنقر في الآذان. ومنها على هيئة الإيحاء بسبب الملائكة كما قال جل ذكره في كتابه الكريم: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾[الشورى:51].

ونعرف وجهاً آخر من كلامه سبحانه يسمى "الكلام التكويني" وإليه أشار في قوله تعالى: ﴿ .. فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾[فصلت:11] وفي قوله: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾[يس:82] وفي قوله تعالى: ﴿ وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي ﴾[هود:44] وأمثال هذه الآيات.

وأما أمير المؤمنين علي عليه السلام فقد فسر تكليم الله - جل شأنه - في خطبه بما لا مزيد عليه من السداد، فقال عند تلاوته: ﴿ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ﴾[النور:37]:

وما برح لله عزت آلاؤه في البرهة بعد البرهة، وفي أزمان الفترات، عباد ناجاهم في فكرهم وكلمهم في ذات عقولهم(109).

فعبر عليه السلام عن وعاء الإلهام "بالفكر والعقل" دون "القلب والفؤاد" لأن الإلهام يتعلق بوعاء الذهن وذلك من دقائق تعبيره.

ثم قال عليه السلام في خطبة أخرى من خطبه الجليلة: الذي كلم موسى تكليماً وأراه من آياته عظيماً، بلا جوارح ولا أدوات، ولا نطق ولا لهوات(110).

وهذا وجه آخر من تكليم الله تعالى فإنه ينادي عبده من وراء حجاب الغيب فيسمع نداءه، والله تعالى لا يقاس بخلقه ولا يحتاج إلى جوارح النطق وأدوات البيان.

ثم قال عليه السلام في خطبة أخرى عند وصف الملائكة الحاملين لوحيه إلى رسله: ..تسبح جلال عزته، لا ينتحلون ما ظهر في الخلق من صنعه، ولا يدعون أنهم يخلقون شيئاً معه مما انفرد به(111)، ﴿ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾(112)، جعلهم الله فيما هنالك أهل الأمانة على وحيه وحملهم إلى المرسلين ودائع أمره ونهيه(113).

وقال الإمام عليه السلام في تفسير قوله تعالى: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ وهو طور آخر من كلامه العزيز: يقول لمن أراد كونه كن فيكون، لا بصوت يقرع، ولا بنداء يسمع، وإنما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ومثله، لم يكن من قبل ذلك كائناً، ولو كان قديماً لكان إلهاً ثانياً!(114).

فانظر في هذا التفسير فإنه من كنوز العلم وطرائف الحكمة.

 

الهوامش:

(109) نهج البلاغة، خطبة (219).

(110) نهج البلاغة، خطبة (180).

(111) وفي هذه العبارة يشير الإمام عليه السلام إلى توحيد الخالقية.

(112) الأنبياء: (26-27).

(113) نهج البلاغة، خطبة (90).

(114) نهج البلاغة، خطبة (184).