عليٌّ عليه السلام والقرآن

كان علي عليه السلام من كتبة الوحي النبوي وكان واعيا للقرآن الكريم قد تمكن كتاب الله عز وجل في صدره، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ﴾[العنكبوت:49] فتجلى القرآن في عمله وحكمه وحروبه. وإليك لمعة مما أشرق من القرآن في شؤون حياته عليه السلام:

1- روى أبو جعفر الطبري في تفسيره بإسناده عن على بن حوشب، قال: سمعت مكحولاً(4) يقول: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ﴾ثم التفت إلى علي، فقال: "سألت الله أن يجعلها أذنك"، قال علي رضي الله عنه: فما سمعت شيئاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم فنسيته(5).

2- روى "محمد بن سعد" في كتاب الطبقات الكبرى بإسناده عن سليمان الأحمسي عن أبيه قال: قال علي عليه السلام: والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيما نزلت وأين نزلت وعلى من نزلت(6)، إن ربي وهب لي قلباً عقولاً ولساناً طلقاً(7).

3- وإنا لنجد في كتاب الله تعالى آية لم يعمل بها أحد من هذه الأمة إلا علي بن أبي طالب عليه السلام، كما روى ابن جرير الطبري في تفسيره بإسناده عن مجاهد(8)، في قوله: ﴿ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ﴾قال: نهوا عن مناجاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى يتصدقوا، فلم يناجه إلا علي بن أبي طالب رضي الله عنه قدم دينارا فتصدق به، ثم أنزلت الرخصة في ذلك، وروى بإسناده عن مجاهد أيضاً قال: قال علي رضي الله عنه: إن في كتاب الله عز وجل لآية ما عمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ﴾[المجادلة:12] قال: فرضت، ثم نسخت(9).

4- أخرج "ابن أبي داود" في كتاب "المصاحف" من طريق ابن سيرين(10) قال: لما توفي النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقسم علي عليه السلام أن لا يرتدي برداء إلا لجمعة حتى يجمع القرآن في مصحف، ففعل.

أقول: قد رأى محمد بن إسحق النديم هذا المصحف في زمانه عند أبي يعلى حمزة الحسني وشهد على ذلك في كتابه المسمى بـ"الفهرست" وسيأتي بيان ترتيب السور في هذا المصحف إن شاء الله.

5 - صوب علي عليه السلام رأي عثمان في المصاحف بعدما حضر مجلسه ودخل في ملأ من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما روى أبو جعفر الطبري في تاريخه عن سويد غفلة الجعفي(11) قال: لا أحدثكم إلا ما سمعته أذناي ووعاه قلبي من علي بن أبي طالب عليه السلام سمعته يقول: لا تسموا عثمان شقاق المصاحف فوالله ما شققها إلا عن ملأ منا أصحاب محمد ولو وليتها لعملت فيها مثل الذي عمل(12).

6- اهتم علي عليه السلام بتصحيح كتابة القرآن كما روي في "المناقب" لابن شهر آشوب: أن زيد بن ثابت لما قرأ "التابوة" قال علي عليه السلام: اكتبه "التابوت" فكتبه كذلك(13).

7- قيل أن أفصح القراءات قراءة عاصم بن أبي النجود الكوفي وعاصم قرأ على أبي عبد الرحمن السلمي وقال أبو عبد الرحمن: قرأت القرآن كله على علي بن أبي طالب عليه السلام.

8- العدد الكوفي في القرآن منسوب إلى علي عليه السلام فإنه سمع ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قال أبو علي الطبرسي في "مجمع البيان": روى الأستاذ أحمد الزاهد في كتاب "الإيضاح" بإسناده عن سعيد بن المسيب(14) عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال سألت النبي عن ثواب القرآن؟ فأخبرني بثواب سوره سورةً سورةً على نحو ما نزلت من السماء (إلى أن قال)، ثم قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (جميع سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة وجميع آيات القرآن ستة آلاف آية ومائتا آية وست وثلاثون آية وجميع حروف القرآن ثلاثمائة ألف حرف وعشرون ألف حرف ومائتان وخمسون حرفا، لا يرغب في تعلم القرآن إلا السعداء ولا يتعهد قراءته إلا أولياء الرحمن)(15).

9- إن علياً عليه السلام كان يعلم الناس القرآن، وهم يقرؤون عليه لتقويم قراءتهم، كما روي عن أبي مريم زر بن حبيش(16) قال: قرأت القرآن من أوله إلى آخره في المسجد الجامع بالكوفة على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام(17). وكما روي عن رزين بن حصين(18) رضي الله عنه قال: قرأت القرآن من أوله إلى آخره على علي بن أبي طالب رضي الله عنه فلما بلغت الحواميم، قال لي: قد بلغت عرائس القرآن، فلما بلغت اثنتين وعشرين آية من ﴿ حم عسق ﴾بكى ثم قال: اللهم إني أسألك إخبات المخبتين، وإخلاص الموقنين، ومرافقة الأبرار، واستحقاق حقائق الإيمان، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، ورجوت رحمتك والفوز بالجنة والنجاة من النار، ثم قال: يا رزين، إذ ختمت فادع بهذه، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرني أن أدعو بهن عند ختم القرآن ﴾(19).‏

وروى السيوطي في الدر المنثور قال: أخرج ابن الأنباري في المصاحف عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: كنت أقرئ الحسن والحسين، فمر بي علي بن أبي طالب وأنا أقرئهما فقال لي: أقرئهما وخاتم النبيين بفتح التاء.‏

10- إن علياً عليه السلام لم يكتف بتعليم القراء،بل كان يمشي في الأسواق وحده، وهو بذاك يرشد الضال ويعين الضعيف ويمر بالبياع والبقال فيفتح عليهم القرآن ويقرأ: ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾[القصص:83](20).

11- وكان علي عليه السلام يستنبط استنباطات دقيقة من القرآن تعكس فهمه العميق المتميز لكتاب الله وفقهه النير الذي لا يبارى في القرآن الكريم، وهو فقه خصه الله تعالى به وفتح به عليه، وقد حدث بهذه النعمة الإلهية، فكان يقول لمن سأله فيما إذا كان لديهم أهل البيت كتاب خاص من رسول الله أو وحي سوى القرآن، وغير ما لدى سائر المسلمين؟؟، فيقول: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما أعلمه إلا فهماً يعطيه الله رجلاً في القرآن، وما في هذه الصحيفة(21)(22) أو يقول: لا! ما عندنا إلا ما في كتاب الله، وما في هذه الصحيفة، إلا أن يعطي الله عز وجل عبداً فهماً في كتابه(23).

ومن أمثلة استنباطاته اللطيفة والدقيقة من القرآن الكريم استنباطه عليه السلام، أقل مدة الحمل - وهو ستة أشهر - من قوله تعالى: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا ﴾[الأحقاف:15] وقوله تعالى: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾[البقرة:233]، لأننا إذا طرحنا سنتي الرضاعة من الثلاثين شهرا المذكورة لكلي الحمل والفطام من الرضاعة بقيت ستة أشهر مدة الحمل!

و روى المفسرون أن رجلاً تزوج من امرأة فولدت له تماما لستة أشهر، فانطلق زوجها إلى عثمان بن عفان (وفي بعض الروايات أنه انطلق إلى عمر بن الخطاب) فأمر برجمها، فبلغ ذلك عليا عليه السلام، فأتاه، فقال: ما تصنع؟ قال: ولدت تماما لستة أشهر وهل يكون ذلك؟ قال علي عليه السلام: أما سمعت الله تعالى يقول ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا ﴾[الأحقاف:15] وقال: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾[البقرة:233] فكم تجده بقي إلا ستة أشهر؟(24).

12- وكان علي عليه السلام يحاج أعداءه بالقرآن كما أثبت المؤرخون احتجاجاته مع الخوارج وغيرهم. من ذلك ما رواه الدينوري في "الأخبار الطوال": حيث يقول: قالت الخوارج لعلي عليه السلام: إنا كفرنا حين رضينا بالحكمين وقد تبنا إلى الله من ذلك فإن تبت كما تبنا فنحن معك وإلا فأذن بحرب فإنا منابذوك على سواء! فقال لهم علي عليه السلام: أشهد على نفسي بالكفر؟! ﴿ ..قد ضللت إذًا وما أنا من المهتدين ﴾[الأنعام:56]، ثم قال عليه السلام: ليخرج إلي رجل منكم ترضون به حتى أقول ويقول، فإن وجبت علي الحجة أقررت لكم وتبت إلى الله، وإن وجبت عليكم فاتقوا الذي مردكم إليه. فقالوا: لعبد الله بن الكواء - وكان من كبرائهم-: اخرج إليه حتى تحاجه! فخرج إليه. فقال علي عليه السلام: يا ابن الكواء! ما الذي نقمتم علي؟ بعد رضاكم بولايتي وجهادكم معي وطاعتكم لي؟! فهلا برئتم مني يوم الجمل؟! قال ابن الكواء: لم يكن هناك تحكيم. فقال علي عليه السلام: يا ابن الكواء! أنا أهدى أم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال ابن الكواء: بل رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فما سمعت قول الله عز وجل: ﴿ ...فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ﴾[آل عمران:61] أكان الله يشك أنهم كاذبون؟ قال: إن ذلك كان احتجاجاً عليهم وأنت شككت في نفسك حين رضيت بالحكمين! فنحن أحرى أن نشك فيك! قال علي عليه السلام: وإن الله تعالى يقول: ﴿ قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ ﴾[سورة القصص:49]، قال ابن الكواء: ذلك أيضاً احتجاج منه عليهم! فلم يزل علي عليه السلام يحاج ابن الكواء بهذا وشبهه. قال ابن الكواء: أنت صادق في جميع ما تقول غير أنك كفرت حين حكمت الحكمين!(25).

وزاد الطبري في تاريخه: فقال علي عليه السلام: إنا لسنا حكمنا الرجال إنما حكمنا القرآن وهذا القرآن إنما هو خط مسطور بين دفتين لا ينطق إنما يتكلم به الرجال قالوا: فخبرنا عن الأجل لم جعلته فيما بينك وبينهم؟؟ قال: ليعلم الجاهل ويتثبت العالم، ولعل الله عز وجل يصلح في هذه الهدنة هذه الأمة، أدخلوا مصركم رحمكم الله!(26).

13- وكان علي عليه السلام يستشهد في مكاتباته بأي القرآن كما أورد اليعقوبي في تاريخه نبذةً منها، ومن ذلك كتابه عليه السلام إلى "يزيد بن قيس الأرحبي"(27): أما بعد، فإنك أبطأت بحمل خراجك، وما أدري ما الذي حملك على ذلك. غير أني أوصيك بتقوى الله وأحذرك أن تحبط أجرك وتبطل جهادك بخيانة المسلمين، فاتق الله ونزه نفسك عن الحرام، ولا تجعل لي عليك سبيلا، فلا أجد بداً من الإيقاع بك، وأعزز المسلمين ولا تظلم المعاهدين، ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾[القصص:77](28).

14- وكان عليه السلام إذا أراد أن يسير إلى الحرب قعد على دابته وقال: الحمد لله رب العالمين على نعمه علينا وفضله العظيم ﴿ سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ. وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ ﴾[الزخرف:13و14] ثم يوجه دابته إلى القبلة ثم يرفع يديه إلى السماء ثم يقول: اللهم إليك نقلت الأقدام وأفضت القلوب ورفعت الأيدي وشخصت الأبصار، نشكو إليك غيبة نبينا وكثرة عدونا وتشتت أهوائنا ﴿ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ ﴾[الأعراف:89] سيروا على بركة الله!(29).

15- وكان عليه السلام إذا أراد الغزو حرض أصحابه على القتال بآي القرآن فقال: إن الله عز وجل قد دلكم على تجارة تنجيكم من العذاب وتشفي بكم على الخير، إيمان بالله ورسوله وجهاد في سبيله، وجعل ثوابه مغفرة الذنوب ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر، فأخبركم بالذي يحب فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ ﴾[الصف:4](30).

16- وكان عليه السلام إذا أبصر بعض أصحابه، بشره بقراءة القرآن، كما روي أنه: أتى سليمان بن صرد الخزاعي(31) علياً أمير المؤمنين عليه السلام ووجهه مضروب بالسيف، فلما نظر إليه علي عليه السلام قال: ﴿ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾[الأحزاب:23] فأنت ممن ينتظر وممن لم يبدل(32).

17- وكان عليه السلام يكتب إلى أمراء الأجناد فيذكرهم بالقرآن فكتب:  ...فاعزلوا الناس عن الظلم والعدوان وخذوا على أيدي سفهائكم واحترسوا أن تعملوا أعمالا لا يرضى الله بها عنا فيرد علينا وعليكم دعاءنا فإن الله تعالى يقول: ﴿ قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامَاً ﴾[الفرقان:77](33).

18- وربما أنشد أحد الشعر عند علي أمير المؤمنين علي عليه السلام فأمره أن يقرأ القرآن مكان شعره، كما روي أنه عليه السلام لما انتهى إلى مدينة بهرسير (في مسير صفين) إذا رجل من أصحابه يقال له "حر بن سهم بن طريف" من بني ربيعة بن مالك، ينظر إلى آثار كسرى وهو يتمثل قول ابن يعفر التميمي(34)

جرت الرياح على مكان ديارهم            فكـأنـمـا كـانوا على ميعاد

فقال علي عليه السلام: أفلا قلت: ﴿ كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ ﴾[الدخان:25-29] إن هؤلاء كانوا وارثين فأصبحوا موروثين. إن هؤلاء لم يشكروا النعمة فسلبوا دنياهم بالمعصية. إياكم وكفر النعم لا تحل بكم النقم(35).

19- وربما أعذر أحد عنده فعذره عليه السلام ورفع عنه اللوم بآية من القرآن كما روي أنه لما رجع من صفين وانتهى إلى النخيلة رأى شيخاً في ظل بيت على وجهه أثر المرض فسلم عليه فرد رداً حسناً فسأله عن حاله وبشره برحمة الله وغفرانه وقال له: هل شهدت معنا غزاتنا هذه؟ قال: لا والله ما شهدتها ولقد أردتها ولكن ما ترى بي من لحب الحمى خذلني عنها. قال علي: ﴿ لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾[التوبة:91](36).

20- وكان علي عليه السلام يكثر من مدح القرآن ويثني على أهله خيراً بأبلغ بيان وأحسن الكلام وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.

21- وكان من وصيته عليه السلام لما حضره الموت أنه قال: ..والله الله في القرآن، لا يسبقكم بالعمل به غيركم!(37).

هكذا كان علي مع القرآن والقرآن مع علي كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم. روى الخطيب البغدادي في تاريخه بسنده عن أبي ثابت قال: دخلت على أم سلمة رضي الله عنها فرأيتها تبكي وتذكر علياً! قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: علي مع القرآن والقرآن مع علي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض يوم القيامة(38).

 

الهوامش:

(4) مكحول: فقيه الشام في عصره، كان من حفاظ الحديث، توفي (112هـ).

(5) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري (ت:310هـ)، عند تفسيره لقوله تعالى في سورة الحاقة: ﴿ لنجعلها لكم تذكرةً وتعيها أذن واعية ﴾، (29/55).

(6) لا شك أنه ليس مقصود الإمام عليه السلام من هذا الكلام التفاخر، فقد كان أبعد الناس عن الفخر والخيلاء، وإنما قصد من كلامه حث المسلمين الجدد وأجيال المسلمين على المجيء إليه لتعلم علوم القرآن لينهلوا من غزير معرفته، وهذا مثل قوله عليه السلام ﴿ سلوني قل أن تفقدوني! ﴾أي استفيدوا من علمي قبل أن أرتحل إلى جوار ربي فلا تجدونني لتسألوني.

(7) الطبقات الكبرى، لابن سعد، (ج:2، ق:2، ص:101).

(8) مجاهد بن جبر، من قراء التابعين وعلمائهم في التفسير، نهل من معين عبد الله بن عباس فصار من أشهر المفسرين في مكة، توفي سنة (104هـ).

(9) جامع البيان: (28/20).

(10) هو محمد بن سيرين البصري من كبار علماء التابعين وفقهاء السلف المشهورين توفي سنة (110هـ).

(11) سويد بن غفلة الجعفي-كما يقول العلامة الحلي-من أصحاب الإمام علي عليه السلام (انظر خلاصة الأقوال في معرفة الرجال، للعلامة الحلي، (ص:163).

(12) تاريخ الأمم والملوك للطبري: (6/114).

(13) راجع: مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب، (2/52).

(14) سعيد بن المسيب من كبار التابعين وأحد فقهاء المدينة السبعة ومن المعاصرين للإمام علي عليه السلام والآخذين عنه. يذكر العلامة الحلي في كتابه الرجالي "خلاصة الأقوال" أن سعيد بن المسيب تربى على يدي علي عليه السلام.

(15) مجمع البيان في تفسير القرآن (10/613-614)، أو (29/140).

(16) زر بن حبيش الأسدي الكوفي، من أصحاب أمير المؤمنين علي عليه السلام، قال عنه ابن حجر في "تقريب التهذيب": (ثقة جليل مخضرم مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث وثمانين هجرية وهو ابن (127) سنة).

(17) انظر بحار الأنوار للمجلسي: (89/206).

(18) يبدو أنه من تصحيفات النساخ وأنه نفس زر بن حبيش المذكور آنفاً، حيث لا ذكر في كتب الرجال لرجل اسمه: رزين بن حصين!! والتشابه بين طريقة كتابة الاسمين بلا نقاط واضح.

(19) السيوطي في تفسيره الدر المنثور في التفسير بالمأثور، ذيل تفسيره للآية (20) من سورة الشورى.

(20) مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب، (2/120).

(21) يشير إلى الصحيفة الجامعة التي كان يضعها في قراب سيفه وكان يدون فيها أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما يتلقفه عنه من العلم. وقد نقلت كتب الحديث عند الفريقين كثير من محتوياتها.

(22) انظر صحيح البخاري: 168-باب فكاك الأسير، وسنن الترمذي: ج2: أبواب الديات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: 16-باب ما جاء لا يقتل مسلم بكافر، وسنن ابن ماجة: ج2، باب لا يقتل مسلم بكافر، وانظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي، ذيل تفسيره لقوله تعالى ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾الآية (59) من سورة النساء.

(23) سنن النسائي: ج8، كتاب القسامة، باب سقوط القود من المسلم للكافر.

(24) انظر تفسير الطبري ذيل تفسيره لقوله تعالى: ﴿ قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ﴾[الزخرف:81] وتفسير الدر المنثور للسيوطي ذيل تفسيره لقوله تعالى ﴿ وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا ﴾[الأحقاف:15]، وتفسير القرطبي، ذيل تفسيره للآيتين المذكورتين.

(25) انظر: الأخبار الطوال، للدينوري، (ص:208-209).

(26) تاريخ الأمم والملوك للطبري، (5/66). والكامل في التاريخ لابن الأثير الجزري، (3/328).

(27) كان عامل علي عليه السلام على الري وهمدان وأصفهان.

(28) راجع تاريخ اليعقوبي: (2/200-201).

(29) كتاب "وقعة صفين" لنصر بن مزاحم الثقفي، (ص:231).

(30) كتاب "وقعة صفين" لنصر بن مزاحم الثقفي، (ص:235).

(31) سليمان بن صرد الخزاعي أبو مطرف الكوفي رضي الله عنه، صحابي جليل وكان أيضاً من أصحاب وشيعة الإمام علي عليه السلام، استشهد بعين الوردة سنة (65هـ).

(32) المصدر السابق: (ص:519).

(33) المصدر السابق، (ص:125).

(34) من شعراء الجاهلية.

(35) المصدر السابق، (ص:142-143).

(36) المصدر السابق، (ص:528-529).

(37) انظر نهج البلاغة، للشريف الرضي، (ص:422).

(38) انظر تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي، (14/321).